"الجبهات" المسيحية في حسابات المسيحيين

الموارنة "تقاسموا" الكاثوليك والأرثوذكس
ـ نورما ابو زيد ـ 

انتهت الانتخابات النيابية، لكن ارتداداتها السياسية لم تنته بعد. تستمر عملية احتساب الأحجام السياسية وفقاً لعدد المقاعد النيابية. كلّ ساحة من الساحات الطائفية، تحتسب وجهة مقاعدها النيابية، لتعيّن زعيماً لها، والساحة المسيحية ليست شواذاً عمّا يجري في البلد.

أيّ عملية احتساب لعدد المقاعد التي فازت بها الأحزاب المسيحية، لا سيما "التيار الوطني الحرّ" و"القوات اللبنانية"، تُظهر أنّ المشهد السياسي في الساحة المسيحية تغيّر ولم يتغيّر. فوز حزب "القوات اللبنانية" بـ 15 مقعداً طغى في القراءة الانتخابية على المشهد المسيحي. رفعت كتلة "القوات" عدد نوابها، من 8 إلى 15. رقم لا يمكن تجاوزه في حرب الأوزان والأحجام السائدة. ولكن هل يمكن ترجمة هذا الرقم على أنّه تنامي لقدرات معراب في عدد من الأقضية التي كانت محجوزة لـ "التيار الوطني الحرّ" كبعبدا وكسروان الفتوح وغيرهما؟

يذهب "القواتيون" الزاهون بالرقم الذي حصده حزبهم، إلى حدّ القول بأنّه إذا استمرت معراب "على طلعتها" هذه، ستحصد في الانتخابات المنتظرة بعد أربعة أعوام من الآن 32 نائباً. يشرحون أنّ حزبهم في ربيع "14 آذار" حصد 8 مقاعد، بينما نجح في زمن الخريف السياسي كما يعبّرون في مضاعفة الرقم. ولكن قراءة متأنية، تظهر أنّ الأرقام التي حصدتها "القوات" لم تكن كلّها بعضلاتها الذاتية. فلا شكّ أنّ تحالفاتها الانتخابية مع أسماء تحمل في جعبتها مخزوناً شعبياً ساعدت، كحالتي قيصر نعيم المعلوف في زحلة، وزياد حواط في جبيل، وتحالفها مع "تيار المستقبل" ومع "التقدمي الاشتراكي" في بعض الدوائر، ساعدها بدوره على الفوز بعدد من المقاعد.

فـ "القوات اللبنانية" لم تكن قادرة على الفوز بمقاعد في عكار والبقاع الشمالي وبيروت الأولى والبقاع الغربي والشوف لولا تحالفها مع "تيار المستقبل" في دوائر، ومع "المستقبل" في دوائر أخرى، ومع الحزبين معاً في دوائر ثالثة. ولولا تحالف "القوات" مع "الأصدقاء" و"المستقبل" و"الاشتراكي"، لسلك مقعد كلّ من قيصر المعلوف وزياد حواط وجهة أخرى، ولانحرفت أسماء أخرى عن كتلتها كجان طالوزيان وأنيس نصار.

ثلثا نواب "القوات" الجدد حزبيين، ولكن الثلث "الإعارة" الذي تضعه معراب في خانة الأصدقاء، سيدور حتماً في فلكها، ولن يتمكّن أي "فلك" مسيحي آخر من اجتذابه، وبالتالي سيفرض جعجع نفسه أمراً واقعاً في المرحلة المقبلة، لا سيما على صعيدي نيابتي رئاستي مجلس النواب ومجلس الوزراء، وعلى صعيد الحقائب الوزارية.

تقدّم "القوات اللبنانية" عددياً، كان يُفترض أن يعني تراجع "التيار الوطني الحرّ"، ولكن في قراءة الأرقام النيابية وليس التجييرية، يتبيّن أنّ الحزب "البرتقالي" حصد للمرّة الأولى 22 نائباً، هم في أعلبيتهم الساحقة من الملتزمين حزبياً. ولذلك الحديث عن أّنّ "القوات اللبنانية" هي الحزب المسيحي الوحيد الذي خرج من هذه الانتخابات منتصراً، فيه نوع من المبالغة، ونوع من الإجحاف بحقّ "التيار الوطنيّ الحرّ".

