علاج الإكتئاب بـ"بلاش" في لبنان؟

فرح الحاج دياب

أشعر بأنّ رأسي ثقيل جداً، أمسكه بكلتا يدي، أحاول أن أقتلعه وأرميه بعيداً عنّي، أصفع وجهي ولا أتمكّن من النهوض، يصرخ بي الوحش المختبىء تحت السّرير "هيّا انهضي أيّتها البشعة، انهضي وإلّا سأخرج وأجرّك بنفسي". أقف منهكة، أنظرُ إلى نفسي في المرآة فلا أرى إلّا ظلّي يبكي، يهمس الوحش في أذنيّ "سأشوّه وجهك، سأمتص طاقتك كلّها". أطلب منه أن يدعني وشأني، يملأ فراغ الغرفة بضحكاته: "كيف أرحل؟ أنا أعيش في داخلك، وسأمزّقك".

وحش الإكتئاب يعيش حقاً في داخلي، يتغذّي على سعادتي، يأكل حياتي بنهم، يسمن بينما أفقد وزني، لم يعد بإستطاعتي أن أقتله.

بدأتُ أنطفىء، أدمّر علاقتي، أستغني عن أصدقائي، أقصي عائلتي عن تفاصيل حياتي، صرت على يقين ألّا شيء يمكن أن يسعدني. غارقة في عالم من العزلة والوحدة والإنزواء واللامبالاة بكلّ ما حولي.

الأيّام تمرّ بطيئة، ثقيلة، متشابهة، أجلد نفسي بسياط من الشعور بالذنب، أحتقرها، أؤنّبها، أخبرها أنّها سبب تعاسة هذا الكوكب.

فجأة، يجتاحني النّور، أشعر بنوبة من الأمل، أتّصل بالشّاب الذي أحبه، أحدّد موعداً في مقهى وسط بيروت لنلتقي، أغلق السّماعة، أقرر أن ألبس فستاناً أزرق، ولكن سرعان ما يتلاشى ذلك الشعور.. لِمَ أقابله؟ أنا لا أحبّه ولا أحب الضوضاء ولا الضجيج، لا أريد ان أرى أحدًا. أبعثُ له رسالة "لن آتي، أشعر أنني مريضة". يحاول الإتصال بي، فأقفل الخط.

تفتح لي الوسادة المحشوّة بالأفكار العفنة ذراعيها، إنّها السّاعة الثانية فجراً، الصّقيع يقضم أطرافي رغم أنّه شهر آب. يقيم بعض المجانين حفلة شواء في رأسي، يرقصون ويبكون ثم يقطّعون شرايينهم، يصرخون ويصرخون ويصرخون، ثم يصمت كلّ شيء.. أحلم أن أكون الصّورة المنعكسة في المرآة، أن أكون سجينة في المرآة. أحلم أن أصير عروساً، ألبس فستاناً أبيض. أحلم أن يكون لي طفل، أحلم ألّا أكون موجودة، أحلم أن أموت.

أيّها السقف، إنخفض قليلاً، أريد أن أخبرك سراً. يقترب منّي السّقف بهدوء، أدق فيه حبلاً من الأفكار، يغريني لأن أدسّ عنقي الصّغير فيه، هكذا أتخلّص من رأسي. ألفّ الحبل حول عنقي، وأحرّك قدميّ بحرّية، أنا استطيع الطيران، إنني أطير الآن.

أطير أطير ثمّ أهوي أرضاً، لقد كنت متعلّقة بحبلٍ من دخان أسود.

ينهض الوحش من تحت السّرير، يمد لي يده، يحملني إلى وسادتي، يدثّرني، يمسح على رأسي، يعطيني حبّتين من علبة الدّواء التي لا أقوى على فتحها، "لا بأس يا صغيرتي، غداً أحضر لك حبلاً متيناً، ستنجحين في شنق نفسك المرّة المقبلة".

هذه الفتاة هي واحدة من ما يقارب نصف اللبنانيين الذين يعانون من الإكتئاب العصبي، إذ يُعد لبنان بين أكثر بلدان العالم استهلاكًا لمهدئات الأعصاب.

نرى اللبنانيين يقبلون على شراء الأدوية المهدّئة التي وصل عددها إلى 13 مليوناً و600 ألف علبة خلال العام 2014، بحسب دراسة  أعدّتها جمعية "Gallup" وهي شركة أميركية تقدّم مجموعة من البحوث في الخدمات المتعلقة بإدارة الأعمال، وتظهر الدراسة أنّ 47 % من اللبنانيين يعانون حالات اكتئاب عصبي.

