المجتمع المدني: مشروع بديل لم تنضج بذوره

الناخبون يمددون على طريقتهم :"الطائفة أولا"
فتات عياد

لم تكن نتائج الإنتخابات اللبنانية صادمة بقدر نسبة المشاركة العامة على مستوى لبنان، والتي لم تتجاوز نسبتها النصف، أي أن 51% من الشعب اللبناني قرر أن "يمدد" لصمته، ولكن هذه المرة بملء إرادته بعد أن غيَّب حقه من كانوا لأنفسهم ممدِّدين. هو إحباط شعبي وتعبير عن عدم رضى عن القانون الجديد، وعن الطبقة السياسية ككل. لكن لماذا لم تذهب الأكثرية الصامتة نحو استبدال الأحزاب التقليدية بلوائح "المجتمع المدني"؟ وهل كانت هذه اللوائح بديلاً حقيقياً أم أنها كانت "مشروع بديل"؟

المجتمع المدني بنية هشة

أسفر تمديد المجلس النيابي لنفسه في المرة الأولى عام 2013 عن غضب في الشارع، واعتصامات استطاعت القوى الأمنية احتواءها لأنها لم تكن قوى شعبية حقيقية وازنة، فالشعب اللبناني لا تحركه في الشارع إلا الزعامات!

مدد المجلس لنفسه مرة أخرى، وحلّت أزمة النفايات، وازداد الغضب!

بدأت التحركات المطلبية تتوسع والأرقام في الساحات تتزايد.

بدأ المجتمع المدني بتشكيل معارضة بديلة للسلطة القائمة أصلاً على حكم "أمراء الطوائف" وبدأنا نسمع بـ"طلعت ريحتكم" و"بدنا نحاسب" وغيرها، ثم أتت تجربة "بيروت مدينتي" في الإنتخابات البلدية عام 2016، وشكلت أول حالة معترضة مدنية يُبنى عليها كمنافس حقيقي بوجه السلطة.

أخيراً أتى الإستحقاق المنتظر، وأتى معه تحالف "كلنا وطني" الذي جمع 12 جهة معارضة للسلطة أتت من رحم المجتمع المدني، أبرزهم "حزب سبعة"، و"لبلدي" و"مواطنون ومواطنات في دولة".. يضاف إليهم لوائح أخرى مدنية خارجة عن هذا الإئتلاف هي "مدنية" في الشوف عاليه، و"كلنا بيروت" في دائرة بيروت الثانية.

لم تكن بنية لوائح المجتمع المدني متينة بما فيه الكفاية في طرح نفسها كبديل عن الأحزاب، خصوصاً وأن التصارع في ما بينها كان واضحا جداً وسبَّب نفوراً منها حتى من قبل اللاجئين إليها كبديل. هذه اللوائح لم تعرف كيف تحتضن شخصيات مستقلة ووازنة كفاية، فسببت لنفسها ولتلك الشخصيات الخسارة معاً. زياد بارود الرجل المحبوب لاستقلاليته، أشار إلى أن انضواءه معهم لم ينجح نتيجة "تغليب الأنا على الجماعة" فاضطر للتحالف مع "العهد القوي"، فخرج الطرفان من المعادلة بخسارة. نعمة محفوض أيضاً لم يستطع الاتفاق مع المجتمع المدني فذهب للطرف "الأكثر تشابهاً" مع قناعاته وهو "المستقبل"، لم يفز أيضاً، كيف لا وهو الذي بُحَّ صوته صراخاً في وجه السلطة التي تحالف معها!

أما سقف المال الإنتخابي فكان أيضاً ضد لوائح المجتمع المدني. فلوائح السلطة اجتذبت إليها رجال أعمال ليمولوا لوائحها لا أكثر. الإنفاق كان أكبر من أن يُنافس من قوى المجتمع المدني، سواء على صعيد الحملات الاعلانية، أو الإطلالات التلفزيونية التي تخطت أرقامها ما هو معقول، حتى حسبنا أنفسنا في سوق سوداء تباع فيها الأصوات بمزاد علني وتباع الضمائر معها في مزاد سري!

"كلنا وطني" و"مدنية" كانتا متنافستين في دائرة عاليه -الشوف فأكلتا من حصة بعضهما البعض، ولم يفز منهما أحد!

ثقافة الوعي عند الناخبين: "الطائفة أولا"!

كرَّس القانون النسبي الجديد الطائفية من بابها العريض، كونه عزز مبدأ "الصوت الواحد لمرشح واحد"، بما معناه أن كل شخص ينتخب عن مقعد طائفته. هذا التكريس للطائفية لم يخالف ما في نفوس اللبنانيين، المشحونين أصلاً، وجاءت الخطابات لتشد العصب الطائفي وتذكر بأيام أليمة من دون مبالاة بما قد ينتجه هذا الشحن الذي انعكس مؤخراً انفلاتاً في الشارع، وحوّل ما سمي بالـ"عرس ديموقراطي" إلى "مأتم مسلَّح"!.

