أعزائي المسافرين.. كابتن الطائرة "تتحدث"

محمد شرف الدين

كانت رولا حطيط لا تزال طالبة تدرس الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، عندما جاءها صديق يستهزئ بإعلان كان قد قرأه في جريدة "النهار": شركة "طيران الشرق الأوسط" بحاجة الى طيارين من الذكور والإناث"..

للكثيرين، قد لا يكون هذا الاستهزاء مفاجئاً، ففي مجتمع يخاف من امرأة تقود سيارة، هل من يسلم روحه لامرأة كي تحمله بين السماء والأرض؟

لم تستطع رولا، الواثقة بطبعها، السكوت أمام هذه "الإهانة": "ماذا تعني أن النساء لا يستطعن قيادة الطائرة؟ فلنتقدم الى الامتحان نحن الاثنان، ولنرى". ما بدأ بمزحة وتحدٍ، غيّر حياة تلك الشابة العشرينية (في وقتها)، اذ أصبحت الكابتن رولا حطيط، أول امرأة تقود طائرة ركاب في لبنان.. واليوم وبعد ما يزيد عن عشرين سنة، ما تزال الوحيدة.

من دون علم أهلها، تقدمت رولا لامتحان القبول، الذي كان عبارة عن اختبارات في الفيزياء والرياضيات، واللغة الإنكليزية و"التعامل مع الآلة". نجحت رولا في الاختبارات وخسر صديقها التحدي، لكنها كانت أمام تحدٍ أكبر، هو إخبار والدها "الآتي من خلفية شرقية" أنها تريد أن تكمل حياتها "بين السماء والأرض". وكما توقعت، لم تحمل ردة فعل الوالد، ابن بلدة الدوير الجنوبية، أي ترحيب بالقرار الذي اتخذته الابنة، "بدك تعملي شوفير؟!.. أكيد لاء".

لكن المسافة التي قطعتها رولا في القرار الذي اتخذته، كانت أبعد من أن تجعلها "تلف وتعود" عند أول عائق تصطدم به. في البداية، جربت رولا الديبلوماسية، محاولة إقناع والدها بالحوار والمنطق، ودخلت والدتها على "خط المفاوضات".. لكن جواب الولد كان دائماً هو نفسه، "البنت آخرتها تتزوج وتهتم بأولادها. أي رجل سيقبل أن تعيش زوجته حياة مليئة بالسفر والغياب عن المنزل؟".

قررت رولا التصعيد.. ألغت تسجيلها في الجامعة، حزمت أمتعتها، وعندما جاء والدها لاصطحابها من سكنها الجامعي الى الضيعة، واجهته بما فعلت "أنا تركت الجامعة وعندك حل من اثنين: يا بتلاقيلي عريس.. يا بدرس طيران".  وعن نتيجة هذا التحدي، دائماً ما تجيب رولا بجملة واحدة "عريس ما لاقالي، فصرت كابتن!".

منذ اللحظة الأولى، كانت رولا تعلم أن التحدي الذي دخلته، لا ينتهي بالفوز على صديقها المستهزئ، بل بالانتصار على المجتمع الذكوري الذي لا يزال يرى المرأة أقل شأناً وقدرةً من الرجال، وبالتالي "أحلامها يجب أن تبقى على الأرض"، وللرجل أن يحلم في الطيران أو الذهاب الى الفضاء أو حتى اكتشاف ما بعده، فهو الرجل الأقوى جسدياً وفكرياً ونفسياً، أما المرأة فهي بنظر هذا المجتمع رقيقة هشة، لا تستطيع التغلب على ضغوطات العمل ومسؤولياته.

أرادت رولا أن تكسر كل ذلك، لكن الطريق نحو تحقيق هذه الأهداف طويل ومليء بالعقبات التي لم تنته عند رفض والدها أن تمتهن هذا المجال، وموافقته بعد ذلك على مضد، شرط أن تعود لإكمال دراستها والحصول على شهادة في الرياضيات، بل أن المصاعب رافقتها الى أسكوتلندا، حيث معهد التدريب، وعادت معها الى لبنان حتى بعد الانتهاء منه!

في التسعينات، كانت المرأة قد بدأت بكسر قيود المجتمعات الذكورية والتحرر منها، بعضهن وصل الى مراكز عليا في الطب والهندسة والسياسة، لكن الطيران كانت لا تزال مهنة يسيطر عليها الذكور وكأنها حكر عليهم.

هكذا، وصلت رولا الى اسكوتلندا حيث تريد أن تتلقى تدريبها، فوجدت أنها، الى جانب فتاة أخرى من أفريقيا. الفتاتان الوحيدتان في المنشأة التي يتعلم فيها أكثر من 200 شاب، فلم يكن أمامها سوى الاستغناء عن ملابسها النسائية (التنورة والفساتين..)، واعتمدت قصة شعر قصيرة، لتجنب الشعور أن نظرات الجميع تلاحقها أينما ذهبت.

