الإنتخابات في اللغة المحكيّة صعبة "اللفظ"!

بين النسبيّة  والنسبي  والإستنساب

جورج  علم

يفاجئك الموظف النشيط (أكثر من اللازم) في الباحة الخارجية لمصلحة تسجيل السيارات، بمهارته في تركيب اللوائح الرقميّة الجديدة، وبأسلوبه التهكّمي "إنها نمرة النسبيّة"!.

  • ولماذا نسبيّة؟
  • لأنها ولدت قبل الإنتخابات التي ستجري وفقا للقانون النسبي. وما بين النسبيّة والنسبي يكثر الإستنساب حول كلفة النمرة (اللوحة)، من 50 ألف ليرة لبنانيّة، وما فوق (عا شيلة إيدك)، ويمكن أن (يوصل السعر) الى 70 او  75 ألف ليرة لبنانية.. حسب الزحمة.. وإنت وحظّك!.
  • ولكن الداخليّة حدّدت سعراً مقطوعا للوحة.
  • إيه.. نعم. ووزارة الداخلية هي ما بين النسبيّة والنسبي، بمعنى أنها المرجعيّة المسؤولة عن اللوحات، وعن الإنتخابات، لكن حتماً وفق القانون النسبي (مع سكّر زيادة، أي الصوت التفضيلي)، ولو إفترضنا أن كلفة تركيب اللوحة 70 ألف ليرة لبنانيّة، وضربنا هذا الرقم بـ3 ملايين سيارة تقريباً، علينا أن نستنتج كم ستكون الغلّة.. على كلّ حال، الدولة بدها مصاري، بدهم يموّلوا الأستحقاق، وإلاّ كيف بدّك تعمل إنتخابات.. هيك.. بصفير الريح؟!…

يبدو أن هذا الموظّف "الميداني العملي" النشيط (أكثر من اللازم) لم يسمع بقصّة الـ50 مليار دولار التي قرّرها مجلس الوزراء، مطلع العام  2018، لتغطية نفقات الإنتخابات. قد يكون المبلغ كافيّاً، وقد لا يكون، والإنفاق رهن الظروف الطارئة، والمستجدات غير المحسوبة، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وعزيمة وزير الداخليّة نهاد المشنوق تعاني هذه الأيام من ضغوط كثيرة، وهي موزّعة بين "النمرة النسبيّة"، وقانون الإنتخاب النسبي،  والأعمال التحضيريّة للإستحقاق الديموقراطي، مع إستمرار "وجع الراس" من نقاشات اللجنة الوزاريّة الخاصة المكلفة "بتشذيب" بنود القانون من الشوائب العالقة، والنتيجة حتى الآن تساوي صفراً، لأن النقاشات تحوّلت الى تجاذبات.

تكتشف الطبقة السياسيّة يوماً بعد يوم حجم المأزق، وضعت قانوناً ليس على قياس أحد، وعندما دنت ساعة الحقيقة، وجدت أن حسابات الحقل لا تتطابق وحسابات بيادرها السياسيّة، هناك إزدواجيّة مفرطة بين قانون قد يؤدي إلى تغيير ما، وبين مقاولين يعملون "عالقطعة"، ويتوغلون أكثر فأكثر في مزارعهم المذهبيّة والطائفيّة والفئويّة. النقاشات في اللجنة الوزاريّة المختصة تميل الى تطييّر موعد السادس من أيار، لا مصلحة لأيّ طرف أن يعود الى ساحة النجمة بكتلة نيابيّة ناقصة. وحده الرئيس ميشال عون الذي يعلّل النفس بإنجازات إنطلاقاً من الإنتخابات "عهدي يبدأ مع أول حكومة جديدة بعد الإنتخابات"، لكن الأطراف، أو غالبيتهم، تنظر الى الأمور من منظار مختلف، إنه منظار مصالحها، بمعزل عن العهد وطموحاته وإنجازاته.

