هل العهد مستهدف فعلاً؟

جوزف القصيفي

هل صحيح أن العهد هو عرضة للاستهداف لغايات انتخابية، أو أن ذلك هو من باب الاستنتاج والتخمين؟
يقول مصدر قريب من "التيار الوطني الحر" إنه من اللافت أن تكون كل الملفات قد فتحت في وجه العهد، بعد الموقف التاريخي الذي اتخذه خلال أزمة استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري التي تقدم بها من الرياض، إضافة الى موقفه النوعي والواضح من مسألة اعتراف الرئيس الاميركي بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، واحتضانه للمقاومة في وجه التنظيمات التكفيرية وارهاب "النصرة" و"داعش" والدعم المباشر للجيش اللبناني في عملية الجرود.

فهذه المواقف، معطوفة على المعالجة الحكيمة، أدت إلى ارتفاع أسهم الرئيس عون وفريقه السياسي الذي يعدّ العدّة لجني إيجابياتها في الانتخابات النيابية في السادس من أيار المقبل.

هذا الأمر سلّط انتباه المتضررين، فكان "حلف الضرورة" الذي طوّق العهد، ويسعى إلى تضييق الخناق، وفي يقينه أن أي هزيمة ستلحق بـ "التيار الوطني الحر" سياسياً، انتخابياً، مطلبياً، ستُضعف العهد وتُحاصره في الزاوية وتجعله شليلاً، كما حصل مع الرئيس السابق ميشال سليمان الذي بدا معرّى من أي دعم سياسي على إثر انتخابات العام 2009. صحيح أن الامر لن يكون كذلك، ولا يمكن لمثل هذه المقارنة أن تسري، ولكن من حق "التيار الوطني" أن يذهب به الظن الى هذا الحد من حيث التشكيك في النتائج السياسية لهذه الحملة، بعيدا من عدد النواب الذي يمكن حصده في الاستحقاق النيابي المقبل.
ويقول المصدر عينه "ليس من باب الصدفة أن تفتح كل المعارك في وجه العهد: مرسوم الاقدمية لضباط دورة 1994، أزمة عمال شركة الكهرباء والمياومين ومقدمي الخدمات وانقطاع الانارة شبه الدائم عن المناطق اللبنانية، عدا ما اعتبر قضية حريات من خلال تضخيم قصة دعوة الاعلامي مارسيل غانم إلى المثول أمام القضاء للافادة عن ضيفين سعوديين استضافهما في برنامجه "كلام الناس" تناولا فيه رئيس البلاد العماد ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري وقائد الجيش العماد جوزاف عون ومدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم.

فجأة أصبح رئيس الجمهورية هو المسؤول عن تردّي الوضع في البلاد والمقصر في معالجة ملفات عمرها عشرات السنوات. ويقول المصدر المقرّب من "التيار الوطني الحرّ" إن هذه الحملة أدت إلى إرباك العهد والفريق المعاون، خصوصاً أن بعض المشاركين في الحملة القاسية من المفترض أن يكونوا في معسكر الحلفاء لا الخصوم.

نفي وايضاح

ينفي الذين تطاولهم السهام "البرتقالية"، ولا سيما أوساط رئيس المجلس النيابي، أن تكون هناك أي نية لاستهداف رئيس الجمهورية وتطويقه سياسياً، أو محاولة تفريغ النقاط الايجابية التي سجلها على المستوى الوطني الداخلي والعربي، وهي كانت موضع إشادة الرئيس نبيه بري ولا تزال، ولا يعني في حال وجود قراءة دستورية وقانونية مغايرة لمسألة توقيع المراسيم ومسائل اخرى مغايرة ان هناك انخراطاً في معركة يستعد لها متضررون من العهد، خصوصاً في الجانب المسيحي. وأن "حركة امل" تربطها بالرئيس عون مشتركات استراتيجية ووطنية، هي أكبر من أي خلاف سياسي. وباستثناء "تيار المردة" الذي تشده الى الحركة قناعات واحدة على مستوى لبنان والاقليم، فإن أي لقاء مع الاخرين يقتصر على متطلبات التعاون السياسي والتشريعي تحت قبة المؤسسات. وبالتالي لا وجود لما يسمى خطة تطويق والتفاف، ولكن لا بد من المجاهرة بأن موضوع الازمة الناشبة حول توقيع مرسوم ترقية الضباط، هو في بالغ الجد وان للرئيس بري ملاحظاته النابعة من حرصه على ضمان عدم تغيير طبيعة النظام.

