الماكينات الانتخابية: استيقاظ "الخلايا النائمة"

محمد شرف الدين

شهدت الأشهر التي سبقت الانتخابات نشاطاً سياسياً غاب عن البلاد منذ انتخابات 2009، استيقظت "الخلايا النائمة" في كل حزب وتحولت الى "خلايا نحل" تعمل تحت مسمى "الماكينات الانتخابية"، وأظهرت تعطشاً للعمل السياسي، لم تساهم الانتخابات البلدية التي أجريت منذ سنتين، والتي سيطر عليها الطابع العائلي والمناطقي أكثر من ذاك السياسي، في اشباعه.

ما إن وقّع وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق، مشروع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لإجراء الانتخابات البرلمانية في السادس من أيار، وأحاله على مجلس الوزراء، حتى أدارت الأحزاب والقوى السياسية محركات ماكيناتها الانتخابية، استعداداً للاستحقاق المنتظر الذي سيحدد الأحجام التمثيلية الحقيقية لكل فريق، في ضوء إجرائها وفق قانون النسبية الذي خلط بتعقيداته كلّ الأوراق، فالقانون النسبي الذي اعتمد للمرة الأولى في لبنان، فرض على الماكينات الانتخابية التعاطي مع هذا الاستحقاق بشكل دقيق ومدروس، لناحية آلية عمل الماكينات وتجهيزاتها ومكننتها، والاعداد البشرية الهائلة لتواكب المراحل التي تسبق وتواكب الانتخابات وتراقب عمليات الفرز وإعلان النتائج.

سجّلت ماكينات انتخابية عريقة وتملك التي تملك إمكانيات مالية ضخمة، عجزاً في التعامل امتحان قانون النسبية والصوت التفضيلي، لكن في المقابل، كانت ماكينات "حزب الله" و"القوات اللبنانية" والنائب محمد الصفدي تقدّم نموذجاً متميّزاً في كيفية التعامل مع هذه الانتخابات وشوائب قانونها.

"حزب الله"

"حزب الله" كان السباق في إطلاق ماكينته الانتخابية، وقد عكست النتائج التي حققتها لوائح "الامل والوفاء" على امتداد الأراضي اللبنانية نجاح هذه الماكينة في استقطاب الناخبين ودفعهم للتوجه الى مراكز الاقتراع لـ"رد الجميل لمن حمى الأرض وسقاها بالدم".

أثبتت الماكينة الانتخابية لـ "حزب الله" أنها ماكينة "حديدية"، حيث احتسبت بدقّة شديدة قدرات الحزب الانتخابية وكذلك قدرات الحليف حركة "أمل" وباقي الحلفاء، وايضاً قدرات الخصوم في مختلف الدوائر. وليس سهلاً أن تنجح هذه الماكينة، بالتعاون مع حركة "أمل"، في إلغاء مفاعيل قانون الانتخابات النسبي من خلال قطع الماء والهواء على الآخرين في اختراق الثنائي الشيعي.

"الجهاد والشهادة" كانا العنصرين الأبرز في حملات الحزب الانتخابية، وقد حققت هذه الوسائل النتائج المرجوة، خصوصاً في دوائر الجنوب حيث بلغت نسبة الأصوات التي حصلت عليها لوائح "الثنائي الشيعي" 95 في المئة، فالجنوب هو أحد "خزانات" الحزب البشرية، وكل بيت فيه قدم على الأقل شهيداً في سبيل الحزب وعقيدته، ومن الطبيعي أن تبقى هذه العائلات وفية للعقيدة التي استشهد أبناؤها من أجلها.

"المعركة" الحقيقية التي خاضتها ماكينة الحزب كانت في دائرة بعلبك – الهرمل، التي لا تختلف عن الجنوب من حيث تأييد الحزب والانتساب الي صفوفه، الا أنها تختلف عن الجنوب من حيث الانماء، فقرى بعلبك – الهرمل من أكثر القرى المحرومة في لبنان، من حيث عدد المستشفيات والمرافق التعليمية أو حتى الطرقات الصالحة، بالإضافة الى كون الكثير من أبنائها "مطاليب" للدولة كونهم امتهنوا زراعة الحشيشة. هذه العوامل أدت الى ارتفاع الأصوات المعارضة في "عرين حزب الله"، والتفافها حول المرشح الشيعي يحي شمص، الذي تحالف مع "القوات اللبنانية" و"تيار المستقبل". نجحت الماكينة في السيطرة على "ظاهرة" شمص شيعياً وتفادت خسارة مقعد شيعي، لكن هذه "الثغرة" استغلتها ماكينات أخرى، فنجحت في خطف مقعدين، واحد ماروني، والأخر سني.

حركة "أمل"

لم تظهر ماكينة حركة "أمل" أداء مختلفاً عن أدائها السابق. هي ماكينة جيّدة وخبيرة، لكن حظها أن شريكها "حزب الله" يتفوّق عليها في الانضباط والالتزام. فبينما تعمل ماكينة الحزب وكأنها "جهاز عسكري"، فإن ماكينة "أمل" تعمل بطريقة مختلفة فيها مرونة لكنها قادرة على التحكم بمفاصل الحركة الانتخابية، وهذا ما ظهر في مناطق ليس للحركة فيها مرشحين، مما يؤكّد مقدرتها وكفاءتها.

