فصل من نبوءة هنري كيسنجر!

جورج علم /

لنقرأ التاريخ، والتواريخ معاً:

أطلّ وزير الخارجيّة الأميركي الأسبق هنري كيسنجر يوم 16/10/ 2015 في مقال كتبه في صحيفة "وول ستريت جورنال"، تحت عنوان "السبيل لتجنّب إنهيار الشرق الأوسط"، وقد لقي هذا المقال ـ الذي أشار اليه البعض بـ"نبوءة كيسنجر للعام 2015" – صدىً واسعاً في الأوساط السياسيّة، والإعلاميّة، العربيّة، والعالميّة.

يرى كيسنجر "أن هذه المنطقة مشتعلة بسبب ما فيها من طائفيّة، ومذهبيّة، وإستبداد، وإرهاب. وأن هناك الآن أربعة مصادر تهديد خطيرة لغالبية بلدان الشرق الأوسط هي: السياسة التوسعيّة الإيرانيّة، والحركات الإرهابيّة والمتطرّفة، والصراعات العرقيّة، والطائفيّة، ونوعيّة معظم حكومات الدول المضطربة.

 ويرى كيسنجر "أن نذر الحرب العالمية الثالثة بدت في الأفق، وطرفاها الولايات المتحدة، من جهة، والصين وروسيا وإيران من جهة أخرى".

وقال: "إن ما يجري الآن هو تمهيد لهذه الحرب التي ستكون شديدة القسوة بحيث لا يخرج منها سوى منتصر واحد هو الولايات المتحدة ـ من وجهة نظره ـ وإن واشنطن تركت الصين تعزّز من قدراتها العسكريّة، وتركت روسيا تتعافى من إرث الإتحاد السوفياتي السابق، مما أعاد الهيبة لهاتين القوّتين، لكن هذه الهيبة هي التي ستكون السبب في سرعة زوال كل منهما، ومعهما إيران التي يعتبر سقوطها هدفاً ذا أولوية لإسرائيل. ثم إن إدراك الإتحاد الأوروبي لحقيقة المواجهة العسكرية المحتومة بين أميركا وكل من روسيّا والصين المتباهيتين بقوتهما، دفعه للمسارعة بالتوحد في كيان واحد متماسك قوي. وإن الدوائر السياسيّة والاستراتيجيّة الأميركيّة طلبت من العسكريين احتلال سبع دول شرق أوسطيّة من أجل إستغلال مواردها الطبيعيّة، خصوصاً النفط والغاز، حيث أن السيطرة على البترول هي الطريق للسيطرة على الدول. أما السيطرة على الغذاء فهي السبيل للسيطرة على الشعوب. وإن العسكرييّن الأميركييّن حققوا هذا الهدف تقريباً، أو هم في سبيلهم إلى تحقيقه استجابة لطلباتنا. بقي حجر واحد علينا إسقاطه من أجل إحداث التوازن، وهو المتمثل في إيران، مع التأكيد بأن روسيا والصين لن يقفا موقف المتفرّج، ونحن نمهّد الطريق لقوتنا، خصوصاً بعد أن تشنّ إسرائيل حرباً جديدة بكل ما أوتيت من قوّة لقتل أكبر قدر ممكن من العرب، وهنا سيستيقظ الدب الروسي، والتنين الصيني، وقتها سيكون نصف الشرق الأوسط على الأقل قد أصبح إسرائيليّاً، وستصبح المهمّة الملقاة على عاتق جنودنا، وأقصد هنا الأميركييّن والغربييّن بصفة عامة، المدرّبين جيداً، والمستعدّين في أي وقت لدخول حرب عالمية ثالثة، يواجهون فيها الروس والصينييّن. ومن ركام الحرب سيتم بناء قوّة عظمى وحيدة، قوية، صلبة، منتصرة، هي الحكومة العالمية التي تسيطر على العالم، ولا ينسى أحد ان الولايات المتحدة تملك أكبر ترسانة سلاح في العالم، لا يعرف عنها الآخرون شيئاً، وسوف نقوم بعرضها أمام العالم بالوقت المناسب"!