يقرأ وزير الداخلية النبيه نهاد المشنوق جيداً في هذا الكتاب، ويتصفّح مطالعه بإنتباه. يعرف ماذا في قصر بعبدا من طموح جامح، وماذا في عين التينة من حسابات مع مفعول رجعي يعود الى زمن الضابط السوري في عنجر، وعهدي الرئيسين الياس الهراوي وآميل لحود، و"المثالثة" و"الترويكا".. وماذا في بيت الوسط من ترتيبات مكلفة لإطلاق ديناميّة أمنيّة ـ سياسيّة ـ إقتصاديّة ـ إنمائيّة ـ خدماتيّة تتوافق والتطلعات الجديدة، والمناخ الجديد الذي فرض نفسه بعد الرابع من تشرين الثاني الماضي، والوعكة الصحيّة التي ألمّت بالعلاقات مع المملكة العربيّة السعوديّة… ولأنه يعرف كلّ هذا، لا يتوانى  ولا يتراجع ولا ييأس، بل يقدم، وفي عزيمته "الإنتخابات حتما". وقبل أن يصل الى مكتبه صباح كلّ يوم، يعرّج على الغرف المجاورة، ليتفقد سير العمل في الورش المتخصصة لتلقين المخاتير ورؤساء الأقلام، دروساً في الإجراءات والتدابير التي عليهم إتباعها يوم الإنتخابات لتسهيل عملية الإقتراع، ومساعدة الناخبين على الإضطلاع بمسؤولياتهم، وممارسة حقّهم الديموقراطي. والحقيقة تقال أن صديقه اللدود زياد بارود لا يقصّر، إنه النجم الصاعد الساطع مالىء الشاشات هذه الأيام، صبحاً وظهراً ومساء، يشرح، يوضّح، ويسهب في التفصيل والتحليل الى حدود التضليل، ويمننّ النفس بأنه يقوم بواجب وطني كبير في إرشاد الناس حول ما يجب عمله يوم الإنتخاب. أمّا منجّمي الأرقام، وأساتذة "اهل الكار"، وأصحاب مكاتب "الدرسات الإستراتيجيّة"، و"مراكز الأبحاث التخصصيّة"، و"معاهد العلوم الديموقراطيّة"، وطائفة المنجمين ، والسحرة، و"المنظّرين المتفذلكين بعلم الغيب"، فهذه أيامهم وهذا موسمهم. يتنافسون على تحليل نتائج الإنتخابات قبل حصولها، ويرسمون خرائط التحالفات قبل أصحابها، ويبرّجون في فنجان الحظ لقراءة أسماء المرشحين المحتملين.. الى آخر الرواية… إنه الإستحقاق الديموقراطي المميز، ولشدّة تمايزه وضع اللبنانيين في حيرة عظيمة، هل من إنتخابات فعلا؟ وهل ستجري في موعدها، أم يأتي خيّال من وراء الحدود، ومن دون موعد، وعن سابق تصوّر وتصميم، ويخطفها معه على ظهر حصانه ما بين الغسق والغروب؟!.

لا جواب حاسما بعد عند "حكماء الكار".

تمام بيك، وفي ظلّ القناطر المعقودة في المصيطبة، ذكّرني بالقول المأثور "إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً.. وإعمل لآخرتك كأنك تموت غداً". وفي مقاربته للأمور هناك كياسة ودبلوماسيّة وتهذيب ولياقة وخبرة، "الجميع يعمل للإنتخابات وكأنها حتماً.. ولكن يخلق الله ما لا تعلمون".

