"رقيب الاحوال".. وسيف سمعان سيف

جوزف القصيفي

كثيرة هي المواقف والطرائف التي واكبت سابقاً عمل الصحافي في لبنان. وعلى الرغم من قساوة الحياة ومحدودية الموارد، وعدم رواج الاعلانات، فقد كانت حياة الصحافي شيقة تسودها روح المغامرة، إلى كثير من الارهاق الجسدي لانعدام وجود وسائل منتظمة للنقل وندرة وسائل الاتصال السلكي (الهاتف). ومع ذلك كانت هناك مودة بين أصحاب الصحف والعاملين لديهم من مراسلين ومحررين، وكانوا يعيشون معاً كأنهم في عائلة واحدة.

وفي البدايات كانت الجرائد عائلية، يتوزع العمل فيها الآباء والأبناء والأشقاء بين كاتب ومراسل وإداري ومسؤول عن الاشتراكات والاعلان، بالتعاون مع صحافيين أصدقاء كانوا يحتملون التأخير في سداد الرواتب. وكانت صحيفة "رقيب الاحوال" لصاحبها المرحوم سمعان فرح سيف، من عشقوت – كسروان، تمثل نموذج المؤسسة العائلية. وكان، رحمه الله، دستورياً شديد الولاء للرئيس بشارة الخوري، مدافعاً عن سياسته. وخطرت يوماً على باله فكرة الترشح الى النيابة، وما ان أعلن رغبته في سلوك هذا الخيار فتح أبواب دارته ببلدته وراح يستقبل الوفود، ومنها وفد تقدمه حامل سيف يحدو: "لولا سيفك سمعان سيف.. الارزة مين بيحميها". لكنه طوى صفحة الترشح وأعرض عن ركوب هذا المركب، مؤثراً الانصراف الى المهنة التي أطعمته خبزاً في السنوات السمان، قبل أن يوقف إصدارها نهائياً بعد سنوات شهدت فيها الصحافة اللبنانية نفضة كبيرة في ضوء اتساع نطاق اهتماماتها، وتطور الطباعة وبروز دور وسائل الاعلام الحديثة من "تلكس" و"تلبرنتر"، وكان يتعين عليه أن يوظف رأسمال كبيراً لكي يستمر بقوة وفاعلية، ففضّل أن يستثمر جنى العمر في مجالات أخرى غير الصحافة التي غالباً ما يكون الاستثمار فيها عرضة لشتى الاخطار والمفاجآت.

وعمل في "رقيب الاحوال" كوكبة من الصحافيين ومنهم من بلغ أرفع المراتب في حقول السياسة والأدب والشعر والقصة. يكفي أن نذكر منهم الشاعر وديع عقل صاحب القصيدة الذائعة الصيت التي يبدأ مطلعها:

"إن الذي أجرى على لبنان من

فردوسه الأعلى اخص جماله

أعطاه ما تهن الدواهي دونه

وحباه ما لا مطمعٌ بزواله

نعم رواسخُ في رواسيه فلا

تنهار إلا بانهيار جباله

فانظر إليه كيف شق قميصه

البلور منفجراً على سرباله

وانزل عليه خالعاً ثوب الضنى

ما بين ضال المنحنى وضلاله

واخلع نعالك قبل دوس ترابه

فتراب لبنانٍ رفاتُ رجاله"…
الى عقل، حرّر وكتب في جريدة "رقيب الأحوال" البساتنة: بطرس وكرم واسكندر. الأول كان لغوياً وأديباً وله أبحاث قيمة في هذا المجال، وامتلك في ما بعد امتيازات صحافية لم يتسن له إصدارها. والثاني هو كاتب قصصي رائق الديباجة له كتاب "حكايات لبنانية"، وهي مرويات تاريخية طريفة مصاغة بأسلوب شيّق وممتع. أما الثالث فكان منشئاً صحافياً بارعاً ومقتدراً.

إلى هؤلاء هناك نجيب إليان، وهو رجل أديب ومثقّف لامع، أدى أدواراً بارزة في عالم الصحافة والاعلام في الثلث الاول من القرن العشرين وحتى بدايات منتصفه، وتولّى مناصب رفيعة في وزارة الاعلام وكانت تسمى وقتها "وزارة الأنباء والارشاد".

وأيضاً عمل في "رقيب الاحوال" الدستوري العتيق خليل أبوجوده، الذي استقل في ما بعد بصحيفته "الدستور"، وقد انتخب نائباً وعين وزيراً. وكان الصحافيان منصور ويوسف أبو صالح من أسرة الجريدة، وكانا متضلعين من أصول المهنة وقواعدها.