…ولنقرأ التاريخ، والتواريخ معاً، وبتمعّن.

في 24 نيسان الماضي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الثالث من أيار 2019 هو الموعد النهائي لتصدير النفط الإيراني، طالباً من الدول المستثمرة، أو المستفيدة، التوقف، بينها الصين والهند، وتركيا وكوريا الجنوبيّة والعراق… وترك الموقف ردود فعل واسعة لدى الدول الصناعيّة الكبرى، وفي أسواق النفط العالميّة. وازداد منسوب القلق فجر 12 أيار عندما تعرّضت سفن تجاريّة أربع، لاعتداء في المياه الاقتصاديّة الإماراتيّة قبالة الفجيرة، واتسعت مساحة التحليلات، والاتهامات، وانعقد مجلس الأمن الدولي استثنائيّاً ليحذّر من خطر التصعيد.

ولم تهادن واشنطن أو تتراجع، بل أقدمت فوراً على تعزيز حضورها العسكري في الخليج، وأرسلت حاملة الطائرات أبرهام لنكولن إلى المنطقة مع طاقم السفن الحربيّة التابعة لها، والقاذفات الاستراتيجيّة العملاقة من طراز (بي 52). ونشّطت حركتها الدبلوماسيّة، عن طريق إيفاد العديد من المبعوثين لقراءة الحقائق الميدانيّة على أرض الواقع، ووجهت إتهامات مباشرة وصريحة لطهران محمّلة إيّاها مسؤولية الإعتداء، ودعت المجتمع الدولي للوقوف إلى جانبها في حماية الممرات المائيّة، والتي يعبر من خلالها خمس النفط العالمي.

لكن يبدو أن الإجراءات المتخذة، على الرغم من أهميتها وضخامتها، لم تشكّل قوّة ردع فعليّة تضع حدّاً للإنزلاقات الخطرة، أو توفّر فرصة سانحة للهدوء، والتعقّل، والابتعاد عن التوتر والتشنّج، بدليل أن الرؤوس الحاميّة بعثت فجر 20 الجاري برسالة عاجلة تفيد عن إسقاط طائرة تجسس أميركيّة بصاروخ إيراني في المجال الجوّي لمضيق هرمز…

وماذا بعد؟

لا زلنا نقلّب صفحات التاريخ، ونتمعّن بالتواريخ جيداً. المسلسل مستمر، الحلقات متلاحقة، والأبواب مشرعة على كلّ الإحتمالات، إحتمال الحوار واللجوء الى لغة العقل والجلوس الى طاولة النقاش الهادىء، وإحتمال التصعيد، وهو قائم، ومتاح، ويشهد في كلّ يوم، ومع طالع كلّ شمس فصلاً جديداً من فصول الأزمة التي تقود إلى المنزلقات الخطرة التي تحدث عنها كيسنجر في "نبوءته" المشؤومة.

والمثير، والمدهش فعلاً، أن هذا الرجل الذي ترك بصمته على السياسة الخارجيّة الأميركيّة، كان أول من تنبأ عن "الشرق الأوسط الجديد، الواسع"، وعن "الانتفاضات" و"الثورات" في العالم العربي، والتي أصبغنا عليها إسم "الربيع العربي"، وعن "إسرائيل التوراتيّة الكبرى"، والدليل أن أحد أحفاده المتحدّر من سلالة "الديموقرطيّين الجدد"، والمكنّى جاريد كوشنر، والمقرّب من الرئيس دونالد ترامب، كونه صهره، وشاغل منصب مستشاره الخاص، قد آل على نفسه المساهمة في صناعة "الشرق الأوسط الجديد، والواسع"، من خلال "صفقة القرن"، التي تدلف من البوابة الإقتصادية في مؤتمر المنامة عاصمة مملكة البحرين، تحت شعار "ورشة السلام من أجل الإزدهار".

