الزعامة في المختارة.. لكن من هو "البيك"؟

محمد شرف الدين

بإعلان النتائج الرسمية للانتخابات النيابية، دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة، تنطلق بشكل فعلي في 20 أيار، أي بعد انتهاء ولاية المجلس الحالي، وعقد المجلس الجديد أولى جلساته لانتخاب رئيس المجلس ونائبه وأعضاء هيئة المجلس. النتائج وما حملته من مفاجآت تطايرت من صناديق الاقتراع، أدت الى تعديلات في حجم القوى الممثلة في البرلمان، من دون أن تغير صورة السلطة القائمة على التسوية الرئاسية التي أوصلت الرئيس ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية والرئيس سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة. لكنها كادت أن "تزعزع" زعامة "بيوتات سياسية" في مناطق، ونجحت في ذلك فعلياً في مناطق أخرى، لعل أبرزها خروج "بيت شمعون" السياسي العريق من المعادلة السياسية في الشوف، ومثله "بيت سكاف" في زحلة.

على الصعيد الدرزي، كانت البيوتات السياسية في الشوف وعاليه تخوض معارك شرسة على مدى الأشهر الماضية لكسر "الآحادية" في الزعامة الدرزية التي يتربع "آل جنبلاط" على عرشها، عبر محاولة طرف درزي آخر تشكيل كتلة نيابية وازنة في مواجهة "كتلة اللقاء الديمقراطي" (قد يختار الحزب "التقدمي الاشتراكي" اسماً آخر لكتلته)، هو الأمير طلال ارسلان الموعود بترأس الكتلة النيابية التي حصل عليها "التيار الوطني الحر" في الشوف وعاليه، والمؤلفة من أربعة نواب، أو حتى استبدال "رأس" هذه الزعامة، بدخول الوزير السابق وئام وهاب الى المعادلة السياسية في الجبل، وهو الساعي الى الاستئثار بزعامة الدروز ليس فقط في لبنان، بل اقليمياً أيضاً.

عملياً، ضمن رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط احتفاظ نجله تيمور بـ "زعامة المختارة" رغم ما اعتبره جنبلاط الأب هجمة لمحاصرة زعامته من خلال تقليص حجمه التمثيلي في مجلس النواب. اذ استطاع جنبلاط الحدّ من الخسائر والاحتفاظ بكتلة وازنة ومتنوعة من تسعة مقاعد، (بعدما كانت كتلته تضم في السابق 11 مقعداً)، هم: تيمور جنبلاط، مروان حمادة، نعمة طعمة، بلال عبدالله، أكرم شهيب، هنري حلو، وائل أبو فاعور، فيصل الصايغ وهادي أبو الحسن.

لكن على الأرض الواقع، أصيب جنبلاط بنكسة يرفض الاعتراف بها، تمثلت بحجم الأصوات التي استطاع منافسه الأبرز وئام وهاب حصدها، فلائحته اقتربت جداً من الحاصل الأول بنيلها 12796 صوتاً، بفارق حوالي 240 صوتاً عن الحاصل الأول، ونيله 7340 صوتاً تفضيلياً، متفوّقاً على حمادة، الذي نال 7266 صوتاً، كذّب كل التوقعات التي شكّكت بقدرته على تحصيل أرقام مرتفعة درزياً، مع نيله ما يزيد على 5000 صوت درزي.

أهمية الانجاز الذي حققه وهاب، يكمن في أنه حقق هذه الأرقام وحده من دون دعم الحلفاء، حيث جرى التداول بمعلومات أن النائب وليد جنبلاط أجرى اتصالاً قبل أيام قليلة من يوم الانتخاب مستنجداً بالرئيس نبيه بري من أجل حجب الاصوات الشيعية عن لائحة رئيس "حزب التوحيد" وئام وهاب بعدما تبين له ارتفاع حظوظ الاخير بالخرق أو أقله تأمين حاصل انتخابي، وأن بري تجاوب فوراً مع طلب جنبلاط وتواصل مع قيادة "حزب الله" وتم حجب الاصوات الشيعية، والاصوات السنية ضمن تشكيلات "سرايا المقاومة"، عن وهاب. علماً أن الاتفاق بين "حزب الله" ووهاب كان يقتضي أن تجيّر أصوات الشيعة و"سرايا المقاومة" في الشوف للائحته وجرى نقض هذا الوعد قبل يومين من موعد الانتخاب. وكان وهاب قد أشار الى هذا الأمر في سلسلة "تغريدات" غاضبة تحدث فيها عن "غدر الحلفاء".

الا أن لأرقام تشير إلى أنه نال ما لا يقل عن 1000 صوت شيعي، فيما نال أكثر من 300 صوت سنّي من المحسوبين على حزب الله، الذي اضطر إلى تقسيم أصواته بين لائحة وهّاب ولائحة المصالحة، مانحاً أصواتاً إلى اللواء علي الحاج في الشوف وأرسلان في عاليه. لكن ذلك لا ينفي انقسام الأعداد الشيعية، في غالبية القرى في الشوف، بين لائحة وهّاب ولائحة جنبلاط، الذي مدّه برّي بأصوات حركة أمل لدعم النائب نعمة طعمة، المهدّد من مرشّح التيار الوطني الحرّ غسان عطالله.

