من ينتصر آخراً.. "دولة عون" أم "دولة الحاجز"؟

نورما أبو زيد /

قبل فترة وجيزة، استضافت بيروت مؤتمراً عاماً لسفراء بلجيكا المعتمدين في المنطقة. يروي صديق كان مدعواً إلى المؤتمر، أنّ أحد السفراء الحاضرين، كان والده سفيراً لبلجيكا في لبنان قبل 30 عاماً، وأنّ الأخير خرج من المؤتمر بخلاصة مفادها، أنّه ليس أمراً عابراً أن يعود إلى لبنان بعد 30 سنة من مغادرته له، ويجد أنّ كلّ الذين كانوا يحكمون البلد في تلك الفترة هم ذاتهم اليوم في السلطة، هذا إذا تجاوزنا فكرة أنّ رؤساء عصابات الحرب، ارتدوا ربطة عنق وأمسكوا بـ "رقبة" الدولة.

ما لم يقله السفير البلجيكي لضيفه، هو أنّ رؤساء المليشيات بدّلوا شكلهم الخارجي فقط، من بزّة ميليشيوية إلى بذلة رسمية مع ربطة عنق، وبدّلوا مواقعهم من المتاريس الميليشيوية إلى المتاريس "الدولتية"، ولم يبدّلوا أداءهم. في زمن الحرب لم يُرِدْ هؤلاء دولة، وفي زمن "السلم" لا يريد هؤلاء دولة.

الميليشيات لا تحبّ الدولة المركزيّة، ولا قواها المسلّحة، ولا علمها الوطني. وعليه، لا يجب أن نستغرب عندما نرى الأعلام الصغيرة ـ أعلام الميليشيات ـ تعلو العلم اللبناني الكبير. فكيف لزعماء الحواجز "عالهوية" أن يحوّلوا لبنان من "دولة الحاجز" إلى دولة صاحبة هوية وطنية؟

يكاد يكون لبنان الدولة الوحيدة على كوكب الأرض التي سمحت بعبور زعماء ميليشيات الحرب إلى الحكم في زمن السلم، ولذلك لا يجب أن نستغرب عندما تتكرّر تجارب الحرب في زمن السلم. رموز "الكانتونات" الميلشيوية السابقة، هم أنفسهم رموز "الكانتونات" الطائفية الراهنة. وناهيك عن أنّهم شركاء أساسيين خلال حقبة الحرب، جميعهم شركاء أساسيين في حقبة الفساد والإفساد التي تلت الحرب. يشكّل هؤلاء مجتمعين خليطاً سياسياً يصعب على الرئيس ميشال عون الآتي من مدرسة الجيش هضمه أو الاندماج به أو الانسجام معه، والعكس صحيح أيضاً. يبدو الرئيس عون بين جموع المقطوع الأمل منهم، الوجه الوحيد المتبقّي من صورة الدولة، وقد لا يكون نافراً القول إنّ أحداً من هؤلاء الذين يفتحون في كلّ طائفة "دكانة" لا يريده في صلب المعادلة السياسية، وعليه، حروبهم مستمرّة عليه وعلى الدولة التي يمثّلها، وهو في المقابل يصرّ على نظرية "بيّ الكلّ" قولاً وممارسة.

انطلاقاً من هذه اللوحة الزعاماتية القاتمة السواد، لا بدّ من التساؤل كيف للرئيس أن يُصلح خلال عهده ما أفسده الدهر؟

منذ حادثة قبرشمون، تتعالى أصوات تدعو الرئيس ميشال عون إلى تجديد طاولة الحوار الوطني. ولكن ميشال عون ليس ميشال سليمان، وبالتالي لا يمكن لرجل استثنائي أن يدعو إلى طاولة روتينية تخرج بمقررات اعتيادية تنادي بالوحدة الوطنية و"أهلها" تمرّسوا على الأفكار الانفصالية. ولو قُدِّر ودعا الرئيس عون إلى هكذا طاولة، ستكون نتائج دعوته شبيهة بنتائج دعوة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إلى "دمقرطة" الشرق الأوسط، التي "أبهرنا" هو وأهل هذا الشرق بنتائجها، مع الفارق بالطبع بين مصداقية دعوة الرئيس عون ـ إن حصل ودعا ـ ولامصداقية دعوة بوش.

قبل أن تُظهر حادثة قبرشمون أنّ البلد ممكن أن يصلّ في أيّ لحظة إلى حافة حرب، كنّا نهرول اقتصادياً نحو قعر الهاوية الذي يبدو وكأنّه قدر لا مفرّ منه. الرياح "الانفصالية" والرياح الاقتصادية التي تعصف بالبلد، استُتبعت بأعاصير دولية تُرجمت عقوبات جديدة على "حزب الله". أمّا الأعاصير الإقليمية فطريقها دائماً سالكة باتجاه لبنان، لأنّ ثمة أفرقاء في الداخل "يشترون" لها تذكرة سفر، ويشرّعون الأبواب ترحيباً بـ "الزائر" الكريم.

في هذا الجوّ الملبّد، ثمّة شعور عام بأنّ البلد تحوّل إلى سجن مقفل تحت سماء مفتوحة على كلّ أنواع العواصف. وعليه، هناك حاجة ملحّة إلى خطوة استثنائية. فهل سيقف الرئيس عون مكتوف اليدين، أم يطلق "مبادرة ـ مظلّة"؟

كلّ الذين عايشوا صلابة الرئيس عون في الأزمات، يقولون إنّه سيبادر انطلاقاً من حسّه بالمسؤولية الوطنية. يبقى السؤال إذا كانت مبادرته ستُترجم قمّة تقليدية جامعة للكلّ بما في ذلك الوجوه الكالحة، أم ستكون قمّة استثنائية؟

التوقعات كثيرة، ولكن حبّذا لو تكون مبادرة الرئيس على شكل قمّة اقتصادية ـ سياسية محصورة وأن تتوسّط الطاولة استراتيجية محدّدة سلفاً. وبمعنى آخر: قليل من الكلام، كثير من الأفعال، كي تنتصر الدولة التي نريدها على "دولة الحاجز".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.