الأماكن العامة.. ملاذ المتحرشين

كلودين عون لـ"الرقيب": مع قانون يحاسب.. ويحمي المرأة
ريتا الشمالي: "لمّا المرا تقول لأ.. يعني لأ"
ما هو الفرق بين "التودّد" و"التحرش"؟
فتات عيّاد

إنه يوم حظها. هي على أهبة الإستعداد للمقابلة، تستوقفها سيارة على الطريق: "يا هيك الصباح يا بلا".. ترمق صاحبها باحتقارٍ وتمضي. تصعد الباص فإذا بيد تمتد إلى يدها، تميل تدريجياً للالتصاق بالشباك، فهي لا تريد زجّ نفسها في "فضيحة". يُخيَّل إلى ميرا عند وصولها إلى المكتب أنها في غرفة فندق، باب يضج بالأقفال. يدٌ في عقدها الخامس، أمسكت يدها بحجَّة "السلام"، فكبَّلتها وحاصرتها وأفقدتها كلَّ شعورٍ بالأمان…

"اطلبي معاش قد ما بدك، إنتي حلوة و بتستاهلي".. إذا حجم الراتب مرتبط بنسبة الجمال! لكن ميرا عوض الوظيفة، طلبت الإنصراف كمن يطلب النجدة والإسعاف..

إنه حال الكثيرات من النساء في لبنان، اللواتي تخسرن عملهنَّ وتتقلَّص مشاويرهن فتُسلب حريتهن بالوجود في الأماكن العامة، فقط لأنَّهن نساء. وجدار الصمت إن كُسر فتجلد الضحية بحجَّة أنْ "لا دخان من دون نار"، و"لو ما لابسة هيك ما اتطلع فيها"، و"أبصر شو عملت حتى استفزتو"…

و فيما حيَّت "أوبرا وينيفري" نساءً كسرن حاجز الخوف وأشرن إلى متحرشين قابعين في عالم هوليوود السينمائي، كثرت في الأونة الأخيرة في لبنان الإعلانات والحملات المطالبة بقانونٍ يجرّم التحرش… وهنا يُطرح السؤال: هل المرأة اللبنانية واعية لحقوقها بقدر نساء هوليوود؟

تعتبر رئيسة "الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية" السيدة كلودين عون روكز أن "لا مجال للمقارنة بين مجتمعنا اللبناني والمجتمعات الغربية لأنها توصَّلت إلى قوانين المساواة أكثر منا، كما أن التوعية ليست بالدرجات ذاتها. لهذا فنحن نسعى للعمل على قوانين متساوية مع الرجل، الأمر الذي يمكننا من العمل على أصعدة جديدة، كالوعي ضد العنف، فالتحرش ما زال في ثقافتنا اللبنانية لا يعدو كونه دعابة". وتعطي مثلاً: "بيقولوا انو ماشي الحال إذا واحد طبّشلك عالسيارة انت ومارقة، وقلك شو يا حلوة".. فيما أن التحرش هو نوع من أنواع العنف. لذلك فالمقاربة والمقارنة مع الغرب ليست واقعية تمامًا، لأننا ما زلنا نطالب بحقوقنا الأساسية.

وعن أهمية إقرار قانون يجرِّم التحرش الجنسي، أكدت روكز أن "القانون هو أساس كل شيء، فهو يحمي المتضرر من فعل التحرش، وهو المرحلة الأولى. أما المرحلة الثانية، فهي التوعية على القانون من خلال حملات توعية، للرجل و المرأة على السواء، عن مفهوم التحرش، خاصة أن هناك الكثيرات اللواتي تعرضن للتحرش ولم تعرفن قول لا للمتحرش، وكيف يوقفنه عن التمادي في أذيتهنّ.. والبعض منهن حتى تؤذى باللاوعي لديها من دون معرفة منها حتى أنها تعرضت للتحرش. لذا فإقرار القانون أمر أساسي لننطلق منه".

وعمّا إذا كانت النصوص القانونية وحدها تكفي، شددت روكز على دور التوعية، إضافة إلى الإعلانات والمقابلات التلفزيونية والنشاطات المكثفة التوعوية في المدارس والجامعات…

وعما إذا كانت هناك نساء ستخرق جدار الصمت قالت روكز: هناك دائمًا شخص مستعد للبوح، فكل شيء فيه "أول مرَّة"، وحتى لو إمراة واحدة أو اثنتان فقط بدأتا بكسر حاجز الصمت، رغم العدد الكبير الصامت، فدوماً هناك بداية.

أما عن الخطوات التي سترافق تنفيذ القوانين لجعل المجتمع حاضنًا للمرأة، فتشير روكز إلى أن "لكل قانون مراسيم تطبيقية، وخطوات فعالة، كخط ساخن، ونشاطات في الأماكن التربوية وربما حتى في الشركات الخاصة".

تعرّف رئيسة تنمية المشاريع في "الهيئة الوطنية لحقوق المرأة اللبنانية" السيدة ريتا الشمالي جرم التحرش على أنه "كل تصرّف باللفظ (تلطيش) أو باللمس، يلقى رفضًا لدى المرأة و يستمر بفعله رغم الرفض"، وتجزم: "لمّا المرا تقول لأ.. يعني لأ".

