نساء تتحدّى "الظروف".. بمخالفة "المألوف"

هدى عبد الله

"إن أردت أن تعرف مقاييس رقيّ مجتمع ما، إنظر إلى واقع المرأة ومكانتها"

لم يركز كارل ماركس في عبارته هذه على واقع الرجال ومكانتهم، بل على المرأة وحضورها في المجتمع، بعكس ما تجهد له بعض المجتمعات ـ ومنها المجتمع اللبناني ـ لبلورة لصورة المرأة كلوحة جميلة فقط اول ما يجذب الناظر اليها شكلها، من دون محاولة التطرق الى معرفة مضمونها.

لا يخفى أن الجدل حول دور المرأة في المجتمع اللبناني، وقدرتها على تحقيق التوازن بين حياتها وواجباتها كزوجة وأم وربّة منزل، و بين كونها امرأة عاملة ذات كيان مستقل، ما زال قائماً. لكن الأكيد أن المرأة نهضت وانتفضت وأبت أن تكون مجرد صفة وشكل. ومن مظاهر التطور الايجابي الكبير  الذي مازال حتى اليوم يشكل حالة صدمة للمجتمع، هو نوعية الأعمال التي بدأت تمارسها المرأة، لسبب أو لآخر. فلم يكن ليخطر في بال الذكورية اللبنانية، أن تنام وتستيقظ لتجد المرأة  تقود سيارة أجرة مثلا، و هو أمر غير معتاد ومحل استهجان، أو على الأقل إستغراب، لاسيما أن هذه المهنة قد ارتبطت بالرجال منذ سارت السيارة الأولى على طرقات لبنان.

الخروج عن المألوف

الظروف الخارجة عن ارادة الفرد، تدفع به أحيانا ليخرج من نفسه ومن دائرة العادات والتقاليد التي وُضع فيها رغماً عنه، من دون أن يكون له حتى الحرية في الإختيار.

في السنوات الأخيرة بدأنا نرى المرأة تنتفض لتحارب ظروفها ومحيطها ومجتمعها، وحتى نفسها، و تقفز خارج الاطار المعتاد، غير مكترثة بآراء بعض الثرثارين والمنتقدين، الذين يمتلكون لساناً يقصف عقول من يخالفهم ويخرج من دائرة المألوف، غير آبهين بالظروف والمشاكل التي تضطره ليقول "انا موجود لن أستسلم وسأحارب".

تقول أمل ش. بلهجة بيروتية محببة، و هي امرأة تمتلك سيارة أجرة وتتجول بها  في أحياء بيروت: "العالم كلها صارت تنصدم بس تشوفني، مع اني اعتبرته شي عادي. وين المشكلة اذا اشتغلت لساعد عيلتي؟!". تسرد أمل قصتها ببسمة وضحكة لا تفارق وجهها، فهي امرأة أربعينية عاشت حياتها كربة منزل تهتم بشؤون عائلتها وبيتها، ولكن الظروف كانت ضدها وضد زوجها الذي تعرّض الى حادث أصابه بالشلل ومنعه من مزاولة عمله كسائق اجرة فاضطر الى ملازمة المنزل، مما دفعها الى محاولة ايجاد عمل لتعيل نفسها وزوجها وأولادها حتى لا تضطر لطلب المساعدة من أحد، فما كان منها إلاّ أن حصّلت رخصة سوق عمومية وانطلقت بقوة إلى الشارع، من دون أي إكتراث لنظرة المجتمع الذي لا يتقبل هذا النوع من الأعمال للمرأة.

تقول أمل إنها واجهت الكثير من الانتقادات من قبل الناس، فمنهم من يخاف – ربما على سمعته أو "رجوليته" – من أن يستقل سيارتها، ومنهم من يرمقها بنظرات استغراب وتعجب، حتى أنها لم تسلم من لسان شرطي السير الذي استخف بها وأوقفها ليرى أوراقها باستهزاء.. ولكن في المقابل هناك من يشجعها ويعتبر أن الأمر طبيعي بالنسبة لوضعها. فيما تعتبر أمل أنها متصالحة مع نفسها لدرجة أنها تتغاضى عن كل ما يقال في حقها في سبيل اعالة أسرتها والذي هو هدفها الأساسي.

وتؤكد أمل ان الانتقادات التي تطالها ليست في طبيعة المهنة كمهنة، بل في ممارسة المرأة لهذه المهنة، حيث يعتبرها البعض "امرأة فاقدة للأنوثة"، لأنها "مهنة الرجال" ، فيما تتساءل لماذا لم نر هذه البلبلة الحاصلة من قبل عندما دخل الرجل الى عالم الطبخ او الموضة؟! ففنون الطبخ مثلاً، أو الأزياء أو التزيين، يغلب عليها الطابع الأنثوي، ورغم ذلك برع الكثير من الرجال في هذه المجالات وخطف البعض منهم أضواء النجاح من النساء، أمثال إيلي صعب وكرستيان أبو حيدر  والشيف انطوان.

