"الأراكيل" المجّانيّة لِحَلّ أزمة البطالة!

فرح الحاج دياب ـ

تقدّم عدد من النّواب في البرلمان اللبناني بمشروع قانون لحل أزمة البطالة في البلد، ينص على توزيع "أراكيل" مجانيّة على اللبنانيين العاطلين عن العمل، وذلك من أجل مساعدتهم في قضاء أوقات فراغهم بطريقة ممتعة أثناء انتظار الفرج – الذي لا يبدو أنه سيأتي في وقت قريب.

وجاء في مقدّمة المشروع أنّه "لابدّ من إيجاد وسائل وابتكارات مدهشة تتماشى مع عصر السّرعة لحل أزمة البطالة، وأوّلها جعل المواطنين يموتون بسرعة، وذلك عبر رفع معدّلات السّرطان ـ وخصوصاً لدى فئة الشّباب ـ عبر توزيع الأراكيل مجّانًا، وبالتالي كلما ازداد عدد المصابين بالسّرطان، إزداد عدد الوفيّات وقلّت نسبة المنافسة في سوق العمل". ويشير نص المشروع إلى أنّ هذا الحل يُعدّ "اكتشافًاً لم تتوصّل إليه أي دولة في العالم بعد، وأنّه سُيضاف إلى "انجازات" الحكم!

ومن أهداف المشروع المُقترح كما وَرَدَ في مقدّمته:

أوّلًا: "رفع إسم لبنان عاليًا ليصل نحو العالميّة"، إذ أنّه من العار أن نكتفي بإحتلال المرتبة الأولى بين دول غرب آسيا لناحية معدّلات السّرطان، لذا يطمح المشروع لإحلال لبنان في مراتب عالميّة.

ثانيًا: توفير طرق فعّالة ومضمونة لزيادة عدد الاصابات بالسّرطان وتخليص المواطنين من الحياة في لبنان، خصوصاً أولئك غير القادرين على الهجرة، إذ أنّ المياه الملّوثة، وجبال النّفايات، والمحارق، والأطعمة غير المطابقة للمواصفات… كلّها أصبحت وسائل قديمة.

وصرّح أحد نوّاب منطقة عكّار خلال جلسة المناقشة، أنّ توزيع "الأراكيل" المجانيّة سيتركّز أمام مكاتب التوظيف الخاصة بالأحزاب، حيثُ يقضي الشباب اللبنانيون أيّامهم ولياليهم عند أبوابها وهم ينتظرون أن يُشفق عليهم "الزعيم" ويوظّفهم، مضيفًا "طالما أنّنا نكذب عليهم، وسيظلون أمّام مكاتبنا ينتظرون إلى الأبد، فمن المعيب ألّا نقوم بواجب ضيافتهم، ومن الخطأ أّلا نسعى لتقليل عددهم بأسرع وقت عبر قتلهم".

أمّا النائب المُنتخب عن منطقة بعلبك ـ الهرمل فقد أكّد أنّ الدّولة اللبنانيّة "تحترم" مواطنيها جدًا، وتؤمن بأنّ "كرامة الإنسان" هي أهم أولويّاتها، مذكراً بكلّ التضحيات التي قدّمها تيّاره السّياسي من أجل صون كرامة اللبنانيين عمومًا وأهالي بعلبك الهرمل خصوصًا، مشدّدًا على أهميّة مساواة الطّبقة السّياسيّة بعامة الشّعب قائلًا: منذُ أن انتخَبَنا هذا الشّعب ونحن لم نفعل أي شيء إلّا شرب "الأركيلة" وإطلاق الوعود… لذلك لابدّ من توفير "أراكيل" مجانيّة للشباب تقديراً لجهودهم وصبرهم، خصوصاً أنّه من غير الممكن أن نؤمّن لهم بدائل، فلن نفتتح مشاريع جديدة ولن ننشىء مؤسسات تشغّل اليد العاطلة، ولن نفي بأيّ من وعودنا، ذلك لأنّنا جزء من دولة "عاطلة".

