الثنائية الشيعية: تشدّد "التكليف الشرعي"

نورما أبو زيد ـ

خرجت "الثنائية الشيعية" من انتخابات 6 أيار ظافرة بفوز شامل، وأثبت قطباها رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وأمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله، أنهما يمسكان بتلابيب الطائفة حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وأنّ جمهرة الشيعة ما تزال طوع بنانهما.

لم يكن الفوز الساحق لـ "الثنائية الشيعية" في الانتخابات النيابية مفاجئاً، بل كان مقدّراً بحكم الأمر الواقع الميداني. الساحة الشيعية مقفلة منذ سنوات، بعدما قطع "حزب الله" و"حركة أمل" باتفاقهما الطريق على البيوتات التقليدية وعلى احتمال قيام أحزاب سياسية.

منطقياً، كان يفترض أن يفتح قانون الانتخابات على أساس النسبية والصوت التفضيلي، ثغرة في جدار "القلعة الشيعية". كان المنطق يفترض أن "الثنائي الشيعي"، حركة "أمل" و"حزب الله" لن يستطيعا الحصول على أكثر من 80 بالمئة من أصوات الشيعة، وبالتالي فإن هناك احتمالاً لتمثيل 20 بالمئة من الشيعة. لكن المفاجأة أن "الثنائي الشيعي" نجح في قطع الماء والهواء عن كل الذين خطر ببالهم في لحظة أن يخترقوا الحصن المنيع. رفع الثنائي الشيعي جدران "القلعة" بعد أن حفر الخنادق حولها. في النتيجة، حصد الثنائي نحو 95 بالمئة من المقترعين، بينما عجز الطامحون والمعترضون والمستعرضون عن دفع أكثر من 5 بالمئة من الشيعة لخوض المغامرة معهم.

كان مقدّراً سلفاً أن يحسم "الثنائي الشيعي" الفوز لصالحه في الانتخابات، وأن لا تفعل النسبية فعلها في الساحة الشيعية، وهكذا حصل.

ويبدو أن "الثنائي الشيعي" تبنّى قانون النسبية من أجل القوى السياسية الأخرى. بالنسبة له، اياً كان القانون: أكثري ـ نسبي ـ تفضيلي ـ دائرة صغرى ـ دائرة كبرى ـ دائرة فردية… كل تلك الصيغ لا يمكنها أن تسمح بوضع مسمار في جدار قلعة الثنائي.

لا معنى للنسبية في الساحة الشيعية. تشدّد "حزب الله" وحركة "أمل" في تطبيق "التكليف الشرعي" فخرجا بكامل "غلّة" التمثيل الشيعي.

كلّ الأحزاب السياسية استعانت بكتاب الجبر والمقابلة لعالم الرياضيات والفلك أبو عبد الله الخوارزمي، لاحتساب الأصوات التي ستصبّ في صناديقها ولو من باب التنجيم، إلاّ "حزب الله" و"حركة أمل". اصطادا منذ زمن كلّ نفس في ساحتهما، ومارسا سياسة قطع النفس. والخرق الوحيد هو من باب الحفاظ على "ماء وجه الديمقراطية".

كثر تساءلوا على أبواب الانتخابات، لماذا لم تعلنها "الثنائية الشيعية" تزكية في دوائرها الانتخابية، وتكتفي بخوض المعركة في دائرتي بعلبك ـ الهرمل، وكسروان ـ جبيل. كان بمقدور "حزب الله" و"حركة أمل" أن يتقاسما المقاعد النيابية قبل الانتخابات، لولا إصرار بعض "المتنطحين" من أبناء الطائفة على خوض الانتخابات. هكذا اضطرت "الثنائية" أن "تزكّي" نوابها عبر خوض "المعركة" الانتخابية.

لا يشكّ اثنان في لبنان، أنّ "الثنائي الشيعي" يعمل وفق قاعدة تقول: "الطائف أعطانا 27 نائباً، ونريد 27 نائباً". بهذه القاعدة يقفل "الثنائي" باب الاجتهادات السياسية ويفتح باب الاجتهادات الشرعية التي تخرج على صورة تكاليف تحرّم الاقتراع لغير مرشحي "أمل" و"حزب الله". القانون النسبي الذي هو صورة عن "القانون الأرثوذكسي"، لم تكن "الثنائية" بحاجة إليه في السابق لتطبيق "أرثوذكسيتها". في كلّ الانتخابات السابقة، ألزمت "الثنائية" أبناء الطائفة بالاقتراع لها حصراً عبر عدم إفساح المجال أمام أيّ بديل.