وكتب في "رقيب الاحوال" كرم ملحم كرم الذي أُعطي لقب "أمير القصة العربية"، وهو أصدر مجلته القصصية "ألف ليلة وليلة" ووضع ألف قصة وقصتين، أي بزيادة قصة واحدة عن ذاك المصنف المعروف.

وكان أبا عصام أميرا من أمراء البلاغة، ذا ثقافة شمولية واطلاع على الآداب العالمية، يتميز بجزالة الأسلوب، وبقدرة مدهشة على تطويع اللغة لتعبر عن الأفكار والخواطر التي ترد إلى ذهنه بطريقة دقيقة، لا تفسح لأي التباس مكاناً يطل منه. وكان آلة طابعة من لحم ودم، إذ يروي عمال المطبعة أنه كان ينكب على موضوعه بهدوء ومثابرة: يملأ فراغ الاوراق المكدسة أمامه، ويدفع بها واحدة تلو الأخرى من دون مراجعة أو حذف إلى" المطبعجي" ليقوم بما عليه. ولا تزال قصصه حتى اليوم تلاقي رواجاً، وتدرس في المناهج العربية كنموذج للقصة العربية التي تجمع عناصر هذا الفن من الموضوع الى الحبكة، فالخلاصة، الى اللغة الراقية المتلألئة جزالة والمتوهجة إبداعاً.

واحتضنت الجريدة أيضا روبير أبيللا، عصام كرم وملحم كرم. ومن غريب الصدف ان يكون الأول أول نقيب للمحررين في لبنان وواضعاً او مشاركاً في العديد من التشريعات الناظمة للمهنة، وتنقّل بين نقابتي الصحافة والمحررين متبوئاً الموقع الأول، وهو أسس داراً حديثة للنشر تصدر عنها جريدة "الزمان" ووكالة أنباء ومطبوعات أخرى، بالتعاون مع نسيبيه جوزف وجورج عارج سعاده، وكانا يملكان امتيازين: جريدة رسمية باسم "صدى لبنان" آلت ملكيتها منذ سنوات طويلة الى نقيب الصحافة الراحل محمد البعلبكي وهي حاليا بعهدة ورثته، وجريدة "الحديث المصور" وهي أسبوعية مختصة بشؤون الاغتراب اللبناني وتملك أرشيفاً ضخماً حول هذا الملف من صور وصحف. وقد آلت ملكيتها الى السيدة ميشال كريمة رئيس تحريرها الصحافي البارز والمخضرم جورج عارج سعاده.
اما الثاني، فانتخب نقيبا للمحامين وامتاز بدفاعه عن الحريات العامة والصحافية والنقابية، وشجاعته الأدبية وقدرته الخطابية وثقافته الموسوعية، لاسيما في مجالات الادب والشعر والفن والتاريخ والسياسة، عدا تبحّره في علم القانون. وكان يكتب باستمرار في الصحف والمجلات الصادرة عن "دار ألف ليلة وليلة" التي كان يديرها شقيقه ملحم، إلى لحظة احتحابها نهائياً. أما الأخير، فانتخب نقيباً لمحرري الصحافة اللبنانية لأقل من نصف قرن بقليل. وقد ترأس تحرير جريدة "البيرق" التي ابتاعها في أوائل ستينيات القرن المنصرم من آل عقل، و"la revue du liban" من آل مخلوف في منتصف السبعينيات، فـ "mondaymorning" المجلة الانكليزية الوحيدة، ومجلة "الحوادث" في الثمانينات وهي الأسبوعية الأولى عربياً وكانت تصدر من لندن، عدا امتلاكه امتيازات سياسية وأدبية كثيرة لم يعمل على إصدارها.

هناك العديد غير الذين ذكرتهم. وقد فاق مجموع  الذين مرّوا على"رقيب الاحوال" الستين كاتباً صحافياً. ولا يفوتني ذكر صحافي عمل في هذه الصحيفة، أدركته في آخر أيامه في جريدة "البيرق"، هو نعيم الزيلع، من بلدة العقيبه الكسروانية الساحلية، وكان ناقداً لاذعاً، وصاحب قلم يترصّد هفوات السياسيين وزلاّتهم، ويسلّط الضوء على الآفات الاجتماعية، وكان له جمهور من القراء الذين يستهويهم أسلوبه الساخر، المائل الى النكات التي تجرح ولا تدمي.
ولسمعان فرح سيف أربعة أبناء: انطوان، جان، جوزف، روجيه. الثلاثة الاول عملوا في الصحافة. وقد اعتزلها الاول بعد احتحاب الصحيفة، الى عمل آخر.