وعن تأثير ظاهرة التحرش على المرأة تضيف: "مفاعيله كبيرة، فهي اقتصادية كأن تفقدها عملها، واجتماعية وتترك آثاراً نفسية جسيمة عليها"، مشددة على "أهمية أسلوب التربية وتنشئة الجيل الصاعد على احترام المرأة، واحترام جسدها وتنمية مبدأ المساواة لدى الصبية والفتيات، ونبذ جميع أنواع العنف".

وعن ما إذا كان القانون الذي يجرم التحرش يخلط بين التحرش و"التودد العفوي"، توضح الشمالي: "التحرش يعني أن يكرّر الشخص فعلته مرة واثنتين وثلاثة ويلاقي رفضًا دائمًا، ولا يستجيب لقرار المرأة بالابتعاد.. إنه فعلٌ خطير وواضح".

وتختم حديثها: "أقول للمرأة تكلمي، وفي القضاء ندافع عن حقوقنا، فالعمل للجميع ومن حقك أن تنعمي بحياة طبيعيَّة وتتجوَّلي في طرقات آمنة، فأنت لست حرفًا ناقصًا، والعنف عنف ما بدو تفسير".

ترى غوى أن قانونًا يجرّم المتحرشين ربما يردعهم ويثنيهم عن مضايقة النساء، لاسيما في أماكن العمل، وتستطرد: "رغم حجابي الذي أرتديه، ومع أني مخطوبة، لم أنجُ من محاولات تحرش في أماكن كثيرة عملت فيها، لاسيما في عملي الحالي حيث أتعرض لتحرش لفظي، وحتى باللمس كأن يلقي صاحب العمل يده على كتفي أو يحاوطني بجسده… فأضطر أحيانا لأقول له أن يبعد قليلا لأستطيع الحراك!"، وعن إمكانية تقديمها شكوى إذا ما تم تفعيل القانون، تضيف: "ربما لو لم يكن لديَّ إخوة شباب، فأنا لا أريد إقحامهم في المشاكل". وعن سبب بقائها في العمل تقول: "أنا مضطرة للبقاء ريثما أحصل على عمل، فالمعيشة صعبة جدًا، لكن نفسيتي محطمة دومًا ممّا أعانيه بصمتٍ، وهذا لا يمكن إنكاره".

أما ناهية، فتعتبر أن بعض اللوم في قصص التحرش يقع على المرأة من خلال ملابسها أو حركاتها… وترى أنّ "الموضوع لا يحتاج قانونًا، وإن وجد هذا القانون فلا بدَّ من تعريف الناس على الفرق بين التحرش والتّقرب". و عن احتمال أنْ تستغلّ بعض النساء هذا القانون، تضيف: "لذا يجب التدقيق ومحاسبة النساء اللواتي ربما تتجنَّى على رجال". وعن كيفية تعاملها مع التحرش فتقول "أكيد بحكي إذا ما عليي ولا شوية غلط، بس في بنات رح يخافوا من الفضيحة و يسكتوا".

أما محمد، فهو مع إقرار القانون، ويعتبر أنّ المتحرِّش بالمرأة هو شخص "لديه ضعف"، وأن ملابس المرأة لا تبرر التحرش "لو كانت شالحة وهي ما بدا تعمل علاقة.. معناها هو مريض عنده مشكلة", وعن المرأة التي تجاهر بما تعرَّضت له، يضيف "هي مظلومة وليست متَّهمة، ونحن مع هذا القانون إذا كان سينصف المرأة لأنها هي الحلقة الأضعف".

أما نادر فيرى أنَّ المتحرش لديه خللٌ نفسيّ، وعن خوف الرجل بعد إقرار هذا القانون من التودد إلى امرأةٍ تودّداً طبيعيًّا تحت مظلة الإنجذاب العاطفي، يقول "لا أعتقد" .

وفي بلدٍ ما زال فيه تجريم التحرش "مشروع قانون"، لا زالت المرأة "مشروع فريسة" في نظر الكثيرين.

وتحت عنوان "إذا المتحرش ما توقَّف.. ما رح يوقِّف"، تمضي الحملة الإعلامية المطالبة بإقرار قانون تجريم التحرش الجنسي..

في حفل توزيع جوائز "غولدن غلوب"، ارتدت نجمات هوليوود الأسود دعمًا لقضية منع التحرش والعنف الجنسي، التي تسببت بخسارة  منتجين ومخرجين وممثلين رجال بارزين في عالم هوليوود، وظائفهم.

هي حملة بدأت في أواخر العام 2017 بعنوان  #me_too، لتكرَّ سبحة المشاركات من النساء بقصص تعرضهن لتحرش أو اغتصاب. فهل تحصل المرأة اللبنانية في الـ 2018، أقله على قانون يحميها من التحرش علّه يكون الخطوة الأولى نحو بناء مجتمع يتلقف صرختها إن قررت الصراخ؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.