منذ انتخابات العام 1992، تقاسم "حزب الله" و"حركة أمل" حصة الشيعة في التمثيل النيابي. خرجت بعض المقاعد عن طوعهما سابقاً بفعل التقسيمات الإدارية للدوائر الانتخابية، ولكن مع القانون الجديد، استعاد الحزبان المقاعد التي بقيت بموجب القوانين السابقة خارج دائرة سيطرتهما. مقعد عقاب صقر في زحلة الذي فاز به وفق القانون الأكثري، بات في جيبهما، ومثله مقعد أمين وهبي في البقاع الغربي، ومقعد غازي يوسف في بيروت، ومقعد عباس هاشم في جبيل.

سمّى الحزبان 27 مرشحاً في انتخابات 2018، لـ 27 مقعداً، وحصلا على 26 من أصل 27، وقد لا يخطىء من يقول إنّهما حصلا على 27 من أصل 27.

مصطفى الحسيني الذي حسم خياره قبل الانتخابات، بالترشح عن المقعد الشيعي الوحيد في كسروان – جبيل على لائحة فريد الخازن، لم يكن فوزه على الشيخ حسين زعيتر مرشّح "حزب الله" على لائحة الوزير السابق جان لوي قرداحي، هدفاً يسجّل في مرمى "الثنائية الشيعية". ما إن صدرت النتائج، ارتمى الحسيني في أحضان عين التينة، معلناً أنّه من نسيجها. الرجل الذي عرّف عن نفسه قبل الانتخابات أنّه سفير المسيحيين لدى الشيعة، ثبت أنّه سفير الشيعة في دائرة الموارنة.

هل يعني ذلك أنه لا توجد فئة شيعية خارج هذا "الثنائي"، بغض النظر عن حجمها؟

الأكيد أن هذه الفئة موجودة، لكنها مقتنعة بأنها لن تستطيع فعل شيء بمواجهة جحافل المؤيدين لحركة "أمل" و"حزب الله"، ولذلك فإن هذه الفئة تكتفي بالانكفاء ولا تغامر بمواجهة تعتقد أنها خاسرة سلفا فيها.

النتائج تحسم المعادلة: لا يفكر أحد في "الاجتهاد" بترشيح شيعي لأي منصب في الدولة من خارج "الثنائي الشيعي". لن يكون أي شيعي قادراً على الترشّح لأي منصب من دون مباركة أحد طرفي "الثنائي".

هذه المعادلة ستشكل دافعاً إضافياً لاصطفاف الشيعة خلف "الثنائي"، وبالتالي لتكريس واقع أن المرجعية الشيعية ستبقى في المدى المنظور في قبضة "الثنائي الشيعي".

مع الرئيس بري والسيد نصر الله، تغيّرت الطائفة الشيعية كثيراً في لبنان. غابت كلّ الوجوه السابقة، واستقرّت الصورة على أسماء جديدة تدور جميعها في دائرة "الحركة" و"الحزب" المقفلة. الدائرة المقفلة هي تعبير عن زمن شيعي جديد لا يشبه الزمن الذي كان فيه الشيعة تحت سقف الدولة.

المفارقة، أن "حزب الله" لطالما كان يتعامل ببراغماتية مع التنوّع الذي يكسر الاصطفافات المذهبية، وكان يتعمّد أحياناً غض النظر عن تسرّب نواب شيعة إلى قوى سياسية خصمة. لكنه هذه المرة تمسّك بكل النواب الـ27 الشيعة، وهو ما يطرح أسئلة حول خلفيات هذا التشدّد، وما إذا كان له علاقة باستراتيجية جديدة، أو باستحقاقات مقبلة، أو بحسابات مرتبطة بمواجهة ما قد يكون مرسوماً لمستقبل لبنان.

لم ينجح "الحزب" و"الحركة" في جعل الساحة الشيعية على صورة ثنائيتهما، بل نجحا في انتخابات 6 أيار، في جعل المجلس النيابي الجديد على صورة ثنائيتهما، وكذلك البلد.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.