وليد بيك يضع رجلا في كليمنصو، وأخرى في المختارة. يحاول أن يمّوه من خلال تغريداته، ويتمسكن في الإعلام، ويتحدث عمّا يخطط له من أسفار، ومطالعة الكتب الطازجة، وتفقد المعالم الثقافيّة الضالعة في التاريخ… ولكنه بالمقابل على درجة عالية من القلق خوفاً من "الدعسات الناقصة". لا يريد للزعيم الشاب تيمور أن يبدأ مشواره الطويل، والصعب بـ"دعسة ناقصة" في الإنتخابات، ولا أن يقال "من أول دخولو شمعة عاطولو". مطمئن الى إداء الكاريزما الصاعدة، ومطمئن أكثر الى فريق العمل المحيط بها، ولكن عيون الحصد شاخصة من قريب، ومن بعيد، ولم يذهب بعد الى حكماء الهند ـ كما كان يفعل والده – لرفع الحسد".

على كلّ حال، هناك من يبتهل كي يأتي من يخطف الإستحقاق، حتى لا تحصل الإنتخابات، ويمنن النفس بأن التعطيل  سمة المرحلة، و"إستهلاليّة" العام الجديد 2018 إنطلقت حافلة بمواسم التعطيل:

تعطيل في أجواء الوفاق ما بين القصر الجمهوري وعين التينة، على خلفية مرسوم "دورة عون"  للعام 1994، وما تبع ذلك من تصعيد في اللهجة، والخطاب السياسي، وفتح  دفاتر الطائف من جديد، ومعها ليالي لبنان الحزينة! وتعطيل في معالجة مشكلة النفايات القابعة في المنازل وعلى الطرقات، وفي الشوارع، وعلى المفارق والمستديرات، وخواصر المنحنيات والمرتفعات. أين الحل؟ ما العمل؟ كيف السبيل للتخلّص من هذا الكابوس؟ لا حياة لمن تنادي. ويطوف التعطيل ليشمل الكهرباء، والتيار المقطّع الأوصال، والضمائر الخاوية الخالية إلاّ من الفساد. لماذا لا يوجد كهرباء، وقد أنفق اللبنانيون من جيوبهم عشرات المليارات من الدولارات للحصول على التيار "24 عا 24"؟ الجواب بسيط لأن "الثلم الأعوج من الثور الكبير"، والمشكلة عند اللبنانين أنهم يتبرّمون من "الثلم الأعوج"، ويغضون الطرف عن "الثور الكبير"، وإن شاهدوه تهرع غالبيتهم للإنبطاح والأستزلام،  والتهليل "أنت مليح، بتبقى مليح، وياجبل ما يهزّك ريح"!. فأي إصلاح يرجى من الإنتخابات؟ وأي تغيير، طالما أن الشعب بغالبيته يستجيب للقدر كي يبقى الزعيم يقود قطيع الغنم الى حقول مصالحه، وأنانياته التي لا تنتهي؟!.

أمضى بعضهم عقوداً مديدة من الزمن في الندوة البرلمانيّة، أو في الشأن العام، فماذا حقق؟ وما هي إنجازاته الوطنيّة حتى على مستوى البنى التحتيّة؟ أمضى سنوات طويلة نائباً، او وزيراً، أو رئيس كتلة، أو حزب، أو تيار.. ماذا حقق من إنجازات، من منافع عامة، من مشاريع خالدة في ضمير الشعب ووجدانه؟. ماذا حقق سوى زرع بذور الفتنة، والضرب على الوتر الطائفي، والمذهبي، والفئوي، لتجييش النفوس وتحريض الطوائف والمذاهب بعضها ضد البعض الآخر، للهروب من المساءلة والمحاسبة، وشدّ العصب قبيل الوصول الى صندوقة الإقتراع؟!ّ. وقد لا يكون هناك من وصول، أو قد لا يكون هناك  من صندوق للإقتراع، لأن رغبة الغالبيّة ألاّ تكون  هناك إنتخابات، وأن يصار الى تأجيلها او إلغائها!.

هل هذا ممكن؟

هناك شبه إجماع في صفوف الطبقة السياسيّة بأن كلمة الفصل، إنما تأتي من الخارج، والخارج يقول حتى اليوم: الإنتخابات حتماً، هذه هي اللغة المحكيّة الشائعة في أوساط المجموعة الدوليّة لدعم لبنان.. والسلام…

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.