بالاضافة الى ما سبق، طالت عمليات الفرز اتهامات بالتزوير، خصوصاً أن عملية فرز الأصوات توقفت في الشوف وعاليه بشكل غير مبرر لمدة ثلاث ساعات، أُجبر فيها المندوبون على المغادرة، و"اختفت" فيها ثمانية صناديق اقتراع لم يعرف عن مصيرها شيء. واذ تنفي مصادر "التقدمي الاشتراكي" اتهامات وهاب وتعتبرها نابعة من انزعاجه جراء الخسارة التي مني بها، الا أن هذه العوامل تطرح علامات استفهام حول نزاهة العملية الانتخابية، وتظهر مدى الارباك الذي سببه وهاب لجنبلاط.

خرج جنبلاط من معركة الزعامة منتصراً اذاً، الا أن "سفينته" أصيبت بثغرة تتيح للخصوم التسلل الى داخلها في المستقبل، فما حققه وهاب واعدٌ ويُبنى عليه في المعارك المقبلة، الا أن وهاب وبسبب تسرعه وعصبيته المفرطة والمعهودة، قد يدفع بنفسه لخسارة هذه الفرصة، فطريقة تعاطيه مع الخسارة تزيد من التفاف الشارع الدرزي حول جنبلاط، خصوصاً أن وهاب لا يوفر لقباً الا ويستخدمه للاساءة لخصومه صراحةً، بعكس جنبلاط الذي يعرف بديبلوماسيته وقدرته على ايصال الرسالة التي يريدها بأكثر العبارات الغامضة والمبطنة. حتى أن أساليب وهاب قد تؤدي الى توتر العلاقة بينه وبين حليفه الأقوى، أي "حزب الله"، نظراً لشراسة الهجوم الذي شنه عليه، ما دفع "حزب الله" للرد على هذا الهجوم بنفي الاتهامات ودعوة وهاب الى "الهدوء والتروي والتأمل".

أما الامير طلال ارسلان، فلا يبدو أنه يشكل خطراً على "الزعامة الجنبلاطية"، خصوصاً أن لهجته وحليفه "التيار الوطني الحر"، تبدلت تجاه المختارة، اذ أكد باسيل أن "المختارة لم ولن تسقط"، فيما أكد ارسلان انه "لا يقبل أن يلغي أحداً". ولعل محاولة "تضميد الجروح الانتخابية" هذه ناتجة عن الخسائر الفادحة التي مني بها "الحزب الديمقراطي اللبناني" في مختلف الدوائر. في دائرة بيروت الثانية، مُني حليفه رجا زهيري بخسارة فادحة، بعدما حقق مرشح الحزب الاشتراكي، النائب فيصل الصايغ انتصاراً كاسحاً اذ تمكن من الحصول على تسعين بالمئة تقريباً من أصوات الناخبين الدروز الذين اقترعوا بكثافة. وفي دائرة عاليه – الشوف، حصل مرشحوه في الشوف مجتمعين على حوالي ستمئة صوت فقط، واستغل أرسلان المقعد الدرزي الشاغر على لائحة جنبلاط ليضمن وصوله الى الندوة البرلمانية، ولكنه حل ثانياً في لائحته بعد تفوق سيزار ابي خليل عليه من ناحية الأصوات التفضيلية، بينما وصل الفارق بينه وبين اكرم شهيب الى أكثر من ستة الاف صوت تفضيلي للأخير، وكذلك تفوق عليه هنري حلو مرشح الاشتراكي على المقعد الماروني، وتساوت أصوات مرشح القوات انيس نصار مع أصوات أرسلان، علماً أن الاشتراكي صب قسماً من أصوات مناصريه للمرشح راجي السعد. وفي دائرة بعبدا سقط أيضاً مرشحه سهيل الأعور أمام هادي أبو الحسن، وكذلك في حاصبيا حيث حافظ النائب أنور الخليل على مقعده بعد هزيمة مرشح الحزب الديمقراطي وسام شروف.

في المحصلة، حافظ "آل جنبلاط" على الزعامة الدرزية، لكن السؤال الذي يطرح، هو أي جنبلاط احتفظ بها؟ جنبلاط الأب خلع عن نفسه العباءة وألبسها لنجله تيمور في مهرجان حاشد، لكن هل بايع الدروز جنبلاط الابن زعيماً بالفعل؟ أم ان جنبلاب الاب لا يزال الزعيم في وجدانهم؟ فجنبلاط الأب هو من أعلن نتيجة الانتخابات فيما جلس تيمور الى جانبه بهدوء، جنبلاط الأب هو من غرد لحث اللبنانيين للمشاركة بكثافة في ساعات الاقتراع الأخيرة، وهو من غرد لتهدئة النفوس في الشويفات اثر الاشكالات التي تخللها اطلاق نار، وهو من عمل الى جانب ارسلان لانهاء الازمة. أين تيمور من كل ذلك؟ ربما تيمور لم يتأقلم بعد مع دوره وواجباته كزعيم، وربما وليد لم يتخل بعد عن دوره كزعيم، ربما الدروز بايعوا تيمور، لكن في وجدانهم لا يزال وليد هو "البيك" وأن تيمور هو فقط "ابن البيك"!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.