ان "الكباش" مع رئيس المجلس النيابي ليس سهلاً، ولو أن طرفي الخلاف ينفيان حصوله، فالحقيقة ان الاشتباك السياسي ـ الدستوري والدستوري ـ السياسي بينهما، يفرض ايقاعه على المشهد العام،
على نحو بدأ يقلق ابناء الصف الواحد الذين يتوقعون ان تكون تداعياته عليه سلبية. والرئيس بري لا يعدم أوراقا يبرزها عندما تقتضي الضرورة ذلك، خصوصاً أن أوساطه تؤكد أنه يلتزم الدستور والقانون بعيداً من التفسيرات، وبالمقابل لا تعوزه القدرة على الاجتهاد.
وفي أي حال ثمة من يراهن على المساعي الرامية إلى احداث ثغرة في الجدار الذي ارتفع بين بعبدا وعين التينة.

"حزب الله" المحرج

يرى وزير سابق على علاقة وثيقة مع "التيار الوطني الحر" ان "حزب الله" محرج وحزين، لاسيما عندما يتعلق الأمر برئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي، فكلاهما حليف يضن بهما، ويرى أن لا موجب لهذه المعركة في توقيت شديد الحساسية. على أن هناك من يرى رأي الر ئيس عون داخل القوى المعارضة، لكن أحداً منها لا يرغب القول إنه على حق لحسابات انتخابية مستقبلية.

ويقول المصدر إياه إنه على الرغم من معاناة الناس الذين يُدفعون للكفر بكل شيء، فإنهم غير غافلين عن مسؤولية الذين أوصلوا البلاد إلى حافة اليأس طوال السنوات المنصرمة. ويضيف المصدر إن الرئيس عون قد يُضطر يوماً إلى قول الكثير مما في حوزته ليقوله، لكنه يؤثر نهج الحوار والتعاون على نهج المكاسرة .

ومع الاستعدادات التي بدأت تحضيراً للانتخابات النيابية التي ستجري وفق قانون جديد مركّب من الصوت التفضيلي والنسبية، فإن الاتصالات ناشطة في "الكواليس" لدرس التحالفات ونسجها، ووضع أفضل الصيغ الممكنة للتعاون بين أطراف الصف الواحد الذي تعصف به المصالح المحلية الضيقة من أقصى الجنوب والبقاع وصولا الى عكار، مروراً ببيروت فالجبل. وهنا أيضاً يتعين على "حزب الله" الخوض في مغامرة تقريب المسافات وتدوير الزوايا، وترتيب ألوان فريق "8 آذار" بطريقة تحلّ التناغم بدل التنافر البارز حالياً.

ويرى أحد المراقبين أن ثمة من يريد أن يطيح الفريق السياسي الذي تقدم على منافسه في الفترة الاخيرة بالنقاط. وهو قد يتمكن من ذلك اذا لم يقف "التنتيع" عند حد. ولا يبدو انه سيتوقف قريباً، طالما لا يعدم أي طرف ذريعة يعزز بها وجهة نظره.

ويقول وزير سابق: هل من يشرح للرأي العام اللبناني ما هو الطائف؟ هل هو نظام رئاسي، أو مجلسي، اوحكومي؟ هل هو صيغة كونفدرالية طوائفية غير مبلورة بعد، أو صيغة فدرالية مقنعة؟ وبصريح العبارة: هل لايزال صالحا لحكم البلاد، وهل يستطيع إيصالها إلى الدولة المدنية، دولة الحق والقانون؟

ان هذا الموضوع، كما يجد باحث سياسي متابع، مصنف في خانة "التابو" ويشدد الجميع على عدم جواز مقاربته بالسلبية. ولكن إلى متى يمكن حمل المواطنين على مواصلة الصمت ورفع الصوت عالياً اذا ظلت كل الابواب مغلقة والحلول بعيدة المنال؟

ويبقى السؤال الاهم: هل تتمكن انتخابات أيار المقبل من إفراز مجلس نيابي جديد تتوافر فيه أكثرية مريحة – في أي جانب – تكون قادرة على إعادة الحياة إلى ساحة النجمة، وتمكّنه من العطاء والتشريع وفتح نوافذ لبنان على الحداثة والكفاية، فتستقر دولة القانون والمؤسسات. وإلا ستبقى البلاد تلغ في أوحال العجز معرضة لشتى الاخطار.. والاقدار.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.