هل ينجح المجتمع المدني بتأكيد الحضور الانتخابي؟

حسين شعبان

دخل لبنان العام ٢٠١٨، لتقرع طبول الإنتخابات النيابية المحددة في السادس من أيار من السنة الجديدة. وفيما يبدو سوادٌ عظيمٌ من اللبنانيين قد حسم خياراته بناءً على الإصطفافات السياسية الممذهبة المعروفة، يحرص قسم من المواطنين على أن يكون لصوتهم أثر في إيصال وجوه جديدة إلى البرلمان، تحمل فكراً تغييرياً وتجربة مدنية. هؤلاء يوجهون أنظارهم إلى تيارات المجتمع المدني، والتي حضرت الإنتخابات النيابية في خطابها منذ اللحظة الأولى لبروزها الأخير في الحياة السياسية اللبنانية، وقت أزمة النفايات.

المجتمع المدني هو "الأسرة الكبيرة"، وفق إدموند بيرك، رجل الدولة والمفكر السياسي الهولندي، وهو مجموع التيارات والأحزاب والمجموعات والجمعيات التي ترعى شؤون الفرد في المجتمع، وتملأ الفراغ الموجود بينه وبين الدولة. وفي لبنان، وبالرغم من فترة الإلتحاق السياسي التي وصمت المجتمع المدني والمستقلين بعد العام 2005، نتيجة الإنقسام السياسي الحاد الذي شهدته البلاد، والذي يمكن القول إنه كان بنيويا وصارماً كفاية ليقسم كل شيء في المجتمع اللبناني، إلّا أنّ تردي الحالة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والمعيشية والفشل الهيكلي للدولة اللبنانية، والضغط الهائل الذي وضع تحته المجتمع مع التمديدات المتعاقبة… كل هذا، أدّى إلى بروز مفاجئ لتيارات مدنية جديدة، وقت أزمة النفايات، لترفع هذه التيارات شعارات سياسية متقدمة، عنوانها العريض الرفض التام للسلطة بكامل أحزابها و شخصياتها، والمطالبة بالتغيير عبر إنتخابات نيابية فورية.

وظل صوت الحراك عالياً في رفض من أسموهم "رموز السلطة" طوال الفترة الماضية، والتي شهدت إنتخابات بلدية وفق قانون أكثري، حققت فيها لوائح التيار المدني نتائج كبيرة في بيروت والمناطق، بدت مفاجئة وواعدة.

ومع إقتراب الإستحقاق النيابي الذي طال إنتظاره تسع سنوات، وفي ظل عجقة التحالفات وفك التحالفات وتقارب الأضداد وتحارب الحلفاء، في صفوف الأحزاب التقليدية، ينتظر اللبنانيون من المجتمع المدني حضوراً قوياً، ترشيحاً وانتخاباً، لا سيما أن القانون الذي ستجري عليه الإنتخابات هو القانون النسبي الذي لطالما طالبت به هذه التيارات.

إلّا أنّ القانون النسبي الذي أقرّه مجلس النواب الحالي، لا يفرش الطريق إلى ساحة النجمة بالورود أمام المستقلين ومرشحي ما بات يعرف بـ "المعارضة المدنية"، بسبب الصيغة التي جاء فيها.

فالقانون، في المادة الرابعة والخمسين منه، يلزم المرشحين بالإنضواء في لوائح مقفلة، وسواء كانت مكتملة أو غير مكتملة حسب المادة 52، ما يخفض من إمكانية تحقيق خرق في لوائح الأحزاب، خصوصا مع تقسيم لبنان إلى 15 دائرة إنتخابية، يمكن القول إنها جاءت تقسيمات تعزز تأثير الطائفية في الإنتخابات، على حساب الخيار المدني في البلد، وتأثير النسبية في التمثيل.

أما الحاصل الإنتخابي، والذي هو قسمة عدد المقترعين على عدد المقاعد في الدائرة، فقد تم تحديده كعتبة إلزامية للائحة كي تتمكن من الفوز، بحسب المادة ٩٤ من القانون، مما يترجم المزيد والمزيد من تقليص فرص فوز اللوائح الصغيرة ولوائح التيارات المدنية أو المرشحين المستقلين غير المدعومين.

إذاً تبدو معركة المجتمع المدني لتحقيق خروق وإيصال أكبر عدد ممكن من مرشحيه إلى مجلس النواب، صعبة، لكنها غير مستحيلة كما كانت مع قانون الستين.

وبسبب صعوبة المعركة، فإن تيارات الحراك المدني تجد نفسها اليوم أمام تحدي التعلّم من أخطاء الماضي المتمثلة بالإنقسام والتشرذم، والتي أدّت إلى فشل الحراك عام 2015، كما أنها ملزمة بالتوحّد والتكتل في إطار تحالفات إنتخابية براغماتية، حتى تتمكن من منافسة الأحزاب التقليدية.