يتطابق هذا الواقع مع قول للأديبة نوال السعداوي "قد يصبح الرجل المتمرد أو الثائر بطلاً شعبياً يحترمه الناس، لكن المرأة الثائرة المتمردة تبدو للناس شاذة غير طبيعية أو ناقصة الأنوثة".

قصة أخرى من الشارع

في حي آخر قصة مشابهة جدا لقصة أمل.

زينب ح. ربة منزل وأم لأربعة أطفال أيتام، توفي زوجها قبل أن يتم رضيعها عامه الأول، رفضت الزواج مرة ثانية ورفضت نظرة المجتمع لها كأرملة تربي ٤ أطفال وحدها من دون معيل، فخرجت عن الأفكار البدائية لتعيد افتتاح "الإكسبرس" الذي امتلكه زوجها و تبدأ العمل به.

تقول زينب إن الحياة نعيشها مرة واحدة فقط، لا نعلم ما الذي سيحصل في المستقبل وما تخبئه الأيام لنا، كما أننا لا نستطيع الرجوع لتغيير الماضي والظروف، بل علينا أن نعيش لليوم  والحاضر مهما بلغت قسوته، وأن نمتلك الإرادة والصبر.

لم تقف زينب في محطة اليأس والهزيمة طويلاً، بل تحدت محيطها وتوجهت نحو الشارع الذي لم يتقبلها حتى اليوم.. لكنها لم ولن تستسلم رغم أنها تصارع نظرات الشفقة والإستهجان و السخرية من البعض، لتكسر بذلك صورة المرأة النمطية والتي اعتدنا أن نراها ضعيفة ولا تمتلك القدرة على المواجهة.

حقوق المرأة كإنسان أولاً

فالمرأة، قبل أي تصنيف، هي إنسان كامل، لها حقوقها كما عليها واجبات، لكن في بلد الحريات و التقدم والتغني بالتميز عن المحيط، نرى المرأة اللبنانية لا زالت حتى اليوم لا تتمتع بأبسط الحقوق التي تخوّلها بأن تكون جزءاً من هذا المجتمع الذي يعتبرها نصفه في العلن، بينما في اللاوعي الشرقي تختبئ الافكار العنصرية الجاحدة بحقها وتعتبرها مجرد كائن ملحق بالرجل، واذا أراد تمجيدها يعتبرها الأم والأخت والزوجة، فينسى أو يتغاضى عن دورها كإمرأة لها أفكارها وقدراتها وامكانياتها التي تسمح لها بأن تترك بصمة تحقق بها شخصيتها و أحلامها و طموحاتها، أو حتى يمنعها بنظرات وعبارات مليئة بالخبث من مواجهة ظروف وُضعت بها رغما عنها فوجدت نفسها مضطرة الى تحدي نفسها و مجتمعها، كي لا تجبرها الحياة على الوقوف على قارعة الإحراج والإذلال وطلب المساعدة من أحد، وهذا الامر ليس بالسهل .

مجتمع يصور المرأة في أغلب الأحيان بأنها سلعة، فلا يقبل أن يراها ترتقي مركزاً مهما في وظيفة من دون ان يوجه اصابع الإتهام لها: "أكيد عندها واسطة، نيالها بنت فيها توصل بسرعة"… و غيرها من العبارات المقزّزة والمسيئة في حقها، ليلغي بذلك حقيقة امتلاكها لعقل مجتهد أوصلها الى ما هي عليه، لكنه في المقابل نجد أن المجتمع ذاته لا يحرك ساكناً أمام الحقوق المهدورة للمرأة ذاتها.

قضية المرأة اليوم، هي قضية وجود وإثبات للذات وليست فقط قضية تحصيل بعض الامتيازات لتتساوى بالرجل، كما يخيل للكثيرين، حيث ينخدش حياء البعض اذا ما رأوا إمرأة عاملة تخطف منهم ما صادروه من إمتيازات، ولكن عندما نصل الى حق المرأة في إعطاء الجنسية اللبنانية لأطفالها، وحقها في أن تنتخب اذا كانت متزوجة من أجنبي، و حقها في التمثيل نيابياً ووزارياً عبر إعتماد نظام الكوتا النسائية، نجد بأن هذه الأصوات تصمت وتدعي الحيادية تجاه قضايا لا تعنيها!

لا ينكر أحد أن لبنان قد حقق قفزات على صعيد حقوق المرأة، بفضل جهود المجتمع المدني ونضالات الكثير من النساء، لكن المجتمع والدولة لا يزالان في أول الطريق للوصول بالمرأة إلى حالة الإنصاف و المساواة، حين تصبح المرأة حرة وقادرة على اقتحام مجال العمل الذي تريد، ويصبح إنتقاص حقوق المرأة هو الفضيحة وقضية الرأي العام.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.