حسابات الطوائف تستأصل "أكباد" اللبنانيات

رين بريدي

منذ زمن، تطالب المرأة بحقوقها، وتسعى جاهدةً لتنالها نتيجة الإجحاف الّذي لحق بها، وذلك بإعطاء الرجل كل الحقوق إجتماعياً، سياسياً… وحرمانها هي منها. وقد عملت المنظمات الدولية والمحليّة على نصّ ما يضمن حقوق المرأة، ولكن التنفيذ بقي حبراَ على ورق. لطالما كان حق منح المرأة جنسيتها لأطفالها في طليعة هذه الحقوق، ولكن رغم سعي الجمعيّات لتعديل القانون ماتزال السلطة اللّبنانيّة تتخبّط بين مناصر ومعارض لهذا المطلب.

 

الدّستور اللّبناني والجنسيّة

مرّ 92 عاماً على صدور قانون الجنسيّة اللّبناني، الّذي ينصّ على: "يُعد لبنانيّاً كلّ شخص مولود من أب لبناني"، حيث تمّ حصر الموضوع بالرّجل وحرمان المرأة من حقّ إعطاء الجنسيّة إلى زوجها أو أولادها بحجّة أنّ ذلك يحدث خللاً في التّوازن الدّيموغرافي وتغييراً في مسار الحياة السّياسيّة اللّبنانيّة، كما أشار الدّكتور في القانون أرز لبكي لـ"الرّقيب". وعلى الرغم من مرور الزّمن ما زال الوضع على حاله، إذ لا تعديل يواكب التّطوّر، متناسين أنّ المرأة نصف المجتمع ومن حقّها أن تعامل بالتّساوي مع الرّجل من حيث المواطنة.

وتعتبر منسّقة جمعية "جنسيتي حق لي ولأسرتي" كريمة شبّو، أنّ "الدستور قد نصّ على أنّ المواطنين سواسية بغض النظر عن الجنس، وبما أنّ المرأة مواطنة تتنفس هواء لبنان، وتنعم بالدفء تحت سمائه، فلها نفس حقوق الرجل ويترتّب عليها نفس الواجبات التي تترتّب عليه".

 

الطّائفة السّنية.. تسونامي

إرتبط موضوع منح المرأة الجنسيّة لعائلتها ارتباطاً وثيقاً باللّاجئين الفلسطينيين، حيث يعتبرالدكتور لبكي أن المتحفّظين على هذا الموضوع اعتبروا أنّ شريحة من اللاجئين الفلسطينيين قد تستغل المرأة اللبنانية للحصول على الجنسية، وهذا الأمر لا يتناسب مع البنية الطائفية والسياسية في لبنان، حيث أن تجنيس الفلسطينيين سيضاعف أعداد الطائفة السنّية على حساب الطوائف الأخرى.. إضافة إلى أن التجنيس سيؤثر بشكل مباشر على عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم المحتلة".

وممّا زاد الطّين بلّة اللجوء السوري الذي أكد مخاوف هؤلاء المتحفّظين، إذ إنّ الطفل الّذي سيولد من أب سوري وأم لبنانية سيكون إذا مُنح الجنسية لبنانيّاً في الهويّة ولكنّ ولاءه في الواقع هو لسوريا.

وفي هذا السّياق ترى شبّو أنّ "هذه الحجج واهية، لأنّها أساساً غير منطقية ولا حتى قانونية"، معتبرةً أنّ "هذا المطلب لا علاقة له بطائفة، ولا نستطيع أن نقيّم الإنسان بالأرقام بل على معايير إنسانيّة بحتة".

