هذه هي خلفيات "أزمة المرسوم": صراع "العصور".. والعصر الحجري!

* خضر طالب *

لا يدري اللبناني من أين تأتي الريح حتى يقفل بابه ويستريح!

من أزمة إلى أزمة.. حتى أصبحنا مقتنعين أن أيام "السلم السياسي" هي الاستثناء، وأن أيام الأزمات هي المسار الطبيعي للبنان.

أي دولة تستطيع الصمود في ظل هذا التناحر بين أركانها وقادتها ورؤسائها وسياسييها وأحزابها وأمرائها؟!

أي دولة قادرة على معالجة هذا الكمّ الهائل من المشكلات القائمة، في بنيتها وقدرتها وإمكاناتها وظروفها وتكوينها وممتلكاتها وسلطتها… بينما لا تستطيع أن تتعايش مع بعضها بسلام أكثر من أسبوع؟!

لا ندري إذا كانت هذه السياسة أم أن الساسة هم من يفتعلون هذه السياسة.

لا ندري إذا كان لبنان، في ظل هذا الواقع، هو بلد طبيعي أو أنه بلد طليعي أم أنه بلد "اصطناعي"!

مرسوم أقدمية ضباط يؤدي إلى انهيار كل الإيجابيات.. ويصبح الدستور مهدداً، ونكتشف أن الصلاحيات منقوصة، ونستفيق على حقوق الطوائف والمذاهب، وننبش التاريخ والجغرافيا، ونستحضر الذاكرة، ونستولد الأعراف ونتحصّن بالقوانين ونفسّرها…

كل ذلك من أجل مرسوم أقدمية سنة لبضعة ضباط في الجيش!

هل هذا السبب مقنع.. أم أن في الأمر ما هو أبعد وأعمق؟

لو كان هذا هو السبب الفعلي، لكان الضباط أنفسهم قد تنازلوا عن هذا المرسوم حتى يحلّوا مشكلة البلد و"بلا منّة"!

ولو كان هذا هو السبب لاخترعنا 100 مخرج من قبعة ألف ساحر يمكنهم استخراج حمامة سلام أو أرنب العيد!

هل هي أزمة نظام؟ أم هي أزمة حكم؟ أم هي أزمة دستور؟ أم هي أزمة طائفية؟ أو أزمة مذهبية؟… أو هي أزمة شخصية؟!

أو ربما هي أزمة انتخابية؟!

أو قد تكون أقرب إلى أزمة عالمية تشبه أزمة الصواريخ السوفييتية في كوبا.. أو حتى أزمة الاتفاق النووي؟!

البلد يتمزّق ويتعطّل ويتناحر.. بسبب توقيعٍ على "مرسوم"؟!

من يصدّق أن هذا هو السبب؟ من يمكنه الاقتناع أن كل هذا السجال وهذا الضجيج الذي ينسحب إلى كل التفاصيل في البلد، سببه توقيع أو عدم توقيع على مرسوم؟
لا.. ليس القضية قضية "رمّانة"، هي "قلوب مليانة".. هي في جوهرها، وبكل صراحة وجرأة، صراع كبير جداً بين "عصرين": عصر "الشيعية السياسية" وعصر "المارونية السياسية"، بعد أن انكفأت "السنّية السياسية" بهزيمة سياسية ـ عسكرية.

هذا هو الواقع من دون مواربة ولا اختباء خلف الإصبع…

"الشيعية السياسية" لا تقاوم للاستمرار فقط، وإنما ايضاً لمنع عودة "المارونية السياسية".. وكل إصبع لا يوضع على هذا الجرح هو في المكان الخاطئ.

هنا جوهر الصراع على "المرسوم"، وهنا "إدارة" مشهد السجال، وهنا يكمن "ما في الصدور" من خلفيات وحسابات..

إلى ماذا سينتهي هذا "الكباش"؟

لن يستطيع أحد الاستسلام للآخر.. لا يستطيع أي طرف أن يسلّم راية "العصر" للطرف الآخر..

هل يعني ذلك أن الأمور بلغت الحائط المسدود؟

بالتأكيد لا يوجد حائط مسدود، والحلّ يفتّش عن تسوية تدمج بين "عصرين" بينما "العصر" المنكفئ يتفرّج على الصراع محاولاً الحفاظ على ما تبقى له من "أطلال" هيكل يكاد ينهار على رؤوس الجميع.

تلك هي حقيقة "الصراع" على "المرسوم".. بينما يؤخذ الضباط إلى المواجهة غصباً عنهم، ويستخدم ضباط الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والجمارك… رهينة ذلك الصراع و"متاريسه".

كان يفترض أن يؤخذ البلد نحو "عصر" جديد من نظام الحكم في زمن "الإصلاح والتغيير" ما يعطي الـ"أمل" بـ"المستقبل" "التقدّمي" الذي تصنعه "مقاومة" ترفض العودة إلى ماضي الجهل والتناحر.

لكن يبدو أن "أمل التغيير" صار ضعيفاً، و"المستقبل" مجهول، و"المقاومة" عاجزة!

إنه "صراع العصور" الذي يبدو أنه سيعيدنا إلى "العصر الحجري"!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.