الحرف اليدويّة تنتشر في "الأسواق الإفتراضية"

بتول بزّي

 

من غرفةٍ صغيرة في حي شعبي في ضاحية بيروت الجنوبية، سطعت موهبة الشابة نور عواد (21 عامًا) بعد محاولاتٍ عديدة لتنميتها في الظلّ. ومن خلال صفحتها على موقع "فايسبوك"، استطاعت عواد نقل موهبتها إلى الناس. ترسم لوحة متواضعة بمعدات بسيطة، تصورها بطريقة احترافية جذابة، تلصقها على "حائطها" الإفتراضي، وتطلق لها العنان للوصول إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من الأصدقاء والمتابعين. هكذا استطاعت عواد، وفي مدة قصيرة، لفت انتباه الناس لها، مستفيدة من مواقع التواصل الإجتماعي كمنصة عرض لأعمالها ومن ثمّ تطويرها لصفحة بيعٍ الكترونية.

عواد، خريجة ادارة الأعمال، لم يكن هدفها تحويل موهبة الرسم والتخطيط لديها إلى مردودٍ مادي. غير أنّ تجاوب الناس معها واقبالهم الجيّد نسبياً على هذه الأعمال الحرفية اليدوية، إلى جانب سعر المواد المرتفعة أحيانا، والوقت والجهد الكبيرين  للتنفيذ، عوامل شجعّتها لتنمية الفكرة وجعلها مورد رزقٍ لها.

موهبة عواد وغيرها في المجال عينه، تطرح السؤال حول مدى ثقة المواطنين بشراء هكذا بضاعة عبر التسوق الإلكتروني، وإلى أي مدى تلاقي القطع المشغولة يدويا رواجا وإقبالاً عند الناس، فضلاً عن أسعار البضاعة المنافسة لتلك الجاهزة في السوق.

 

المواطن بين الثقة والحذر

تشير أعداد المتابعين للصفحات الإلكترونية المروّجة للبضاعة المشغولة يديوياً كـ"الإكسسوار" والرسم والفنون على أنواعها، إلى أنّ الناس باتوا أكثر ثقة بهذا المجال لأنهم "أدركوا قيمة هذه البضاعة وبات باستطاعتهم اختيار المواصفات والألوان والأشكال التي يحبّون، وليس الإلتزام فقط بالمعروض بشكلٍ جاهز في المحال التجارية"، بحسب ما تؤكّد عواد.

إلّا أنّ البعض لا يزال حذرًا في تعاطيه مع "البضاعة اليدوية" المباعة الكترونيا، لأن الزبون، كما تشير عواد، "يخشى أن لا تشبه القطعة التي طلبها في الحقيقة تلك المعروضة بالصور، ولا مجال هنا لرفضها وعليه دفع ثمنها".

 

أسعار غير مغرية

يعاني العامل في مجال الأشغال اليدوية من تكلفة المواد الأولية العالية. في لبنان، لا تتوفر هذه المواد في كل المناطق، مما يزيد من صعوبة الأمر ويضطر الشخص للتنقل بين المحال المختلفة للحصول على "التشكيلة" التي يرغب بها. ويسجّل العاملون في هذا المجال عتبا كبيراً على المواطنين، الذين يرغبون في شراء بضاعتهم، لكنّهم يتراجعون عند معرفة الأسعار التي تكون غالباً مرتفعة، لكنهم يشيرون إلى وجود أشخاص آخرين يشجعونهم على الإستمرار في تطوير حرفهم ودعمهم مادياً ومعنوياً.

سوق افترضي

تشكّل صفحات مواقع التواصل الإجتماعي منصّةً جاهزةً لعرض هذه البضائع المشغولة في البيت في أغلب الأحيان. مما يوفّر على العامل تكاليف اضافية كإيجار المحال في السّوق أو الضرائب المفروضة على الباعة. كما تتيح الإتصال المباشر بين الزبون والتاجر، طارحا المواصفات التي يحب ويرغب في تنفيذها. وهذا ما بات يستقطب كل المواهب المخبّأة لدى الناس.

إلى جانب ذلك، يكسر بيع البضاعة عبر "الأونلاين" حاجز المنطقة الجغرافية وعامل الوقت بين التاجر والزبون. فبات بإمكان سكان طرابلس مثلًا طلب أي قطعة "اكسسوار" أو لوحة رسم أو صحن زجاجٍ مزغرف من بائعٍ يقطن في بيروت، والحصول عليه من خلال خدمة التوصيل مجّانًا أو بتكلفة زهيدة إلى كل المناطق اللبنانية عبر شركة "Aramex" أو عن طريقٍ خاص بالتاجر.

وفي زحام الصفحات الحقيقية والوهمية على موقعي "فايسبوك" وتطبيق الصور "انستغرام"، يلفت انتباه المتصفّح صور سبحات وأساور صنعت من الخرز الملوّن وبشكلٍ متناسق.

الشاب العشريني الخارج من سجن رومية منذ مدة، الذي رفض الكشف عن اسمه، يعرض صور بضاعته على صفحةٍ باسم وهمي. وهو الذي تعلّم هذه الحرفة داخل السجن، نمّى الموهبة بعد خروجه حتى صارت مصدر رزقه الأول. كما يعتب على دولته التي "لا تهتم بهذ الحرف وتعمل على تطويرها واحتضانها لتعكس بذلك ثقافة حياةٍ جميلة وتعزّز من اقتصاد لبنان بخروجها من الأسواق الإفتراضية على الإنترنت إلى أسواق لبنان المنافسة".

بعد أن صار الإنترنت جزءاً من حياة الناس في كل العالم، عرف البعض نقاط قوّته وايجابيته وعمل بشكلٍ جديّ للإستفادة منه. لكنّ هذه الفئة العاملة في مجال الحرف والفنون لا تزال تنتظر فرصاً أكبر لها لتنتشر في كلّ لبنان وتصل إلى أكبر عدد ممكنٍ من الجمهور ليستمرّوا في العمل وينتصروا على البطالة المتزايدة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.