"التيار" – "القوات": الحسابات تستفيق.. و"النكايات" أيضاً

** خضر طالب **

انتهت مرحلة "العشق" الذي هبط بـ "الباراشوت" بين الرابية ومعراب. خَفَتَت بهجة "العرس" الذي بدأت ليلته في معراب وانتهت في بعبدا.

ببساطة، لم يستطع جمهور "التيار الوطني الحر" وجمهور "القوات اللبنانية" القفز فوق جروح الماضي العميقة. وبالرغم من أن وزير "المردة" أزال المطبّات عن الطرقات في كثير من المناطق، إلا أن المطبات بين الرابية ومعراب ما تزال قائمة، بل ويزداد عددها وارتفاعها تبعاً للعناوين والمحطات السياسية.

صحيح أن هناك محاولات حثيثة لتخفيف حدّة الاشتباك بين العونيين والقواتيين، لكن الوقائع تجزم أن النار ما تزال تحت الرماد.

لم تبدأ الخلافات بين الطرفين من ذكرى مصالحة الجبل. ما حصل في احتفالات ذكرى مصالحة الجبل جاء في سياق تطور مستمر للعناوين الخلافية بين الطرفين على مستوى القيادة، وللتوتّر المتصاعد بين الجمهورين على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي التي استعادت لغة العداوة بسرعة قياسية، وهو ما يؤشر على حجم الاحتقان في الشارعين.

عندما "بايع" سمير جعجع العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، كان يعتقد أن تلك "المبايعة" ستؤمّن له "حصة" جيدة من "مغانم السلطة"، خصوصاً أن البداية أثمرت إقصاءً عن تلك السلطة لـ"الحزب الغريم"، حزب "الكتائب اللبنانية" الذي يحاول "سلب" الجمهور المسيحي عبر "لعبة المعارضة" التي يبدو انه يتقنها جيداً.

حاول جعجع الالتفاف على "التيار" من خلال ممارسة "النكاية" و"الزكزكة" السياسية بمحاولة الانفتاح على "الخصم الجديد" لـ"التيار الوطني"، رئيس "المردة" سليمان فرنجية الذي لم يمانع "لعبة جعجع" بإثارة جبران باسيل "لإيقاظه من الغرق في حبّ القوات" وخسارة العلاقة مع "المردة".

العونيون وصلتهم الرسالة، وفهموا أن علاقة فرنجية وجعجع "غير الطبيعية" هدفها استدراج "التيار الوطني الحر" وابتزازه انتخابياً. هم يعرفون أن هامش "الطمع" الانتخابي عند فرنجية ضيّق، بينما سقف مطالب جعجع الانتخابية سيؤدي حتماً إلى أحد أمرين: إما "استسلام" العونيين لمطالب جعجع والتنازل عن مقاعد نيابية بالجملة والمفرّق، وإما الاصطدام المباشر مع "القوات اللبنانية"، وبالتالي احتمال صياغة "القوات" لتحالفات موضعية في كل دائرة من خصوم "التيار" الذين توسّعت دائرتهم لتشمل العائلات الكبرى في الشارع المسيحي، لمواجهة حالة "التيار الوطني الحر" في التمثيل المسيحي.

انقسم العونيون بين مهلّل ومحتفل بهذا "الانتصار" المتمثّل بعودة الصراع مع "القوات اللبنانية"، وبين متشدّد يتحيّن الفرص لتطويع جعجع و"القوات"، وبين طرف ثالث كان يتوجّس من "التصاق" جعجع بالرئيس عون لمحاولة "سرقة" الجمهور العوني غداً بعد أن يكون قد كسب ودّه اليوم.

بدأ العونيون مراجعة حساباتهم: ماذا ربحنا من العلاقة مع القوات.. وماذا خسرنا؟

يعترف العونيون أن موقف جعجع في انتخابات الرئاسة ساهم في تذليل العقبات أمام وصول زعيمهم إلى بعبدا. ويعترف العونيون أن المصالحة مع "القوات" كانت لها آثار إيجابية في الشارع المسيحي. لكن العونيين يعتقدون أن موقف جعجع في انتخابات الرئاسة جاء كنتيجة طبيعية لمسار الأمور، وأن جعجع سار مع التيار في ملف الرئاسة وكان يحسب أنه سيكون "رئيس الظل" وأنه سيكون شريكاً للرئيس عون في الحكم بصفة "نائب رئيس"!

