"إسكان الشباب": "مرقد عنزة".. أم استثمار انتخابي؟

نغم أسعد

"نيال اللي عندو مرقد عنزة بلبنان". لكن "المرقد" غلا سعره و"العنزة" طارت. ولا تنطبق أغنية لطيفة من كلمات زياد الرحباني "أمّن لي بيت مطرح منّك ساكن" على العديد من الأشخاص الراغبين في شراء بيوت في لبنان اليوم. فشقق لبنان وعقاراته ليست لموظفيه، وتحديداً فئة الشباب الذي يُعاني أصلاً من بطالة مُزمنة ترتفع يومياً. فالقدرة الشرائية للشباب اللبناني لا تزال بعيدة من الأسعار العالمية للنفط أو تقلّبات اليورو والدولار، ناهيك عن عدم تناسق ملحوظ بين الحد الأدنى للأجور وأسعار العقارات التي أصبحت تدور في فلك "الخيال"، وأصبحت "المعجزة"، أو "اللوتو"، الوسيلة الأمثل لشراء منزل.

قد لا يكون اقتراح قانون إسكان الشباب اللبناني الذي قدّمه النائب سيمون أبي رميا، مؤخراً، الأول من نوعه في لبنان، فقد سبقته مشاريع عديدة من بين أبرزها قروض "المؤسسة العامة للإسكان" التي شكّلت في مرحلة سابقة حلاً جزئياً، إلا أنها لم تعد مناسبة مع الارتفاع الكبير لأسعار العقارات خلال السنوات العشر الماضية. وإذا كان يُحسب للعهد "نواياه الطيبة" في إحياء فكرة تأمين مساكن لذوي الدخل المحدود لكن شتّان ما بين "النوايا الطيبة" والوقائع.

"معجزة" التملّك السكني

حاول فؤاد مراراً التقدّم بطلب إسكان، لكن طلبه قوبل بالرفض لأن راتبه الشهري لا يتناسب مع شروط "المؤسسة العامّة للإسكان"، ولا مع الأسعار المرتفعة للشقق التي لا تتناسب مع معدل المرتبات بعدما حدّدت الدولة الحد الأدنى للأجور ما يوازي 550 دولاراً أميركياً والذي لا يكفي لسداد قسط واحد من قيمة القرض السكني. ولجأ فؤاد إلى مكتب مقاولات يعتمد على "التقسيط المريح" من دون اللجوء الى المصارف، فهذه المكاتب، ونظراً لقلّة الطلب، عمدت الى "التقسيط" بهدف إنعاش السوق وبيع الوحدات السكنية التي لم تعد تجد من يشتريها.

تختلف أسعار الشقق في لبنان، باختلاف مكانها، ولكن أسعارها تبدأ في أفضل الأحوال من 100 ألف دولار أميركي. وبعملية حسابية بسيطة، فإن الموظف يحتاج إلى نحو 30 سنة لسداد سعر الشقة، ما يعني أنه سيتمكن من امتلاك منزل بسيط عند وصوله لعمر الـ53، ما يمثل "كارثة" على المستوى الاجتماعي والاقتصادي اللبناني. وبما ان "المؤسسة العامة للإسكان" تشترط أن تكون الدفعة الشهرية نحو ثلث الراتب، بعد الحسومات المرتبطة بالتعليم أو أي دفعات شهرية أو سنوية ثابتة. وإذا افترضنا أن الراتب الشهري الصافي، بعد الحسومات، هو بحدود 900 دولار أميركي، اذاً نحن أمام دفعة شهرية تبلغ 300 دولار (بالنسبة لشقّة سعرها 100 ألف دولار)، ما يعني أنه من دون الفوائد التي يفرضها المصرف على المقترض، سيُسدّد الموظّف سعر الشقة بعد نحو 28 سنة، أما مع الفوائد فإن تسديد القرض يحتاج إلى نحو 45 سنة تقريباً، يعني أن الشاب الذي يحصل على قرض سكني اليوم في عمر الـ25 سنة سيتمكن من تسديد القرض وتملّك المنزل في عمر 65 سنة، اي بعد بلوغه السن القانونية للعمل وإحالته إلى التقاعد أو الصرف!

بين الدولة والقطاع الخاصّ

وفي ظلّ معاناة اللبنانيين بشكل عامّ والشباب بشكل خاصّ من صعوبات في إيجاد مسكن يؤيهم في ظلّ ارتفاع أسعار، قدّم النائب سيمون أبي رميا اقتراح قانون إسكان الشباب اللبناني الموجّه بشكل خاص إلى الشباب بين عمر 21 و35 سنة، على أن لا يتجاوز مجموع مداخيل المستفيد خمسة أضعاف الحدّ الأدنى الرسمي للأجور. ويشرح هاني عماد رئيس جمعية "الطاقات الشبابية للتنمية"، التي أعدّت المشروع بناء على طلب أبي رميا، لـ"الرقيب" أن المشروع يقوم على "بناء الحكومة اللبنانية مدينة سكنية مُخصّصة للشباب على أراضٍ مملوكة من الدولة في كل محافظة في المرحلة الأولى، وفي كل قضاء في المرحلة الثانية، على أن تُنشئ الحكومة أول مدينة سكنية خلال ثلاث سنوات من تاريخ صدور هذا القانون".

ويضيف عماد أن القانون "يطال أيضاً القطاع الخاصّ بحيث تُعطي الدولة رخصة للشركات الاسكانية الخاصّة ببناء طابق إضافي يُخصّص حصراً لإسكان الشباب بحيث تُباع الشقق في هذا الطابق بسعر التكلفة في مقابل حصولها (الشركات الاسكانية) على قروض مصرفية بفائدة مخفّضة تبلغ 1.628 في المئة".