"القوات اللبنانية"

قدّمت ماكينة "القوات اللبنانية" نموذجاً لافتاً لعملها. كان واضحاً أن "القوات" تعرف جيداً ماذا تريد وكيف تتعامل مع الانتخابات وكأنها خبيرة بها وبقانونها الجديد، حتى أن هناك من أطلق عليها "حزب الله المسيحيين".

كانت "القوات" أول من بدأ الإعلان عن مرشحيها، ولولا أزمة استقالة الحريري وما نتج عنها من إرباك سياسي لكانت انتهت من هذه العملية في وقت أسرع، وفيما اعتبر البعض أن ما تقوم به "القوات" هو تسرع غير مدروس، كانت "القوات" تصر على اتباع هذه الطريقة على اعتبار أنه من الضروري أن يتعرف الناخب على المرشح ويحسن الاختيار. ولعل هذه الماكينة كانت الأنجح في إدارة العملية الانتخابية، اذ حققت نتائج لم تكن متوقعة حتى في أفضل السيناريوهات، فالتقديرات كانت تشير الى أن كتلة القوات كانت ستزيد بحدود النصف، أي 8+4=12، المفاجأة كانت أنها زادت الضعف تقريباً، ووصلت الى 15 نائباً. لا شك أن "القوات" تعمقت في دراسة القانون النسبي وفهمت كيفية تطبيقه بشكل صحيح خصوصاً في ما يتعلق بالصوت التفضيلي، اذ حرصت "القوات" في لوائح تحالفاتها أن تجير أصواتها التفضيلية الى مرشح أساسي أو اثنين على أبعد تقدير، تركيز الأصوات هذا يضمن ارتفاع النسبة وانتقال المرشح الى الندوة البرلمانية.

"التيار الوطني الحر"

ماكينة "التيار الوطني الحر" عملت عكس "القوات اللبنانية"، اذ كانت لوائح "التيار" تضم أكثر من مرشح حزبي ما أدى الى تقسيم أصوات التيار التفضيلية بين هؤلاء، وانعكس ذلك تراجعاً، ليس من حيث عدد النواب وإنما من حيث عدد الأصوات التي حصلوا عليها. في دائرة بعبدا مثلاً، هناك حيث مسقط رأس الرئيس عون في حارة حريك، معروفة بأنها "دائرة برتقالية"، حل مرشح "القوات" بيار بو عاصي ثانياً في الدائرة (13.498 صوت) بعد مرشح "حزب الله" علي عمار، بينما حل مرشحا "التيار الوطني الحر" آلان عون وحكمت ديب، رابعاً وسادساً، لانهما تقاسما الأصوات، (10.200 و4.428 صوت).

"المردة"

قدّمت ماكينة تيار "المردة" أداء جيداً، كعادتها، مستفيدة من تراكم خبراتها الانتخابية التي تمنحها القدرة على احتساب قدراتها الذاتية بدقّة في زغرتا، لكنها بدت ضعيفة في بشري ومرتبكة في البترون وجيّدة في الكورة.

إلا ان ماكينة "المردة" نجحت في المحصلة في حماية مرشّحي "التيار" ولم تتمكن من إسناد الحلفاء، ربما بسبب ضعف الإمكانات المالية وتعدد الخصوم والمنافسين، والتسابق المحموم بين القوى السياسية المسيحية في الدائرة التي يمكن تسميتها بأنها "دائرة الرؤساء".

تيار "المستقبل"

أما "تيار المستقبل"، بالرغم من تراجع إمكاناته المادية، الا أن ماكينته استطاعت تحقيق هدفها، وهو المحافظة على غالبية المقاعد السنية في المجلس، بعدما أصبحت خسارة معظم المقاعد المسيحية التي كانت تابعة لكتلته في السابق، أمراً لا مهرب منه بفعل النسبية. الجولات التي قام بها الحريري في الأسبوع الأخير قبل الانتخابات أعادت مشهد "الاحتضان الشعبي" للزعيم السني الشاب، مشهد يذكر بموجة التأييد التي حظي بها بعد استقالته في السعودية، خصوصاً في الشمال. هذا يعني أن محبة هذا البيت السياسي لا تزال في وجدان الشارع السني، وقد انعكس ذلك ايجاباً في صناديق الاقتراع اذ حافظ الحريري على الصدارة في دوائر الشمال. أما في بيروت، فالمنافسة السنية دفعت بالماكينة الانتخابية لتيار "المستقبل" إلى ابتكار أساليب جديدة للتواصل مع الناخبين، اذ جرى التعميم على الناخبين بالاقتراع للمرشح الذي توجد صورته على "كنزة" المندوبين الموجودين على أبواب مراكز الاقتراع. فعلى سبيل المثال، جرى التعميم على الناخبين للاقتراع إلى الرئيس تمام سلام والمرشح ربيع حسونة في مدرسة العاملية للبنات. وفي مدرسة رياض الصلح ومدرسة رأس النبع الثانية للبنات للوزير نهاد المشنوق. وفي ابتدائية علي بن أبي طالب للمرشح زاهر عيدو. وفي مدرسة خالد بن الوليد للرئيس سعد الحريري.