يسرد العونيون مجموعة كبيرة من الملاحظات على جعجع و"القوات"، من بينها أسئلة تتعلّق بالقنوات التي فتحها جعجع مع الذين خاصمهم العونيون بسبب العلاقة مع "القوات". ومن بين تلك الملاحظات أيضاً ما يتعلّق بالخدمات التي تقدّمها "القوات" في الوزارات التي يتولاها وزراؤها والتي تحصر المستفيدين منها بالقواتيين. الخلافات حول التعيينات يكبر حجرها حتى مع الوزير الذي كان أحد عرّابي العلاقة بين الرابية وبعبدا. المعلومات التي تتعمّد "القوات" تسريبها حول الترشيحات للانتخابات النيابية وحصة "القوات" والتي تحاول استباق "التيار الوطني الحر" في عدد من المقاعد… وغير ذلك الكثير من الملاحظات التي تؤكّد أن "دملة" العلاقة مع "القوات" تكاد تنفجر من الاحتقان.

في المقابل، تعتقد "القوات" أنها لم تنل من "شرف التضحية" التي قدّمها جعجع في الرئاسة إلا "العواطف"، وأما المواقع الوزارية فهي "من حق القوات، باعتبارها كتلة سياسية ونيابية وازنة في البلد".

يسرد "القواتيون كثيراً من الملاحظات تذهب في معظمها إلى "تفرّد" الوزير جبران باسيل بالقرارات.. وبالسلطة وحصة المسيحيين فيها. يحاول القواتيون تحييد الرئيس ميشال عون وعدم توجيه أي انتقاد له. المشكلة بنظرهم هي مع جبران باسيل.. ولكن، هل نجحت "القوات" في فك الارتباط بين رئيس الجمهورية وبين رئيس "التيار الوطني الحر"؟.. هنا تكمن مآخذ لا يتحدّث عنها القواتيون، هم كانوا يعتقدون أنهم "الوريث المنطقي" للزعامة المسيحية التي كان يمثّلها الرئيس عون، فإذا بهم يصطدمون بـ"الوريث الطبيعي" لتلك الزعامة، بل ويسخّر ذلك الوريث كل أمكن من المفاتيح لتسهيل "الانتقال السلس" للزعامة المسيحية إلى تحت عباءته.. حتى أن باسيل "مدّ يده" إلى "المفاتيح القواتية" وسخّرها لخدمة مشروع زعامته! صار جبران باسيل يستثمر في مفاصل الدولة كلها، لا فرق إذا كان هذا المفصل في رقبة العونيين أو في يد "المستقبل" أو في ظهر "القوات"!

يعتقد القواتيون أن باسيل يستخدم وجودهم وشارعهم وحضورهم… لخدمة وراثته الزعامة والرئاسة، بينما كان يفترض أن تكون "القوات" هي الطرف المستفيد والذي يجب أن "يقبض" ثمن "الموقف التاريخي". لا يرى القواتيون أنهم استفادوا من "التفاهم" مع العونيين، لكن هل ذلك يعني عودة الصراع والمنافسة؟

إلى أين يمكن لـ"القوات اللبنانية" المغامرة في العودة إلى زمن الخصومة مع "التيار الوطني الحر"؟

الأرجح أن سمير جعجع سيحسبها بشكل جيد:

ـ الخصومة مع جبران باسيل تعني الخصومة مع رئيس الجمهورية وتعني الاختلاف مع العهد.

ـ المكاسب السياسية التي تحقّقها "القوات" عبر السير خلف جبران باسيل، وبالتالي العهد، لا يمكن أن تحققها من أي موقع آخر، وقد جرّبت مقاعد المعارضة سابقاً ولم تكسب منها شيئاً سوى التفرّج على توزيع مغانم السلطة بين منافسيها.

ـ لا تستطيع "القوات" اليوم تحمّل أوزار عودة الانقسام المسيحي، وهي التي حصدت مكاسب جيّدة من "مبايعتها" للرئيس ميشال عون، وهيأت لنفسها موقعاً جيداً للمنافسة على إرث العماد عون بعد أن كانت في موقع ضعيف في تلك المنافسة. صحيح أن جبران باسيل يقطع الماء والهواء و"يقمع" كل "مشروع وريث"، لكن جعجع يراهن على الزمن وعلى أخطاء باسيل لعلّها تهيئ له ثغرة في باب الفرج ولا يدخل في دائرة الياس التي قد تؤدي إلى خسائر بالجملة.

من هنا، فإن سمير جعجع سيسارع إلى ترميم العلاقة مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في انتظار التوقيت الذي يسمح له بالانقضاض على "التيار الوطني الحر" لأخذ جمهوره تحت عباءة "القوات" كوريث لحالة العماد عون.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.