 

حافلات التّجنيس العشوائي

وقّع رئيس الجمهورية اللبنانية الراحل إلياس الهرواي على مرسوم التجنيس المطعون به رقم  5247، في العام 1994 والّذي أعطى الجنسيّة لكثير من غير مستحقّيها من السّوريين، وذلك أيّام الوصاية السّورية في لبنان، وقد أظهرالدكتور لبكي أنّ ذلك كان "بغية كسر المقاطعة في الإنتخابات النيابية التي كانت تجري آنذاك، ممّا أدى إلى انخفاض نسبة المقاطعة في العديد من المناطق اللبنانيّة". يضيف لبكي أنّه "لم يكن المنتخبون لبنانيّو الإنتماء بل أداة استُخدمت فقط لتحقيق أهداف سياسيّة، فقد أُحضروا بالحافلات التي تحمل لوحات غير لبنانيّة، فقط لتغيير المعادلة السياسية السائدة وقتها، من دون أن يكون لديهم شعور بالمواطنة والولاء للبنان. ثمّ أُعيدوا إلى مناطقهم مؤثّرين بذلك على الإرادة التمثيليّة للشعب اللبناني من دون أي وجه حق".

وطبعاً، هذا الأمر يزيد من مخاوف أولئك المتحفّظين، كما لعب دوراً أساسياً في تهميش فكرة إعطاء المرأة حق منح الجنسية لأولادها.

تشير شبّو إلى أنّ "لا علاقة للمرأة بحسابات السياسيين الإنتخابية والخوف على الكراسي، وبالرغم من إشعالهم للخلافات الطائفية لأهدافٍ إنتخابية، فإنّ النساء توحدن من كافة الطوائف والمناطق على السّير قدماً لتحقيق أهدافهن".

 

تحرير إرادة المرأة وقانون التّجنيس

لتحرير إرادة المرأة الدّور الأساس في حصولها على حقوقها. فقد غفل عن بال  البعض أنّ مسألة الجنسيّة لها أبعاد قانونية أخرى يجب الإحاطة بها، ومنها مسألة رفع سن الزواج الّذي طالبت به الجمعيات المدافعة عن حقوق المرأة، ولاقى موجة رفض من قبل العديد من الطوائف. يرى الدكتور لبكي أنّ "رفع سن الزّواج إلى 18 سنة يحمي المرأة من العديد من المخاطر- الزّيجات المدبّرة الّتي تتمّ من دون موافقة الفتاة أو حتّى إستشارتها، وذلك مقابل مبالغ ماليّة وخاصّةً في المناطق الفقيرة على مبدأ: إدفع وحمِّل- إذ تصبح الفتاة واعية، وصاحبة القرار حول مصيرها، بالتّالي يصعب على أحد استغلالها لأجل أهداف خبيثة". كما يعتبر لبكي أنّ "قانوني رفع سن الزواج ومنح المرأة حق إعطاء الجنسيّة متلازمان، لأنهما معاً يؤمّنان حماية المرأة من مخاطر الإستغلال، ويسمحان لها أخيراً أن تتمتّع بحقوقها الكاملة كإنسان".

 

عقل المرأة.. "بيوزن بلد"

كثيرةٌ هي الإتهامات التي توجّه إلى المرأة، ومن بينها أن "عقلها صغير" وتعتبر أنّها لا شيء بلا رجل من باب "الرّجّال رحمة ولو كان فحمة"!

وهنا ترى شبّو أنّ في هذه الإتّهامات إساءة لإنسانيّة المرأة، موضّحةً أنّها تحقّق أعلى الدّرجات علميّاً بدليل تفوّقها في الشّهادات الرّسميّة وغيرها.. إضافةً إلى أنّها أصبحت تحتلّ الوظائف العليا الّتي تخوّلها إتّخاذ أهمّ القرارات، فكيف لهذه المرأة أن تكون بـ"نصّ عقل"؟!

كذلك أشارت شبّو إلى أنّ "وعي المرأة وذكاءها يتجلّيان في إرتفاع نسبة العنوسة، حيث أنها لا تسعى وراء الزواج لذاته، بل إنّها تُحسن الإختيار، وهدفها الأساسيّ هو تحقيق ذاتها وطموحاتها".

في الواقع، المرأة غير مضطرّة لإظهار قدراتها للحصول على أدنى حقوقها، بل يجب أن يكون ذلك تلقائيّاً، باعتبارها مواطنة لبنانيّة!

 

 

 

 

 

(شارك هذا المقال)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.