الكل ظن أن النسبية ستأتي بنسبة تصويت عالية. لكن كان الأجدر أن نعرف بأن اللبنانيين لو أرادوا التغيير لما كانوا سمحوا بالتمديد أصلاً، حتى نسبة الإقتراع كانت كارثية بامتياز 49%، أي أن الأكثرية الصامتة غير الراضية حكمت الأخرين بصمتها، دون أن تعطي لنفسها ولغيرها أي طرح بديل!

وحدها بيروت بدائرتيها الأولى والثانية استطاعت حصد أصوات لا يستهان بها لصالح المجتمع المدني، فقد فازت بولا يعقوبيان في بيروت الأولى عن لائحة "كلنا وطني" فيما حظيت لائحة "كلنا بيروت" وحدها بأكثر من 6 ألاف صوت في بيروت الثانية رغم قساوة المنافسة سياسياً في هذه الدائرة وتعدد اللوائح التي شتتت الصوت البيروتي… أرقام تذكر بتجربة بيروت مدينتي وتؤشر إلى أن أهل العاصمة هم منبع التغيير، وهم تواقون إليه، وبأن ثقافة المحاسبة بدأت "توسّع بيكارها" عند أهالي العاصمة، بمعزل عن الحسابات الطائفية الضيقة.

الناس لم تثق بالمجتمع المدني لأنه كان متشرذماً وغير متماسك، أو لم تأخذ وقتها ربما لتتعرف عليه، وبعضهم غير مستعد للخروج عن طوع "أمراء الطائفة"، ومن تجرأ على المحاسبة كانوا قلة قليلة وفُهمت محاسبتهم شرذمة للأصوات، أما تلكؤ المنكفئين عن التصويت فكان أشبه بالضربة القاضية لمن حاول بـ"الدم الحي" تحريك مروحة التغيير!

التعتيم الإعلامي

سقف الإنفاق الانتخابي ضرب بمبدأ تكافؤ الفرص عرض الحائط، فرجال الأعمال "اجتاحوا" الهواء الإعلامي بمالهم، ورغم إعطاء الفسحة للوائح المجتمع المدني بالظهور مجاناً عبر تلفزيون لبنان، لم تستطع تلك اللوائح ان تكافح سيل المال لصالح منافسيها من رجال الأعمال، لم تأخذ المؤسسات المجتمع المدني على محمل الجد كمنافس حقيقي، وهذا وحده تهميش ولو أتى غير مقصود، فيكفي أن تستخف بالمنافس فتضعفه.

التعتيم على نتائج الإنتخابات.. تزوير؟

نامت جمانة حداد نائباً واستفاقت خاسرة لصالح أنطوان بانو. لم تعزز ماكينات الأحزاب وحدها الشكوك بعمليات التزوير فحسب، كونها هي أيضاً احتسبت ان جمانا فائزة، بل عزز هذا الشك حوالي 7000 مخالفة أفرزتها الانتخابات. انتهاكات بالجملة، مخالفات "على عينك يا ناخب"، وفيديوهات انتشرت على مواقع التواصل الإجتماعي…  ورغم تبريرات وزير الداخلية نهاد المشنوق الا ان صور الملفات غير المختومة بالشمع الأحمر والمرمية عشوائياً او التي تنقلت بلا مراقبة، ظلت تدعو إلى التشكيك.

اقتراع المغتربين: "ليتهم لم يقترعوا"!

إنها المرة الأولى التي يعطى المغتربون حقهم بالإنتخاب في الخارج، تسجل حوالي 80 ألفاً منهم. شاب العملية الكثير من الفوضى، واتضح أن وزارتي الخارجية والداخلية لم تكونا على جهوزية تامة لهذا الإستحقاق، إن من ناحية التنظيم، أو توزيع مراكز الإقتراع… لكن اللكمة للبنانيين القاطنين في لبنان، والذين انتظروا تغييراً يأتي من أصوات أهلهم في الخارج، كانت من هناك. بدت واضحة سطوة الأحزاب على المشهد. جدَّد المغتربون "البيعة" لمن ساهم بهجرتهم وابتعادهم عن أهلهم، صوتوا لحفرٍ تقتل إخوانهم على الطرقات، صوّتوا لغرقٍ في ظلام ملف الكهرباء، ولأداء الأحزاب عينها التي تحكم منذ عقدين ولم تقدم سوى الفساد، وهم أثبتوا أن اللبناني يبقى "لبنانياً" أينما حل، بطائفيته وتبعيته ومبايعته لمن غربوه عن موطنه، أو أبقوه "مغترباً" على أرض الوطن!

إختار النصف الصامت من الناخبين أن "يبتلع" صوته، وأن يبتلع معه كل ما يعاني من هموم، لم يجد قانوناً يمثله خير تمثيل، لم يجد بديلاً "يقتلع" صوته من معقله ليفرزه ورقة في صندوق اقتراع… وإلى حين إيجاد البديل، سيبقى الصمت مدوياً في وديان المتفرجين، كمن يحاول عبثاً محاربة الطواحين!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.