مستقبل "المستقبل" في عهدة الانتخابات.. والسعودية

* خضر طالب *

لا شيء يوحي أن المملكة العربية السعودية قد اتخذت أي قرار بشأن علاقتها مع رئيس الحكومة سعد الحريري، بالرغم من بدء العد العكسي لإجراء الانتخابيات النيابية.

السفير السعودي الجديد وليد اليعقوب، يستعيد بعض علاقاته القديمة في لبنان من خلال جدول المواعيد الحافل، والذي يجعل الحركة ناشطة جداً عند بوابة السفارة السعودية في بيروت، دخولاً وخروجاً.. أما خارج الجدول، فإن السفير اليعقوب يستكمل جولته البروتوكولية على القيادات السياسية اللبنانية.

هل تدير السعودية ظهرها للانتخابات.. أم للحريري؟

في قراءة أحد العارفين من "تيار المستقبل" أن التكهّن منذ اليوم بموقف السعودية فيه مبالغة، خصوصاً أن المملكة لم تقل أي كلمة حتى اليوم مرتبطة بالانتخابات اللبنانية. لكن هؤلاء المقربين يعترفون أن "الصمت الانتخابي" الذي تعتمده السعودية يمكن أن يحمل أكثر من تفسير، وإن كان المنطق يقود إلى أن الحلحلة الديبلوماسية على خط قبول تعيين السفير اللبناني في الرياض ومباشرة السفير اليعقوب عمله بشكل رسمي بعد تسليم أوراق اعتماده، يعني بشكل واضح أن المملكة قد بدأت عملياً بدراسة الملف الانتخابي، تمهيداً لاتخاذ إجراءات تدعم فريقها في لبنان لمنع خسارته، وبالتالي خسارتها..

ويكشف القيادي نفسه أن حصل ما يشبه "جس النبض" للواقع الانتخابي من قبل السعوديين، لكن هذا الأمر لن يتم النقاش فيه مع أي أحد غير الرئيس سعد الحريري، بالرغم من كل ما يقال عن اتصالات سعودية مع أحزاب سياسية أو مع شخصيات.

وفي حين بدا أن "تيار المستقبل" اعتمد مؤخراً مواقف تنفي إمكانية حصول أي التقاء انتخابي مع "حزب الله"، وكأنه إما أنه يبعث برسالة إلى السعودية بأنه ثابت في موقعه السياسي، أو أنه يقطع الطريق على أفكار بدأ يتم الترويج لها عن تحالفات "غير منطقية" يراد منها توجيه السهام إلى الرئيس الحريري لإضعافه انتخابياً.

في هذا الصدد، تكشف معلومات خاصة بـ"الرقيب" عن وجود بعض الهواجس داخل "تيار المستقبل" نفسه، حول مدى التزام السعودية بتقديم الدعم الانتخابي، خصوصاً أن هناك معلومات تتردّد عن اتصالات تجري بين مسؤولين من المملكة مع بعض الشخصيات المعارضة لتيار "المستقبل"، وبالتحديد مع الوزير السابق اللواء أشرف ريفي، ولو بشكل غير مباشر، في حين أنه لا يوجد أي تواصل جدي وواضح الأفق مع الرئيس الحريري.

وتذهب تلك الهواجس إلى حدّ اعتبار أن السعودية تمارس ضغوطاً على الحريري من خلال التلويح بدعم تلك الشخصيات والقوى، في مقابل التخلّي عن الرئيس الحريري.

وتشير المعلومات المتوفّرة لـ"الرقيب" أن لقاء "ضيّقاً" جمع نواباً وقياديين من "المستقبل"، أورد حاضرون فيه معلومات عن توجّه سعودي لعدم تقديم دعم مطلق للرئيس الحريري، وأن المملكة تتّجه لتقديم دعم "بالمفرّق" لبعض مرشّحي التيار، على أن تقوم المملكة بعد الانتخابات بعملية "فرز" حقيقية تؤدي إلى خروج مجموعة من الفائزين على لوائح "تيار المستقبل" من الكتلة النيابية لتشكيل كتلة أخرى موازية وموالية بالمطلق للسعودية.

وسمّى أحد الحاضرين، في هذا السياق، مرشّحين محددين للإنضمام إلى الكتلة المزمع تشكيلها بعد الانتخابات، والتي ستتوسّع لتضم فائزين من خصوم الرئيس سعد الحريري.

هل يعني ذلك أن السعودية ستعلن "البراءة" من الرئيس الحريري؟

من المستبعد أن تلجأ السعودية إلى هذه الخطوة، خصوصاً أن المؤشرات الانتخابية ما تزال غامضة إلى اليوم، وهي لا تريد أن "تشتري سمكاً في البحر"، ولذلك هي لن تتخلّى عن الحريري ـ أقلّه في المدى المنظور ـ لكنها في المقابل ستعمل مع خصومه لعدم خسارتهم.

