"جمهورية الذكور" تُقصي "نواعمها"؟

نورما أبو زيد

المشهد الداخلي منصرف إلى ترتيب الأحزاب السياسية لبيوتاتها على أبواب الانتخابات النيابية، تمهيداً لانتقاء مرشّحيها الأوفر حظاً، وهذه حسنة ناقصة جداً.

فهل في هذا البلد زعيم حزب، فكّر أن يرشّح امرأة من صفوفه؟

تعوّدنا على سياسيين جهابذة، يستعينون في كلّ انتخابات بمقصّ خياط، يخيط لهم بزّة انتخابية، لا تصلح إلاّ للقامات الذكورية. لا فرق بين طويل وقصير. بين "مبعوق" ومنتفخ. بين معتوه ومتفوّق. المهم أنّ المرشّح ذكر.

من "التيار الوطني الحرّ"، إلى "المردة"، و"القوات اللبنانية"، و"الكتائب"، و"أمل" و"حزب الله" و"المستقبل" و"الاشتراكي"، و"البعث"، و"القومي"… وصولاً إلى آخر حزب في الخريطة الحزبية المترامية الأطراف، لم ينطق أحدهم باسم امرأة. ويبدو أنّ الترشيحات النسائية ستظلّ معجزة صعبة التحقيق شبيهة بحكاية العصفورة التي طُلب منها أن تأتي بعود "لا أخضر ولا يابس. لا أعوج ولا جالس". كلّ الطامحات لمقعد نيابي هنّ على شاكلة تلك العصفورة. لم تتمكّن أيّ طامحة منهنّ من فكّ لغز "عود الحزب".

الواضح للعيان هو أنّ لدى أحزابنا طلاقة ذكورية قلّ مثيلها في أكثر دول العالم تخلّفاً، وبعد يحدّثنا هؤلاء عن الحداثة والمساواة. الغريب هو أنّ الأحزاب ليست مصابة بانتفاخ ذكوري. المرأة موجودة بقوة على لوائحها، ولكن تأبى هذه الأحزاب أن ينتفخ المجلس النيابي بغير الذكور. المجلس النيابي _كلّ مجلس_ يؤلّف من سلالة واحدة، ولا تدخله امرأة إلاّ إذا كانت وريثة أحزان لأب فقدته أو شريك أو شقيق، ومع ذلك يصرّ "أصحاب السعادة" على "تذكيرها"، بحجة أنّ النائب المؤنّث تعني المصيبة، ويرتكبون بذلك مصيبة لغوية وأخرى نوعية، الأولى تكمن في تذكير المؤنث اللفظي، والثانية تكمن في تذكير المؤنث الفعلي، ومصائب هذا "التذكير" مستمرة و"على مدّ عينك والنظر".

لا ترشّح الأحزاب اللبنانية إلاّ ذكورها للانتخابات النيابية، وكأنّهم الأكثر نبوغاً ونباهة وبلاغة والأوسع ثقافة.. فيما العكس قد يكون هو الصحيح.

في كلّ المجالس النيابية المتعاقبة، بضعة نواب لا يتجاوز عددهم أصايع اليد الواحدة، هم من النخبويين المجلّين، أمّا الباقين فيكتفون بـ "طاقتهم" العددية تحت قبة البرلمان. يرفعون أيديهم في المجلس النيابي تصويتاً، ولا يرفعون أصواتهم تصويباً.

منظومة ذكورية غير منتجة تستبعد المرأة، وما من حزب يعترف بجريمة استبعادها.

في عجقة الترشيحات للانتخابات، من يسأل رئيس الحزب المزمن في ذكوريته ماذا فعلت لنواعم حزبك، وماذا فعلت بنواعم حزبك، ولماذا؟

تكتفي الأحزاب بتوزيع بطاقات التدجين على نسائها، إثباتاً للانتماء إلى فصيلة النعاج. نواعم الأحزاب ممنوعات من الطموح والابتكار و.. التمثيل. هنّ في موقع التابعات اللواتي يبصمن، ويبصمن، ويبصمن… إلى أن يصحّ ما كتبه الشاعر نزار قباني: "سرير واحد ضمّهما. تسقط البنت، ويُحمى الرجل".

