"تبييض" السجلّ العدلي شرط للتوظيف.. لا للسياسة!

محمد شرف الدين

فشل سامي في مشروعه التجاري الصغير فوقع في الدين. لم يجد حلاً لـ"اسكات" الدائنين سوى تحرير "شيكات" مؤجلة ومن دون رصيد، فدخل السجن. بعد ذلك خرج سامي من السجن إلى التخبّط، ليدفع ثمن طموحه ثلاث مرات: خسارة أمواله في المشروع التجاري، السجن، ثم العقاب الاجتماعي بعد السجن.

لم يتمكن سامي من الحصول على وظيفة بالشهادة الجامعية في إدارة الأعمال التي يحملها. الشركات الخاصة تطلب سجلاً عدلياً من ضمن المستندات التي يفترض أن يضمّها ملف تقديم طلب التوظيف. بينما سجله العدلي "ملطخ".

لا قانون يفرض على الشركات اشتراط السجل العدلي للموظفين، لكن بعض الشركات تطلب السجل العدلي من باب "الأمان".

في انتظار مرور السنوات الثلاث التي تسمح له برد اعتباره، يكسب سامي رزقه من العمل في أحد محلات بيع الحلويات، على الرغم من أنه يحمل شهادة جامعية في ادارة الاعمال.

بينما سامي يعد الأيام لـ"تنظيف" سجله العدلي من جريمة شيك من دون رصيد بسبب مغامرته الفاشلة تجارياً، هناك شخص أخر دخل السجن في قضية اختلاس أموال، قضى محكوميته وانتظر بعدها ثلاث سنوات ثم قام بـ"تنظيف" سجله، وفاز بمنصب سياسي لايزال يشغله حتى اليوم.

هي الآلية نفسها التي حددها المرسوم 4385 الصادر عن العام 1972، تحت عنوان "تنظيم السجل المدني"، والذي حدد بموجبه آلية "رد الاعتبار"، والذي عرف السجل العدلي بأنه "وثيقة تثبت وجود أو عدم وجود أحكام جزائية مبرمة، أو أحكام إعلان الإفلاس أو حكم غيابي بجناية"، وهناك نوعان من السجلات: الأزرق، الذي يُعطى بناءً على طلب المواطن، والأصفر الذي يطلبه القضاء حصراً. أما عن كيفية "تبييض" السجل، يوضح المحامي كامل صفا في حديثه لـ"الرقيب" أن ذلك يتم من خلال تقديم طلب "رد اعتبار" لدى "المحكمة الاتهامية"، مرفقاً بصورة عن الحكم وافادة من المحكمة أن مقدم الطلب نفذ الحكم، بالاضافة الى افادة حسن سلوك من المختار والسجل العدلي نفسه، على أن يكون مر ثلاث سنوات على تنفيذ العقوبة في حالة ارتكاب جنحة، وبين خمس وسبع سنوات في حال ارتكاب جناية (خمس سنوات عند دفع غرامة، وسبع سنوات عند السجن على الا تتعدى الفترة ضعفي مدة الحكم)، علماً أن الاحكام التي تشطب عن السجل الازرق تبقى مدونة على السجل الاصفر.

ويوضح صفا ان ما يدون على السجل العدلي لا يقتصر على الجرائم الكبرى، بل قد يكون أمراً عادياً، أو سخيفاً أحياناً، من الامور التي يواجهها المواطن بشكل يومي، كالمخالفات والغرامات، بالاضافة الى الجنح والجنايات، حتى أن بعض مخالفات السير التي تصل عقوبتها الى السجن مدة ثلاثة أشهر بموجب قانون السير الجديد، وبالتالي تعتبر جنحة، تدون على السجل، كذلك قضايا القدح والذم التي يدفع الجاني بموجبها غرامة مالية.

هنا، تظهر اشكالية هذا القانون وتبرز الحاجة الى اعادة النظر فيه لما قد ينطوي عليه من ظلم في بعض الحالات، يينما تحصل حالات أخرى عليه كـ"مكافأة"، فيؤكد صفا على ضرورة خفض مدة "اعادة الاعتبار"، اذ ان الفترة المحددة بموجب المرسوم تؤدي الى "اعاقة حركة" الشخص فترة طويلة، وبالتالي وقوع ضرر عليه، خصوصاً في القضايا البسيطة المتعلقة بالاموال او القدح والذم وغيرها، فيمنعه سجله "الملطخ" من التقدم الى وظيفة رسمية أو اتمام معاملة ادارية كالحصول على رخصة سوق أو سحب قرض من "البنك"،  بينما في المقابل توجد حالات يقع فيها الضرر على الشأن العام وسلامة المجتمع، كقضايا السرقة والمخدرات والاغتصاب وغيرها، هذه الحالات تتطلب آلية أكثر تشدداً من غيرها فلا يجوز اخفاء التاريخ الجرمي لهؤلاء الاشخاص لما في ذلك من ضرر على الاكثرية من المواطنين.

وإذا كان لابد من من تطبيق الانتقائية في مسألة "اعادة الاعتبار"، لا بد من استحداث هيئة قضائية مهمتها دراسة كل حالة على حدة لتحديد مدى استفادتها من هذا القانون، لكن قبل ذلك يجب تطبيق آليات اعادة التأهيل ودمج السجناء في المجتمع، بعد اتمامه فترة محكوميته، والاهم هو توفير البيئة المناسبة في السجون التي تسمح للمسجون بالخروج "تائباً" لا مكتسباً مهارات جرمية لم يمتلكها من قبل، فلا يتم دمج مسجون بتهمة تزوير مثلاً في نفس الزنزانة مع تاجر مخدرات.

وبما أن منظومة القوانين الجزائية وأوضاع السجون بأكملها بحاجة الى اعادة نظر، فإن "التائب" لا يستطيع الا أن ينتظر انقضاء السنوات الطويلة لاعادة اعتباره، أو الموت، فتسقط تلقائياً في هذه الحالة كل الاحكام عن سجله العدلي، وذلك بحسب المادة 12 من مرسوم تنظيم السجل العدلي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.