العاطلون عن العمل والأمل.. من بيروت إلى نيويورك

* نورما أبو زيد *

لبنان والفساد توأمان متصلان ومتلاصقان ولا ينفصلان، لأنّ الفساد اللبناني "مهنة سياسية"، وله دولة تحميه، والدولة اللبنانية أساساً ليست سوى إدارة لهذا الفساد، و"حزب الفساد" هو الحزب الوحيد الذي يجمع بين أهل السلطة، ويتخطى الشيع والطوائف والمذاهب اللبنانية، ولذلك نستطيع أن "نفاخر" بأنّ لبنان "عريق" بفساده، وبعض التاريخ مفيد للتذكير بهذه "العراقة":

السر اللبناني الذائع الصيت يقول إنّ الفساد في لبنان عمره من عمر الاستقلال، والرئيس بشارة الخوري الذي هو أوّل رئيس للبنان بعد الاستقلال، عُرف عهده بـ"عهد السلطان سليم"، نسبة إلى شقيقه سليم الخوري الذي كان يتصرّف بالمال العام كأنّ الدولة ملكية خاصة.

بعد بشارة الخوري الذي أُخرج من السلطة على وقع فساده، وعد الرئيس كميل شمعون بمكافحة الفساد، فكان عهده مشبعاً بالفساد، وكرّت سبحة الفاسدين من بعدهما، حتى استبدل الشعب اللبناني  مقولة "بيفل الشبعان وبيجي الجوعان" بمقولة "بيفل الجوعان وبيجي الجوعان أكتر منّو".

لم يكن الفساد في زمن بشارة الخوري وكميل شمعون منظّماً وعميقاً ومعمّماً، ولكنّه نما منذ ذلك الحين، وتحوّل من عهد إلى عهد، إلى فساد منظّم ومعمّم وعميق، وأثمر "نخباً" فاسدة، تتوارث السلطة أباً عن جد، وتكبّل البلد بالعجز، والفساد الذي كان محاطاً ببعض الكتمان في حينها، بات أمره معلناً في حيننا، ويُنشر في الجريدة الرسمية "وعلى عينك يا مواطن".

نصف مليار ليرة لبنانية دفعنا لـ "يتشرّف" رئيس حكومتنا بلقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويستمع إلى إملاءاته، والمبلغ نُشر في الجريدة الرسمية بكل أريحية، ولم يحرّك أحد ساكناً، كأنّ الفساد لم يعد تهمة بل أصبح مهنة سياسية في زمن العقم السياسي والأخلاقي والقضائي، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الدولة اللبنانية الغارقة في بئر المديونية، تعاني من إفلاس أخلاقي يفوق إفلاسها المالي، وأنّ الفساد في لبنان أقصر الطرق إلى السلطة، والسلطة في لبنان أقصر الطرق إلى الثروة. رئيس حكومتنا الذي تعطّل عن العمل بسبب أزمة مالية ألمّت به، أعطى في رحلته من بيروت إلى نيويورك بصيص أمل لـ"العاطلين عن الأمل"، وجعلهم يجتهدون ليصبحوا من أهل السلطة..

المبلغ المالي الذي دفعته الدولة عن رئيس الحكومة من خزينتها لكي يحصل على تبريكات وبركات رئيس الولايات المتحدة الأميركية، كان كفيلاً بتسفير الحكومة بكامل وزرائها والمجلس النيابي بأعضائه الصامدين، على متن أجنحة طائرات محمد الحوت مجتمعة. فماذا كان هدف رئيس الحكومة من زيارته إلى نيويورك لكي يقتطع مبلغ نصف مليار ليرة لبنانية من خزينة دولة مفلسة، إذا كان على علم مسبق بأنّ المساعدات العسكرية الأميركية إلى استقرار، والمساعدات المالية إلى تراجع، والتضييق على "حزب الله" إلى تقدّم، وإقامة النازحين السوريين إلى التأبيد؟

مع أنّ تسكير "دكانة" الفساد هي أحد عناوين هذا العهد الذي استحدث وزارة لمكافحة الفساد، سها عن بال الوزير المكافِح نقولا تويني أن مبلغ نصف مليار ليرة يكفي لتسفير نصف البلد إلى الولايات المتحدة الأميركية، وقد يطلّ علينا قريباً ويثني على نتائج هذه الزيارة "العظيمة"، وذلك بهدف "ردّ الإجر" للرئيس الحريري الذي "سبق فضله" ودافع عن صفقة بواخر الكهرباء في وجه المشكّكين.

"تعادل إيجابي" بين طرفي نقيض في صورة سوريالية حول تماسك أهل السلطة. فهل أدرك الجميع أنّ الاستمرار في السلطة هو رهن احترامهم لقواعد الفساد والإفساد؟ وهل دخلنا رسمياً في مرحلة "الفساد المتوازن" لبنانياً وفق قاعدة الـ "6 و6 مكرّر"؟ وهذا السؤال يجرّنا إلى سؤال آخر حول الفارق ما بين الجمهورية الأولى والجمهورية الثانية؟

في الجمهورية الأولى فصيلان: فصيل فاسد وفصيل نصف فاسد، وفي الجمهورية الثانية فصيلان: الأول فاسد والثاني فاسد. في الجمهورية الأولى تعلّمنا تجارة الفساد، وفي الجمهورية الثانية نجحنا في "تثبيت" النظرية التي تقول إنّ الثبات على الفساد هو وجودنا الدائم، فهل نقتنع بما وصلنا إليه ونكفّ عن الصياح؟ الحقل اللبناني واسع، و"الفعلة" من كلّ الطوائف والمذاهب، ولكن يبقى الأمل معلقاً على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بشخصه، الذي أثبت منذ وضعه حداً للفراغ الرئاسي، أنّ لديه النية والعزم لكي لا يبقى الفساد مرتفع الرأس وعالي الجبين.. ولكن هل مِن متجاوب؟ وهل يستطيع وحده؟ ومن أين البداية؟

 

(شارك هذا المقال)

One thought on “العاطلون عن العمل والأمل.. من بيروت إلى نيويورك

  • آب 18, 2017 at 11:11 ص
    Permalink

    كلام جدا مفهوم وواضح ومتنوع.

    Reply

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.