ولكن في ظلّ هذه الذكورة الفاقعة والأنوثة الباهتة، لا بدّ من السؤال: لماذا؟

هل تتعاطى الأحزاب اللبنانية مع منتسباتها على قواعد "المرأة النقصان"، "المرأة العورة"، "المرأة الأثاث"… وعلى هذه النعوت ترى أنّها تستحقّ عقوبة الإعفاء؟

هل يعتقد القيّمون على الأحزاب أن ليس لرؤوس النواعم علاقة مع الإنتاج، وليس لجباههن صداقة مع السماء؟

تعفي الأحزاب نساءها من عصمة المجلس النيابي، بعضها بتقليد، وبعضها بلاهوتٍ وفقهٍ وأمرٍ سماوي. وفي الحالتين هي معفاة.

لا أحد مع المرأة.. حتى المرأة ليست مع نفسها. هي الضحية، وهي الجلاد.

نواعم الأحزاب تماهين مع الذكور إلى حدّ الإمحاء. عبرن نحو ضفّة الإلغاء إلى حدّ التواطؤ. لا صدى لهنّ. لا وقع لأقدامهنّ. جميعهنّ يسرن منحنيات في مسار التطبيع. ونادراً ما تنتخب المرأة إمرأة.

فلماذا لا تحرّر المرأة نفسها من ثقافة الاتّكال أولاً، ومن فكّي الذكور ثانياً، ومن زنازين الأحزاب ثالثاً؟!

ألا يحقّ للمرأة أن تطالب داخل حزبها بـ"كوتا" نسائية وفقاً للنسبية عينها التي ستجري وفقها الانتخابات النيابية؟ وإلى متى سيستمرّ رؤساء الأحزاب بممارسة نشاطهم الانتخابي بجدارة ذكورية، مطمئنين إلى نعمة النسيان التي تصيب ذاكرة النساء؟

الغياب النسائي عن البرلمان إلى حدّ التخفّي، هو مرض نفسي عضال، يحتاج إلى لقاح وطني من مستوى زعاماتي يحرّك الزمن المتجمّد في الحقبة الجاهلية. فهل يُقدِم "بيّ الكلّ" على السؤال عن سبب تخفّي عقول نواعم "التيار البرتقالي"، الذي هو والده، وراء عضلات ذكوره؟  وهل يجرؤ "بيك زغرتا" على "نبش" فهيمات "المردة"؟ وهل يفعل مثله سعد الحريري مع "الزرقاوات" اللواتي بحّت حناجرهن وهنّ يطالبن بفكّ أسره؟ وهل سيكتفي سمير جعجع بطبعة نسائية واحدة في المجلس النيابي منعاً لمزيد من العراضات الأنثوية في البرلمان؟ وماذا عن نواعم "الاشتراكي" وغيرهن من نواعم سائر الأحزاب؟

أنا شخصياً، رغم إعجابي بالزعيم سليمان فرنجية، أفضّل رؤية الرقيقة الأنيقة ريما قرقفي على مقاعد المجلس النيابي، وبالطبع أفضّل حضور الجميلة نورا شرباتي على تيمور وليد جنبلاط رغم وسامته، وأحبّذ ميريام طوق على أيّ سكافي، وأمنيتي على الوزير جبران باسيل هو أن يٌحسن اختيار خليفة النائب (ة) جيلبرت زوين، ورغم خطيئة ستريدا طوق بمهرها الدموي، أؤيّد حضورها النابض في البرلمان بآخر صيحات الموضة، على تواجد زوجها الباهت.

فهل هناك أجمل من أن يشعّ المجلس النيابي بريما ونورا وميريام وستريدا، وربّما بحلا وغلا وعُلا و.. و.. و.. . ويردّد كل من يقصد ساحة النجمة "سحرني حلاها وقلبي هواها وابتلى" على أنغام ماجد المهندس؟!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.