وفي حين أنّ النائب المُمثل "على" منطقة النّبطيّة في الجّنوب إلتزم الصّمت لأنّ معظم أهالي تلك المحافظة قد هاجروا أو نزحوا ولم يعد هناك شباب أصلًا، كان الآخرون يطرحون أسئلة حول الطريقة التي يمكن اعتمادها لسرقة الأموال بفضل هذا المشروع والوسيلة المتّبعة لتمويله من جيوب الشعب… إلّا أنّه بدا في نهاية الجلسة أنّ أحد النّواب "العنصريين" والمعروف بأنّه "وغد" سيسعى إلى عرقلة إقرار القانون، خاصة أنّه بدأ فورًا المطالبة بحقوق طائفته الكريمة من نسبة "المعسّل".

الجديرذكره أنّ معدّل البطالة في لبنان يُقارب الـ 40 % بشكل عام، أمّا لدى أوساط الشباب فيبلغ 60 % كما جاء في دراسة لمؤسسة "لابورا" للتوظيفات العام الحالي (2018). وبمعنى آخر، هناك سنوياً ما يناهز 30 ألف متخرج لا يجدون العمل، هذا إلى جانب الأفراد الذين يضطرون إلى ​ترك أعمالهم​ سواء بسبب إقفال المؤسسات والشركات أو بشكل تعسفي .

وإذ يعتمد النمو الإقتصادي في الدّول على انتاجيّة القطاعات المختلفة (والتي تعتمد على انتاجيّة العاملين فيها وكفاءاتهم)، لا يبدو غريبًا أبدًا ما يشهده لبنان اليوم من تراجع اقتصادي وحديث عن "انهيار قريب"، فالإنتاجيّة في مؤسّسات القطاع العام شبه معدومة إذ أنّه "مغارة البطالة المقنّعة"، وهو ما أثبتته دراسة أعدّتها "الدّوليّة للمعلومات" تبيّن خلالها أنّ أكثر من 50 % من موظّفي القطاع العام يتم تعينهم تلبية لرغبة الوساطات والمحاصصات السياسية والطائفية، وهو ما أكّده عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب ​حسن فضل الله​ قائلاً "هناك آلاف الوظائف الوهمية في ​لبنان​ في ​القطاع العام​، وهناك آلاف المتخرجين وحملة الإجازات لا يجدون فرصة عمل، لأن المعبر إلى الوظيفة العامة بأغلبه هو معبر الواسطة والمحسوبيات والليستات والوقوف على أبواب النواب والوزراء والأحزاب والزعامات السياسية، وهذا يدمرّ الإدارة العامة، لأن الموظف يصبح مستلحقاً وتابعاً". هذا إلى جانب الموظّفين الذين "تخّت" عظامهم ومازالوا يتقاضون أجورهم. من يدري؟ ربّما يأتون من الجحيم في بداية كلّ شهر، يأخذون رواتبهم ويصعدون بها لشراء صكوك غفران عند أبواب الجّنة، فهم خبراء في أمورالرّشوة!

أمّا القطاع الخاص، الذي يترنّح مع الأزمة الإقتصاديّة اليوم، فتغصّ مؤسّساته بموظّفيها، كما يشهد اقفالًا لعدد كبير من الشركات التي أفلست، أو استدركها أصحابها وأغلقوها قبل أن تُفلس…

أخيراً، لابدّ أن يعي المسؤولون أنّ نخبة الشّباب اللبناني قد هاجرت "روحة بلا رجعة" كي لا ترى وجوههم القبيحة مجددًا، أمّا من بقي فيعمل بأجر زهيد جداً ويُفكّر كلّ يوم بالهجرة تاركًا للزعماء ومرتزقتهم وورثتهم وحاشياتهم وأصهرتهم و"شعراء بلاطهم"، ما تبقى من الوطن لينهبوه على مهل من دون أن يتسبب في ازعاجهم. وأخيراً، هناك الفئة الأكبر والتي لجأت نحو "الأركيلة"، آملةً بأن يُقرّ مشروع البرلمان المدهش، وتوزّع السلطات "أراكيل" مجّانيّة على كلّ العاطلين عن العمل.

في نهاية المطاف، لابدّ أن يُكمل المسؤولون معروفهم ويشرّعوا الحشيشة أو تعاطي الحشيشة – دفعة واحدة – ما دام لبنان (الوطن الذي يعيش على أعصابه) في كلّ الحالات قد تحوّل إلى "عصفوريّة"، وما دام الشّعب اللبناني (الذي بات من أكثر الشّعوب استهلاكًا للأدوية المهدّئة) قد تحوّل إلى شعبٍ تعيس ومُكتئب… فليشرّعوها ولنفرح قليلًا!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.