كونها فتاة، لم يكن عاملاً مؤثراً في صعوبة التدريبات التي تلقتها. وتقول حطيط أن المدربين هناك اعتادوا على وجود النساء بين صفوف المتدربين، لكن الأمر كان مفاجئاً بالنسبة لهم في لبنان. استطاعت رولا ان تثبت قدرتها على تخطي التدريبات التقنية بنجاح، لكن المدربين تخوفوا من قدرتها، كامرأة، على تخطي العوائق النفسية، فعند المرأة عادة ما تتغلب العاطفة على العقل، والطيار مسؤول عن الطائرة وعن أرواح الركاب، ويجب أن بكون "قلبه من صخر". تقول حطيط حول هذا الموضوع أن التدريب النفسي الذي خضعت له، كان أكثر قسوة من التدريب الذي خضع له زوجها، الكابتن فادي خليل، الذي كان يدرس الطيران في الفترة نفسها.

عن الرحلة الأولى، قالت حطيط التي أمضت 23 عاماً حتى الآن في شركة طيران الشرق الأوسط "MEA" إنّها استلمت رحلة، لكن كمساعدة طيّار، للمرّة الأولى في رحلة من بيروت إلى جنيف ثمّ من جنيف إلى بروكسل، حيثُ كان على متن الطائرة 120 راكبًا. أمّا الرحلة التي قادت بها الطائرة بصفتها كطيّار للمرّة الأولى فكانت من لبنان إلى عُمان، وكشفت كم شعرت بالمسؤوليّة يومها، فحياة كثيرين بين يديها، وقالت: "لم أتكلّم يومها مع الركّاب كي لا يشعروا بالرهبة إذا علم أحدهم أنّ سيدة تقود الطائرة وكي لا ينعكس الأمر عليّ. إلا أنّ الرحلة مرّت بهدوء وسلام".

وأوضحت حطيط أنّه في مجال الطيران يوجد رتب وترقيات كما في المؤسسات العسكرية، وقد حازت منذ 8 سنوات على رتبة الكابتن، وهي أعلى مركز يمكن للطيّار أن يصل إليه.

أمّا عن أصعب ما تواجهه في الجو، فتقول حطيط إنها "في كل رحلة، يتم تشكيل فريق جديد، مساعد طيار جديد، مضيفين ومضيفات جدد..، وعلى الكابتن أن يستطيع إثبات نفسه كقائد لهذا الفريق، كي تمضي الرحلة بسلام"، وتعطي على سبيل المثال، أن يكون مساعد الطيار خجولاً، فإذا لاحظ أن هناك خطباً ما قد يخاف ان يلفت النظر إليه، أو أن يكون ذو شخصية قوية، فيحاول فرض سيطرته على القائد، خاصة انها امرأة. وتشرح حطيط أن "العدو الأوّل لقائد الطائرة هو الطقس"، لافتةً إلى أنّه خلال إحدى العواصف التي ضربت لبنان، لم تستطع أن تحطّ بالطائرة في مطار رفيق الحريري الدولي بالرغم من محاولتين باءتا بالفشل، فعادت أدراجها إلى قبرص، وهناك شعر الركاب بالخوف. وروت أنّ إحدى الراكبات قالت لها إنّها تريد البقاء في قبرص ولن تخاطر بعودتها إلى لبنان، فأجابتها حطيط أنّ سلامة الركّاب في سلّم أولوياتها، وأضافت للراكبة أنّ لديها عائلة تنتظرها أيضًا، وسلامتها من سلامة الركّاب، فعادت الراكبة معها في الرحلة إلى بيروت.

وكشفت عن سبب آخر قد يؤثّر بها وهو حدوث حالات مرضية أو إنسانية مفاجئة على متن الطائرة، وروت أنّ أحد المسافرين كان في حالة غيبوبة، وتم تجهيز الطائرة لنقله للعلاج في الخارج. قالت حطيط أن المشهد أثر فيها كثيراً على الصعيد الشخصي، لكنها كانت مجبرة على أن تتمالك نفسها على الطائرة وأن تقوم بواجبها.

وتلفت النظر الى أن ما يحصل عادة على الطائرة يمكن تصنيفه في خانة الطرائف، وتقول إنها كثيراً ما تسمع أحد الركاب يقول "شو عم تعمل المضيفة جوّا" (أي في مقصورة القيادة)، وأن أحد الركاب عندما علم أن امرأة تقود الطائرة فضل النزول من الطائرة وتأجيل سفره.

وعن حياتها الشخصية لفتت إلى أنّها متزوّجة من طيّار ولديهما ولدان، محمد وآدم، وتقول إن أصعب ما في مهنتها هو غيابها المتكرر عن المنزل، علماً أن زوجها يتفهم غيابها كونه يعمل في نفس المهنة، لكن ولديها يشعران بعدم الاستقرار، وهو أكثر ما يزعج حطيط، خصوصاً أنها عندما تكون في الجو تكون معزولة عن العالم، لا تستطيع الاتصال والاطمئنان على أحد أبنائها اذا كان مريضاً مثلاً".

وتختم حطيط حديثها بالقول إنها "تعبت لتثبت أن المرأة تستطيع تحقيق أحلامها مهما علا سقفها، لكنها في النهاية نجحت، ونجاحها يعني أن كل امرأة تستطيع أن تنجح"، أما عن مهنتها فتجدها "أجمل وظيفة على الأرض".

في العام 2016، تم اختيار الكابتن رولا حطيط ضمن قائمة "أهم 100 امرأة في العالم" من قبل BBC، وتم اختيارها من بين "أكثر 100 امرأة لبنانية مؤثرة في العالم"، كما حصلت على لقب "Fellow" من قبل جمعية الطيران الملكية البريطانية، وهو لقب من النادر اعطاءه لغير حاملي الجنسية البريطانية.
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.