ويشرح عماد أنه سيجري استحداث "الحساب الوطني لإسكان الشباب لدى مصرف لبنان، وتُخصّص أمواله لتطبيق أحكام هذا القانون لمصلحة المؤسسة العام للإسكان على أن تُحدّد دقائق تطبيق هذه المادة بمرسوم يُتّخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزيري المالية والشؤون الاجتماعية".

يُموَّل "الحساب الوطني لإسكان الشباب" من الاعتمادات المرصودة له في الموازنة ومن التبرّعات والهبات التي يُوافق عليها مجلس الوزراء، ومن أي مصدر آخر تنصّ عليه القوانين المرعيّة. كما سيُباع القسم المُخصّص لإسكان الشباب بسعر الكلفة فقط من دون إضافة أي زيادة أو ربح على الوحدة السكنية.

وتُمنح القروض الإسكانية الشبابية بالليرة اللبنانية بواسطة أحد المصارف اللبنانية أو "المؤسسة العامة للإسكان" وتُحدّد قيمة القرض الممكن الحصول عليه بالإستناد الى: الراتب الشهري للمقترض ومدة الإقتراض و100% من قيمة عقد البيع، و100% من تخمين المسكن، بحيث يعتمد المبلغ الأدنى بين حاصل كل من هذه القيم الثلاث. ويتم تسديد القرض عبر أقساط شهرية يوازي كل منها 33 في المئة من راتب المقترض كحد أقصى خلال مدة لا يمكن أن تتجاوز الثلاثين عاماً وبفائدة لا يمكن أن تتخطى الـ 1.628 في المئة. ويُعفى المستفيدون من أحكام هذا القانون من رسوم تسجيل الوحدات السكنية لدى الدوائر العقارية ومن سائر الإعفاءات الخاصّة بالمستفيدين الواردة في القانون رقم 539 تاريخ 24-7-1996 (إنشاء المؤسسة العامة للإسكان).

"تشاؤل" اقتصادي

يُجمع الخبيران الاقتصاديان كمال حمدان ومروان إسكندر في حديث لـ"الرقيب" على أن في اقتراح القانون "شوائب اقتصادية كبيرة". وإذا كان حمدان يضعه في خانة "النوايا الطيبة"، فإن إسكندر يعتبره مُحاولة "اكتساب تعاطف لمنهجية التيار الوطني الحرّ ويصبّ في خانة العلاقات السياسية العامّة، ومحاولة استثمار سياسية على أبواب الانتخابات". ويعتبر إسكندر أن المشروع يحتاج الى موارد مالية غير متوفّرة حالياً لدى الدولة "وكأنها تبحث عن موارد من جيبة فاضية".

وعلى الرغم من أن حمدان يرى في مشروع القانون "محاولة لملء فراغ دور الدولة التي ادعت منذ أربعين سنة أنها تُريد القيام بهذه الخطوة، حتى أنه جرى استحداث وزارة للإسكان ذهبت أدراج الرياح"، لكنّه يُشكّك في كيفية تمويل "الحساب الوطني لإسكان الشباب" لأن "الموازنة في حالة عجز والعجز العامّ في تزايد"، مشيراً إلى مخاطر أن يتحوّل المشروع إلى "منطق السوق"  بمعنى "تقاسم حصص"، نتيجة "شكوك حول فعالية الأداء العام للنشاط الاقتصادي، واستشراء العلاقات الطائفية والزبائنية على مستوى السلطة السياسية".

ويدعو حمدان إلى تعزيز "معايير أحقية المتقدّمين للحصول على القروض، والذين يجب حصرهم في الذين لا يملكون منزلاً، خصوصاً وأن معظم البنود ستُقرّر في مراسيم تطبيقية صادرة عن وزارات وعن مجلس الوزراء ذو التركيبة الكونفدرالية والكتل السياسية التي تعمل وفق مبدأ حكّلي تحكّلك". كما يُشكّك حمدان في وجود "برجوازيين قديسين مستعدّين لتمويل جزء من هذا المشروع من حسابهم الخاصّ".

 

المؤسسة العامة للإسكان

تقدّم المؤسسة العامة للإسكان قروضاً إسكانيّة طويلة الأمد بالليرة اللبنانيّة، وتغطّي مشاريع بناء سكن أو إعادة تأهيل شقّة أو امتلاك منزل، مع العلم أن المدّة المسموحة لقرض شراء سكن تتراوح بين 10 سنوات كحدّ أدنى و30 سنة كحدّ أقصى. وتنقسم المدّة المختارة إلى مرحلتين:

  • مرحلة أولى يتم فيها دفع مبلغ القرض الأساسي إلى المصرف الخاص من دون الفائدة ومن خلال أقساط شهريّة متساوية.
  • مرحلة ثانية يتمّ فيها دفع فائدة القرض إلى المؤسسة العامة للإسكان.

ويتم تثبيت معدّل الفائدة لمدّة سنتين ومراجعته حسب تقلّبات سعر الفائدة على سندات الخزينة من فئة سنتين في الليرة اللبنانيّة، زائد نسبة 3.5 في المئة.

حالياً يبلغ معدّل الفائدة على قرض الإسكان من المؤسسة العامة للإسكان 4.67%. الدفعة الأولى تبلغ نسبتها 10% من قيمة القرض، أما فرق سعر الفائدة على سندات الخزينة فيتمّ تغييره كلّ سنتين.

ويتمّ إعفاء المتقدّم بالطلب من تكاليف التسجيل (5,7%) وضمان قرض (1,1%) وتكاليف الطوابع. كما يطلب المصرف تكاليف ملفّ 1%، مع العلم أن القرض يشمل التأمين على الحياة والتأمين على العقار ضدّ الحريق.

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.