كان سيف – كما أسلفت – رجلاً طيباً، دمث الاخلاق، عف اللسان، مضيافاً.. وأكثر من ذلك، كان مسالماً إلى أبعد الحدود، ويوصي العاملين معه اجتناب النقد اللاذع، والإساءة إلى أحد، والابتعاد عن مهاجمة أي سياسي، وتخيّر العناوين والنصوص غير المستفزة. علماً أن سمعان كانت له مواقف وطنية جريئة في مقارعة الانتداب والاستبداد، ومناصرة الحرية.

ومن طرائف ما يذكر أن سيف جمع بعض المحررين، ومن بينهم عصام كرم، للتعاون على اختيار العنوان المناسب لحل أزمة تصدير البيض اللبناني التي كانت قد نشأت في حينه. وكان أمام عدد من مشاريع العناوين:
"بيضنا في التصدير" أو"بيضنا بالتصدير" أو "بيضنا الى التصدير". فقال: لا يجوز قول بيضنا "في" أو "بـ"… لانه قد يعطى معنى غير المراد منه. وكلمة "إلى" لا أستسيغها في العنوان. وتطلع الى الخطّاط وقال "حط لام"، وهكذا أصبح العنوان "بيضنا للتصدير". بعد ساعة من المداولات، غاص فيها الاستاذ على شوارد اللغة والمعاني ليستقر على"لام" لا تقدم ولا تؤخر في المعنى المقصود، لكن المغزى منها أن التأنّي ضرورة ولو في شأن تفصيلي كما ذكرنا.

قد لا تستثير هذه الواقعة الضحك لانها تفتقر الى عنصر الحركة، ولكن لا يستطيع المرء – وهو يستمع الى النقيب عصام كرم سارداً تفصيلها – إلا أن يقهقه، نظراً لطرافة التعليلات المواكبة. والعبرة من ذلك أن صاحب الجريدة كان يجتهد كثيراً ليبتعد ما أمكن عن خطأ، غالباً ما يكون غير مقصود ولكن يسجل عليه في "دفتر الحساب".

مرة كتب جوزف سيف في الجريدة مقالاً توجّه فيه الى وزير الزراعة مذكراً فيه بالوعود التي قطعها للمزارعين، مشيراً الى كساد الموسم والضرر الذي أصاب التفاح. فثارت ثائرة الاستاذ سمعان واستدعى النقيب عصام داعياً لـ"ضبط زيزي.. قلمه مرّ.. وبده يعمل لنا مشاكل.. روح شوف شو بتعمل معه…"، ليكتشف النقيب أن المقال على قدرٍ كبير من التهذيب والموضوعية، ولكن بأسلوب مباشر شديد الوضوح. ومع ذلك وجد الاستاذ ان لابد من انضباط.. والا الضبط.

كانت "رقيب الاحوال" في السنين القليلة التي سبقت احتجابها تعتمد على الاشتراكات، وكان لها مشتركون كثر في كسروان – الفتوح وحبيل والبترون والأشرفية، وفي أوساط مناصري ومحازبي "الكتلة الدستورية". وعرف عن سمعان فرح سيف تشبثه بالتقاليد اللبنانية، خصوصاً الواجبات الاجتماعية، ولا سيما المشاركة في المآتم أو تقديم العزاء إذا فاتته هذه المشاركة، متقدماً أولاده وبعض الأقارب والاصدقاء من عشقوت وفيطرون (بلدة زوجته).

في الرابع والعشرين من شباط 1988، انطفأ سراج عمر سمعان فرح سيف عن واحد وتسعين عاماً. تأخر موعد دفنه ليوم ونصف بسبب كثافة الثلوج التي سدّت الطرق والمنافذ إلى بلدته، وتشكل الجليد عليها. وعلى الرغم من الرؤية السيئة والطقس المثلج والبرد القارس، امتلأت كنيسة مار يوحنا في عشقوت والساحات المحيطة بها بمئات الأصدقاء والعارفين الذين أبوا إلا أن يتحدّوا عوارض الطبيعة، للمشاركة في مأتم هذا الرجل المسالم، الذي لم يعرف الحقد إلى قلبه سبيلاً. وكان مؤمناً بالمودة والتراحم، وعاشقاً ولهاً لوطنه لبنان.

في يوم وداعه، رثيته باسم النقيب ملحم كرم الذي كان خارج البلاد، وعددت ما ينطوي عليه شخصه من صفات وخصال، قبل أن أُنهي بالقول: "حقاً إن قلبك ناصع البياض، كبساط الثلح الذي يلفّ مرتفعات عشقوت والجوار، وجبينك فيه من شمخة صنين، وكفك جار كمسيل ماء لا ينضب، وفؤادك لم ينبض إلا لعلم الارز الذي كان الثاني بعد الذي له تعبدت، وإليه تعود راضياً مرضياً".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.