"أولاد الجهل".. تجهلهم الدولة

 

محمد شرف الدين

يجلس بين أصدقائه، يستمع لتفاصيل رحلتهم الأخيرة الى احدى البلدان الاسيوية. تظهر على معالم وجهه حماسة لمعرفة أخبار مغامراتهم، لكنه من الداخل، يتحسر على ظروفه التي تمنعه التجول خارج حدود قريته الضيقة، خوفاً من عسكريّ على حاجز، قد يسأله عن أوراق ثبوتية.

لا داعي لذكر اسمه، فما حاجته للاسم من دون هوية او "شخصية" قانونية؟ أما ذنبه "الأكبر" الذي أرغمه على العيش في هذه الظروف، أنه ولد لام وأب على خلاف، ولم يسجله والده "نكاية" بالوالدة، فعاش سنين عمره مكتوم القيد، لا تعترف الدولة بوجوده.

ولعل حرية التنقل تعد من ابسط الصعوبات التي يواجهها هؤلاء. بغياب أوراق ثبوتية وشخصية قانونية، يكون مكتوم القيد محروماً من كل حقوقه التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية، وأولها الحق بالحصول على اسم وجنسية، والحق بالحفاظ عليها، إضافة إلى حرمانه من الطبابة، الضمان الاجتماعي، التعليم (حتى ولو سمحت مدرسة بتسجيل مكتوم القيد في صفوفها وفقاً لتعريف من المختار، لكنه لا يستطيع متابعة تحصيله العلمي والخضوع لامتحانات رسمية من دون أوراق ثبوتية)، وبالتالي لا يستطيع أن يحصل على عمل، ولا التملك، ولا الانتخاب.. ولا حتى الزواج الشرعي!

لا يُحرم مكتوم القيد من هويته نتيجة جريمة قام بها، بل نتيجة جريمة مورست بحقه، فإهمال الاهل، أو جهلهم، أو الفقر الذي يعيق التنقل من منطقة الى أخرى، التفكك الاسري والخلافات الزوجية.. كلها عوامل قد تحول دون تسجيل ولادة الطفل قبل بلوغه السنة من عمره، بعد ذلك، يستحيل تسجيله الا بقرار قضائي يتطلب اثبات نسب من المحاكم الشرعية أو الروحية، وتحليل الحمض النووي.

هكذا، يعيش مكتومو القيد من دون ما يثبت هوياتهم سوى "وثيقة تعريف" من مخاتير المناطق التي يسكنون فيها، يمكنهم استخدامها في بعض المجالات، الا أنها لا توازي مستنداً ثبوتياً ذو قيمة قانونية، ما يعرضهم للعقاب وللملاحقة من قبل القوى الأمنية لعدم حيازتهم على أوراق ثبوتية، مما يجعل حياته مليئة بالإحباط وبالخوف الدائم، ويضعه امام أساليب قد لا تكون دائماً شرعية لتحصيل رزقه، فضلاً عن المخاطر التي يواجهونها، لا سيما الأطفال منهم، كخطر الاستغلال أو الاغتصاب أو حتى الاتجار بهم، في ظل غياب أي وجود لهم في سجلات الدولة، ما يجردهم من تحصيل أي حقوق في حال تعرضهم للانتهاكات، لتصل حالة يأس البعض منهم الى الانتحار.. فما الفرق اذا لم يكن موجوداً أصلاً؟ّ!

بسبب غياب المعطيات في دولة تعجز عن إحصاء حاملي جنسيتها بشكل دقيق، لا تستطيع رئيسة "لجنة متابعة أوضاع الأطفال مكتومي القيد" المحامية أليس كيروز سليمان تحديد أعداد مكتومي القيد في لبنان، وتشرح أن الأرقام المتداولة كبيرة جداً، وأن "اللجنة تسعى للقيام بحملات توعية في مختلف المناطق بوجود أهالي أشخاص مكتومي القيد. وبمساعدة مراكز الخدمات الاجتماعية، يتم تقدير عدد مكتومي القيد في منطقة"، لافتةً النظر الى أن "مكتومي القيد يتوزعون على مختلف المناطق وليس فقط المناطق النائية، اذ أن الجهل وقلة معرفة الاهل ليست العوامل الوحيدة المسببة لهذه الظاهرة، بل أيضاً الخلافات الزوجية والتفكك الاسري".

هنا، تجدر الإشارة الى ان مكتومي القيد يمكن تصنيفهم على فئتين: اطفال لأهل لبنانيين لكنهم لم يقوموا بتسجيلهم قبل اتمامهم عمر السنة، وأطفال لأهل هم في الأصل مكتومو القيد أبا عن جد. فاذا كان القانون يعطي الحق لاطفال الفئة الأولى باسترجاع هويتهم بموجب قرار قضائي، فلماذا لا يتم استخدام هذا الحل؟ تجيب سليمان أن "الحل القضائي يتطلب فترات طويلة للبت فيها، بالإضافة الى فحوصات اثبات نسب وتحاليل حمض نووي وجلسات قضائية ومحامين.. والتي قد تكون مكلفة. هنا يأتي دور اللجنة التي تسعى لتخفيض فترات البت في القرارات القضائية وتخفيض تكاليفها قدر الإمكان"، مشيرةً الى أن اللجنة نجحت بالفعل في استرجاع هوية اثنين من مكتومي القيد حتى اليوم، "والاهم هو نشاطها في التوعية لحث الاهل على تسجيل أبنائهم قبل فوات الأوان".

وفيما تبقى مسألة الزواج المدني وتسجيله عالقة في وزارة الداخلية، تطرح التساؤلات حول مصير ولادات هذه العقود، فتؤكد سليمان أنه بوجود الاهل يمكن تسجيل الطفل بشكل طبيعي، لكن هل تعترف الدولة بشرعيته؟ هذا موضوع اخر. لكن الحل هو بقانون أحوال شخصية مدني، أو اختياري، المهم أن يؤمن العدالة والمساواة".

تتعاون اللجنة في نشاطاتها مع وزارات الشؤون الاجتماعية، الصحة، التربية، العدل، الاعلام والداخلية، ونقابات الأطباء والمحامين والقابلات القانونيات والمخاتير، وتشير سليمان الى أن الحملة تستهدف فقط اللبنانيين ولا تشمل الأطفال السوريين والفلسطينيين. ومن الناحية القضائية، تعمل اللجنة على إدخال تعديلات في قانون قيد وثائق الأحوال الشخصية الصادر عام 1951. أبرز التعديلات المطلوبة هي اعتبار الطفل مكتوم القيد طفلاً معرضاً للخطر، وبالتالي يصبح قاضي الاحداث بمثابة الحامي لهؤلاء الأطفال، وله صلاحية تقديم طلب تسجيلهم. كذلك تقترح اللجنة إضافة فقرة على المادة 501 من قانون العقوبات المتعلقة بإهمال الواجبات العائلية، بحيث يعد اهمال الأهل تسجيل المولود جرماً جزائياً يعاقب عليه القانون.

(شارك هذا المقال)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.