"الكرامة"

كان لافتاً في الشارع السني مدى احترافية وتنظيم الماكينة الانتخابية للوزير السابق ​فيصل كرامي. وأهم ما يحسب لهذه الماكينة أنها أمنت لرئيسها دخولاً قوياً الى مجلس النواب، (7.126 صوت)، بعد أن كان والده الرئيس عمر كرامي قد حوصر في انتخابات 2009.

"العزم"

ظهرت ماكينة "العزم" من دون خبرة، خصوصاً أنها المرة الأولى التي تخوض فيها تحدي الانتخابات لوحدها. وتعرّضت لاختراقات عديدة وتم تسريب "داتا" معلوماتها إلى ماكينات أخرى، وكانت الصور تتسرّب من داخل غرفها المغلقة. وربما لهذا لم تتطابق حساباتها مع النتائج التي حملتها الصناديق. لم يبرز مندوبو "العزم" في الشارع تحيزهم لمرشحٍ على حساب آخر. الكل يرتدي القميص البنفسجي. ما يدل على أنّ أولويتهم في الصوت التفضيلي هي لرئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، وهذا ما يبرر فوزه بمفرده بمقعد سني، فيما ذهبت المقاعد الأخرى التي ربحها لمقاعد الأقليات.

الصفدي

تشبه ماكينة الوزير السابق محمد الصفدي ماكينة الأحزاب المنظّمة. منذ انطلاق عملها في العام 2000، بقيت هذه الماكينة هي نفسها على مستوى الإدارة والكادرات والمفاتيح. لم ينقطع الصفدي عن التواصل معها ولم تنقطع عن علاقتها به. ولذلك فإن أحمد الصفدي الذي يتولّى إدارة هذه الماكينة منذ انطلاقتها بدقّة متناهية، صار متمرّساً بالمعارك الانتخابية ويعرف بدقة شديدة كل نقاط القوة والضعف عن القوى السياسية الأخرى، كما يعرف بالأسماء المفاتيح الانتخابية الكبيرة والصغيرة في جميع أحياء طرابلس.

مجدداً، أثبتت هذه الماكينة أنها الأكثر دقّة وسرعة ومهنية وحرفية في عملها، فكانت أول من أصدر النتائج على مستوى مدينة طرابلس، بينما كانت كل الماكينات الأخرى غارقة في حسابات الأرقام الأولى، ما اضطر معظمها إلى الحصول على النتائج من ماكينة الصفدي.

يعرف محمد الصفدي قدرة ماكينته التي يقودها ابن شقيقه، ولذلك فهو نجح في تقديم نموذج ممتاز للتحالف مع تيار "المستقبل" ترجم فيه دعماً أساسياً للائحة "المستقبل".

"الحزب السوري القومي الاجتماعي"

ونجحت ماكينة "الحزب القومي الاجتماعي" في رفع رصيده من مقاعد المجلس الى ثلاثة مقاعد، فهذه الماكينة بدأت العمل منذ أشهر طويلة من اجل اعداد الملفات والإحصاءات اللازمة، وعلى تنظيم دورات خاصة حول كيفية العمل لأعضاء الماكينة الإنتخابية، وبعد ذلك بدأت الماكينات الفرعية (المتواجدة في الدوائر التي يوجد للحزب فيها مرشحين) بعقد لقاءات مع الناخبين لتعريفهم على كيفية الإقتراع وفق القانون الجديد، خصوصاً في ظل إعتماد الصوت التفضيلي.

صدام الماكينات والقانون

اذاً الانتخابات انتهت والنتائج صدرت، لكن هذه الماكينات لن تهدأ ربما، بل ستبدأ التحضير للانتخابات المقبلة من الآن علها تعوض ما اقترفته من أخطاء، خصوصاً أن في العملية الانتخابية ما لم تنجح به هذه الماكينات. فهي لم تستطع اقناع الناخبين بالتوجه الى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة، فجاءت نسبة المشاركة مخيبة للآمال خصوصاً بعد غياب الانتخابات فترة طويلة، هذا الامر دليل على عدم اقتناع المواطنين بديمقراطية هذه العملية، ربما بسبب رفضهم "مبايعة" الطبقة السياسية نفسها مجدداً، وعدم اقتناعهم بالبدائل التي كانت موجودة، كما أن قانون الانتخابات كان سبب في انخفاض نسبة الاقتراع بسبب عدم فهم معظم المواطنين له، على الرغم من التقارير التلفزيونية والندوات التي عقدتها الأحزاب لشرح القانون وآلية الاقتراع للناخبين، ولعل ذلك ترجمته كمية الأوراق الملغاة الكبيرة جداً في صناديق الاقتراع.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.