جوزفين زغيب، الناشطة المدنية والعضو في بلدية كفرذبيان، والمتابعة ضمن "مواطنون ومواطنات في دولة" للتحضيرات التي يقوم بها المجتمع المدني لإطلاق حملاته الإنتخابية، تقول إن ما يحضر من قبل المجتمع المدني هو مبادرات أكثر منه تحالفات، فأينما حضرت القوى المدنية في الدوائر الإنتخابية، يفترض أن تدعم المرشحين المستقلين والمواجهين لمرشحي أحزاب السلطة. وهي تشير إلى أن إيجاد مرشحين أقوياء في كل مناطق لبنان هو تحد حقيقي، فضلاً عن إعداد لوائح إنتخابية، باعتبار أن القانون يلزم اللائحة بأن تضم على الأقل 40 بالمئة من مقاعد الدائرة الإنتخابية، وأن يتوزعوا على مختلف الأقضية التي تضمها هذه الدائرة. فلكي تقبل لائحة عن دائرة صيدا وجزين مثلا، تشرح زغيب "يتحتم عليها أن تضم مرشحين من كلا القضاءين معاً. ومع الأخذ بالإعتبار وجود الصوت التفضيلي في القانون الإنتخابي الجديد، فإن عمل المجتمع المدني لحصد الأصوات الضرورية سيكون عملا مليئاً بالتحديات، والصوت التفضيلي هو المعضلة الأساسية، ليتركز عمل التيار المدني على كسب أصوات من كانوا يمتنعون عن المشاركة بالانتخابات السابقة". وتلفت زغيب إلى أنه ليس من المحسوم بعد أن يتمكن المجتمع المدني من طرح لوائح إنتخابية في كل الدوائر، لكنها تؤكد أن العمل جارٍ على تحقيق هذا الهدف المهم. وتشير إلى أن التيارات المدنية مدركة لأهمية دوائر بيروت وبعلبك وطرابلس، التي شهدت مفاجآت سلبية لقوى السلطة في الإنتخابات البلدية الأخيرة، وهي بالتأكيد ستكون حاضرة فيها بجدية وقوة لتلبي نداء الناس للتغيير.

توافق الناشطة في حركة "مواطنون ومواطنات في دولة"، على ما يتسرب من أسماء لتيارات وأحزاب ومجموعات تنسّق لخوض الإنتخابات يداً بيد، لكنها تؤكد أن تيارات كثيرة أخرى ستكون حاضرة في هذا العمل المشترك تحت مظلة المجتمع المدني، وهي تعقد الأمل على قدرتها في إثبات الحضور والعمل القوي لتحقيق الفوز المنشود. وتشير إلى محاولات من أحزاب السلطة جميعها، لترشيح وجوه جديدة وتطعيم لوائحها بأسماء تصنف أنها من المجتمع المدني، للإلتفاف على الأزمة التي تخلقها لهم هذه المجموعات.

وفي أجواء مشاورات التحالف، تأمل زغيب بإنتهاء مشاورات التحالف والتنسيق في غضون ١٠ أيام، كي تنطلق الماكينات الإنتخابية بين شهري شباط وآذار. وهي تؤكد أن ورقة سياسية واضحة ستعدّ في المرحلة اللاحقة تجيب على أسئلة المواطنين عن البرنامج السياسي الذي ستقدمه هذه التيارات الجديدة، لاسيما في القضايا الحساسة من ضمنها الموقف من السلاح وغيره، و نظرتها لبناء الدولة المدنية الحديثة، إلى جانب القضايا والأهداف الإجتماعية و الإقتصادية التي تقع في صلب أولويات وعمل المجتمع المدني منذ سنوات طويلة، والتي حقق فيها إنجازات هامة حتى و هو خارج منظومة الحكم، فالمجتمع المدني هو المرجعية الأولى و الأخيرة للمرشحين الذين سيحققون الفوز، و مهما كان عددهم في البرلمان، سيمثلون مصالح وقضايا كل الناس والمجتمع، ليكونوا العلامة الفارقة في السلطة.

أما زين حلاوي، الناشط المدني ومسؤول الماكينة الإنتخابية لمرشحي المجتمع المدني للإنتخابات البلدية في مدينة صور، وهي المدينة التي شهدت حراكاً مؤخراً بعد أزمة الكهرباء فيها، وكانت الحركة المطلبية ناشطة فيها في بدايات الحراك، فيعترف أن نشاط المجتمع المدني قد انخفض كثيراً بعد الإنتخابات البلدية الأخيرة، ولا صورة واضحة عن الطريقة التي ستخاض فيها الإنتخابات المقبلة، لكنه يتوقع إنتظار تقديم الترشيحات، لييدأ السعي إلى جمع المرشحين المستقلين وتوحيدهم حتى يتمكنوا من منافسة ما أسماه "الماكينات الإنتخابية الضخمة لأحزاب السلطة".

إذا يظهر أن المعركة الإنتخابية المرتقبة ستكون متعددة الأقطاب وستتنافس فيها الحزبية التقليدية والمدنية الآتية بقوة، وسيكشف لنا الآتي من الأيام شكل هذه المعركة وجديتها الكبيرة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.