 لا يقتصر إستهلاك الأدوية المهدّئة على كبار السن فقط، بل يتخطاهم إلى الشباب والنساء بنسب تفوق المعدّل الطبيعي، ما يعني أنّ حالات التوتر تسيطر على جميع فئات الشعب اللبناني.

وعلى  الرغم من صدور قرار عن وزارة الصحة يمنع شراء هذه الأصناف من الأدوية من دون وصفة طبيب، فإنّها مازالت تُباع بلا رقابة فعلية، حتى أنّ أسعارها المرتفعة،  لم تحد من إرتفاع نسبة الإقبال على شرائها.

يؤكّد المتخصّص  في علم النّفس والطّبيب رشاد حرب أنّ الإكتئاب يعدّ في الوقت الرّاهن واحداً من الإضطرابات النفسية الأكثر شيوعا في العالم ، كما أنّه في حالة تزايد مستمر، معرّفاً الإكتئاب على أنّه ﺤﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﺰﻥ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﻭﻓﻘﺪﺍﻥ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﺎﻷﻧﺸﻄﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﻤﺘﻊ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ.

يشير حرب إلى أنّ منظمة الصّحة العالميّة ﻧﺒﻬﺖ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻻﻛﺘﺌﺎﺏ ﺃﺿﺤﻰ ﺳﺒﺒﺎً ﺭﺋﻴﺴﻴﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﺍﻟﺤﺎﻟﻲ ﻻﻋﺘﻼﻝ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﻭﺍﻹﻋﺎﻗﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، إذ أنّ 300 ﻣﻠﻴﻮﻥ ﺷﺨﺺ حول العالم يعانون منه.

يكشف الطبيب حرب أنّه في لبنان وعلى الرّغم من غياب الإحصاءات الدقيقة، إلا أن جميع الضالعين في المجال النفسي يؤكدون أن معدل انتشار هذا الإضطراب يقارب -إذا لم يكن يتجاوز- المعدل العالمي، ويعزي ذلك إلى جملة من العوامل، أبرزها: ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﻭﺍﻻﻋﺘﺪﺀﺍﺕ المتكررة التي تشهدها البلاد من تداعيات ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﺘﻬﺠﻴﺮ ﺍﻟﻤﺴﺘﻤﺮ ﻭﺍﻟﻔﻘﺮ وﺗﺪﻧّﻲ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤﻌﻴﺸﺔ ﻭﺍﻟﻐﻼﺀ ﻭﺍﻟﻔﻠﺘﺎﻥ الأمني والفساد والبطالة…

اللافت أنّ اللبنانيين الذين يتحوّلون إلى محلّلين سياسيين في أوقات الأزمات، يتحوّلون أيضاً إلى أطباء نفسيين أمام مشاكلهم النّفسية، فيصفون الأدوية لأنفسهم ويتناولونها بكلّ ثقة. في هذا الإطار يرى حرب أنّه  على الرغم من التزايد المطرد في أعداد الراغبين بالحصول على خدمات علاجية في السنوات الأخيرة، فإن معظم من يعانون من اضطرابات نفسية لا يرتادون العيادات النفسيّة، مفسّرا "الخوف من نظرة المجتمع هي السبب الأساسي الكامن وراء التردد في الذهاب إلى العيادة النفسية، لذلك يفضل الكثيرون تناول الأدوية المهدئة من دون تشخيص صحيح أو وجهة نظر طبية، وهذا ما يفاقم الأزمة عوضا عن حلها". ويربط الطبيب تزايد حالات الإنتحار بإرتفاع نسب الإكتئاب الذي يكون قد وصل إلى ذروته، مؤكّداً أن "ارتفاع نسبة الإنتحار مؤخرا ما هي إلا انعكاس واضح للخلل على مستوى الصحة النفسية عند اللبنانيين".

تجدر الإشارة إلى أنّ وزير الصّحة غسّان حاصباني كان قد أعلن مؤخّراً أنه اعتباراً من عام 2018، ستبدأ الوزارة بتغطية الصحة النفسية كجزء من مشروع "التغطية الصحية الشاملة" بإدارة قسم الرعاية الصحية الأولية وبدعم من البنك الدولي، وستدرب ما يزيد عن 75 موظفاً من موظفي هذه المراكز كدعمٍ للمرضى النّفسيين في لبنان.

إن كان نصف اللبنانيين يعانون من الإكتئاب، فلا بد أنّ نصف السّاسة الذين يمثّلون هذا النّصف المريض من الشعب اللبناني يعانون من الهيستيريات المتنوّعة.. وربما كانوا هم السبب الرئيس في كآبة الشعب اللبناني المسكين.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.