ثمن هذه "الصفقة"، وفق التقدير الأولي، 50 مليار دولار أميركي من أموال عربيّة ـ خليجيّة ـ نفطيّة. "صفقة" محورها "المال مقابل الأرض"، والكلفة 50 مليار دولار، (وفق التقديرات الأميركيّة ـ الإسرائيليّة)، ثمن فلسطين، وتراب فلسطين، وشعب فلسطين، وحقوقه المشروعة. وثمن الأرض التي ستتغيّر معالمها في سيناء، والعريش، وغور الأردن، ومناطق وكيانات أخرى، وفق "الترسيم الجديد لجغرافيّة الشرق الأوسط"، بما في ذلك توطين اللاجئين في لبنان، وسوريا، والأردن، ومصر، الدول المشمولة بـ"الصفقة"، والملحوظة "إكرامياتها" في فاتورة الـ50 مليار دولار!

ولنقرأ معاً التاريخ، والتواريخ بتمعن، لنشير الى أن "صرخة" الرئيس نبيه برّي لم يسمعها دونالد ترامب، ولا صهره جاريد كوشنر، ولا مستشاره جون بولتون، ولا حتى رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو… بالكاد سمعها أنصار حزب الله، وحركة أمل، وبعض مسيحيي جبل لبنان، وسنّة طرابلس، وعكّار. ولأن الزمن هو زمن الكيديات والمزايدات السياسيّة، والطائفيّة، والمذهبيّة، فقد تبرعت وسائل الإعلام التابعيّة، وتنافست على "تظهير" موقف لبنان الرسمي الجامع ضد "صفقة القرن"، وضد "المال مقابل الأرض"، وضد "التوطين".

ولكنّ "التوطين" واقع يا سادة، وقائم، ومستمر…

ولنقرأ التاريخ، والتواريخ معاً، وبتمعن، لنشير إلى 20 حزيران سنة 1994، عندما وقّع رئيس الجمهوريّة الراحل الياس الهراوي مرسوم تجنيس أكثر من 157216 شخصاً، من جنسيات مختلفة، وقد صدر تحت الرقم 524.

ولم يكن الهراوي الوحيد الذي "فعلها"، بل كل رؤساء الجمهوريّة الذين تعاقبوا على منصب "صاحب الفخامة"، قد أدلوا بدلوهم، وأصدروا مراسيم مماثلة، وآخرهم كان الرئيس العماد ميشال عون الذي أصدر مرسوما تحت جنح الظلام، قبل عام تقريباً، يمنح الجنسيّة لـ300 من طالبيها!

وتريدون المزيد؟ فلنقرأ معا التاريخ، والتواريخ بتمعّن…

في 21 كانون الأول 2017، أقيم إحتفال ضخم، فخم، في السراي الحكومي رعاه الرئيس سعد الحريري، وبحضوره، مع جمع وفير من الرؤوس التيّاهة في الهواء، أعلنت خلاله المدير العام لإدارة الإحصاء المركزي اللبناني الدكتورة توتليان غيدانيان أن عدد اللاجئين الفلسطنيين في المخيمات، والتجمعات الفلسطينيّة قد بلغ 174422 شخصا نتيجة "التعداد العام للسكان، والمساكن في المخيمات والتجمعات الفلسطينيّة في لبنان الذي أجرته لجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني، بالشراكة مع إدارة الإحصاء المركزي اللبناني، والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إبتداء من العام 2017"! في حين أن الإحصاء السنوي الذي أصدرته وكالة "أونروا" عن أعداد اللاجئين في لبنان حتى نيسان 2019 قد بلغ 533885 شخصا!

أيّاهما نصدّق؟ بسيطة! 174422 لاجئاً يمكن تجنيسهم بمرسوم واحد، في ليلة "ما فيها ضو قمر"…

وهل تريدون المزيد؟

إذا ما قرأنا التاريخ، والتواريخ بتمعّن، هناك الكثير من الأمثلة، والشواهد… مع كامل إحترامي، ومودتي لـ"صرخة" الرئيس نبيه بري…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.