وتكشف المعلومات لـ"الرقيب" أن مؤشرات هذا المسار تظهر واضحة من خلال الاتجاه الذي يبدو راجحاً في انتخابات العاصمة بيروت، وإن بدا أن هذا المسار كأنه مرتبط بحسابات الأرقام الانتخابية التي يفرضها قانون الانتخابات عبر شرطي "الحاصل الانتخابي" و"الصوت التفضيلي".

وتتحدّث المعلومات عن "شبه قرار" قد اتخذ بأن يشكّل الرئيس تمام سلام لائحة منفصلة عن لائحة "تيار المستقبل"، وربما يتم تشكيل لائحة ثالثة أيضاً تدور في ذات الفلك. وهذا ما يعني أن "مايسترو" الانتخابات يخوض عملية حسابية دقيقة تدفعه لفك الارتباط بين الحريري وسلام، وإن بدا أن الهدف المعلن هو مسألة حسابية مرتبطة بالنتائج المتوقّعة.

لكن أحد الحاضرين في "اللقاء الضيّق" الذي جمع عدداً من "المستقبليين"، فسّر هذا الفرز على أنه في الشكل فرز انتخابي، لكنه في المضمون هو فرز سياسي، وستكون ترجمته الفعلية بعد الانتخابات عندما تتشكّل الكتل الانتخابية، والتي سيكون الرئيس تمام سلام رئيساً لكتلة نيابية مستقلّة عن "كتلة المستقبل" وتضمّ عدداً من النواب الفائزين من مناطق مختلفة، وربما من لوائح "تيار المستقبل" نفسه.

بهذا المعنى، سيكون الرئيس تمام سلام "شريكاً" أساسياً للرئيس الحريري في الشارع السني، لأنه بذلك يتم قطع الطريق على "مشاريع" الشركاء الآخرين غير المحسوبين على السعودية بشكل كامل، وخصوصاً الرئيس نجيب ميقاتي.

ووفقاً لهذا التوجّه، إذا صدقت القراءة فيه، فإن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من القضم لحالة الحريري، بدءاً من العاصمة بيروت التي سيشكل الرئيس تمام سلام أحد أركان تلك الحالة، وانتقالاً إلى صيدا وما يمكن أن يعتمد بالنسبة للرئيس فؤاد السنيورة الذي لم يحسم قرار ترشّحه، ثم على طرابلس التي ينتظر الحريري فيها قرار الوزير السابق محمد الصفدي ليحدّد بعد ذلك كيفية خوضه الانتخابات بزخم رافعة الوزير محمد كبارة، بينما ستشكّل الضنية نكسة للحريري الذي لم يحسم أسماء مرشّحيه فيها خصوصاً في ظل اهتزاز العلاقة مع النائب أحمد فتفت، أما في المنية فإن المقعد غير مضمون بحسابات الصوت التفضيلي والحاصل الانتخابي، في حين أن مقاعد عكار ستخضع لبازار كبير، بينما يحتسب منذ اليوم خسارة مقاعد في دوائر البقاع.

هل هذا يعني أن السعودية قرّرت "تفكيك" تيار "المستقبل" وبالتالي "كتلة المستقبل النيابية"؟

نظرياً، معظم الوقائع تقود إلى استنتاجات مقلقة بالنسبة لمستقبل "المستقبل".. وهذا ما يدركه الرئيس الحريري وفريق عمله، وما يسعى لضبط خسائره، لأن مستقبله السياسي لا يستطيع أن يضمنه في ظل هذه الحسابات التي ستؤدي حكماً إلى فسيفساء سياسية في الشارع السني.

على هذا الأساس، يرجح أن يسعى الحريري إلى ترميم ما أمكن من علاقته مع المملكة العربية السعودية، وعلى الأرجح أنه سيجد نفسه مضطراً للقبول بشروطها الانتخابية ـ السياسية، حتى لا يتم استفراده بقضم حالته السياسية عبر انتزاع نواب يصلون إلى مجلس النواب بسيارته ثم يستقلون سيارات أخرى للعودة منه.

من هنا، فإن الاحتمالات المتداولة في أوساط قريبين من الحريري، تميل إلى نصح الحريري بتنشيط خطوط التواصل مع المسؤولين في السعودية، وإن كانت السعودية ما تزال تتعامل مع الحريري نفسه بصفة "رسمية"، حيث أن المعلومات تؤكّد أنه لا توجد اتصالات مباشرة مع الرياض التي يريد الحريري زيارتها في أقرب وقت، إلا ان أبواب القصور في الرياض ما تزال مقفلة، وهو ما يزيد من قلق المحيطين بالحريري الذين يتحدّثون عن حالة "جفاء" تاريخية بين السعوديين وسعد الحريري، والمخاوف أن تتطور حالة الجفاء إلى ما هو أبعد من ذلك.

في المحصّلة، يبدو أن الحريري صار جاهزاً لتجرّع كأس التحالف المرّ مع "القوات اللبنانية" لحمايتها من "بلدوزر" الاجتياح الذي يدير محركاته "التيار الوطني الحر".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.