أكثر من 18 نائباً "عونياً" صرفاً وصلوا إلى برلمان 2018 من أصل كتلة تضمّ 28 نائباً. حملة "التيار" الانتخابية "مش رح نخذلك" التي ترافقت مع صورة للرئيس ميشال عون، أثّرت كثيراً على خيار المترددين. الموالون لـ "التيار" اقترعوا للرئيس ميشال عون، والمناصرون اقترعوا للمرشحين الذين يأتون من زمن النضال، ولولا "تلغيم" اللوائح الانتخابية بمتمولين لا طعم لهم ولا لون، لكان حصد "التيار" رقماً أكبر. أثّرت ترددات ما تردّد عن المتمولين على الحزبيين وعلى المناصرين الذين أحجموا عن إسناد أصواتهم لغير "المناضلين"، وجزين التي حجبت أصواتها عن أمل أبو زيد تشكّل مثالاً واضحاً لما جرى على مستوى لبنان.

يؤكّد قيادي "برتقالي" أنّه كان يُمكن لكتلة "التيار الوطني الحر" أن تكون أكبر مما هي عليه، لو تمّ الابتعاد عن ظاهرة "مجاهدي المال" التي لم تلق ارتياحاً لا في الشارع "البرتقالي" ولا في الشارع الذي هو "ما بين بين"، ولكن يبقى أنّ "التيار الوطني الحرّ" حصد أكبر كتلة نيابية على الساحتين المسيحية واللبنانية، وسيدخل برلمان 2018 بأكبر كتلة نواب حزبيين، أمّا حجم تكتّل "لبنان القوي" ككلّ، الذي يضم إليه نواب حزب "الطاشناق" الثلاثة وطلال إرسلان، فيعتبر بحدّ ذاته انتصاراً للعهد، لأنّ بمقدور كتلة من 28 نائباً أن تؤمّن للرئيس ميشال عون التوازن المطلوب للمرحلة المقبلة، في ظلّ حرب الأحجام والأوزان التي لا تهدأ.

نجحت محبّة الناس لرئيس الجمهورية بتأمين كتلة نيابية وازنة لـ "التيار الوطني الحرّ"، والتحالفات الانتخابية، التي وصفت في أماكن كثيرة بالهجينة، لعبت دوراً في تأمين فوز "تياريين" وفي رفع عدد كتلة "التيار". ففي دائرة صيدا ـ جزين على سبيل المثال، نجحت لائحة "التيار" في  التأهّل وفي تأمين حاصلين انتخابيين من خلال الأصوات التي جيّرتها لها مدينة صيدا عبر المرشّحين الدكتور عبد الرحمن البزري، والدكتور بسام حمود مرشّح "الجماعة الإسلامية". والتحالفات أيضاً كانت سبباً في فوز العميد أنطوان بانو في دائرة بيروت الأولى، وإدكار طرابلسي في دائرة بيروت الثانية، وجورج عطالله في الكورة، وفريد البستاني في الشوف. استطاعت لوائح "التيار" بفضل التحالفات الانتخابية من تأمين الحاصل الانتخابي، فيما عجزت لوائح أخرى عن تأمين هذا الحاصل، فكان الفوز من نصيب مرشحي اللائحة.

بعد فوز "التيار" بأكبر كتلة نيابية، هناك من يحاول "تعييره" بتراجع قدرته التجييرية، ويأخذ من كسروان ـ الفتوح مثالاً. ولكن التدقيق في أرقام كسروان يفسّر هذا التراجع التجييري. فأصوات "التيار الوطني الحرّ" في هذا القضاء توزّعت على 5 مرشحين هم شامل روكز ونعمة افرام ومنصور البون وروجيه عازار وزياد بارود، وبالتالي وظّف "التيار" جهوده من أجل إنجاح الخمسة، عوضاً عن حصر أصواته التفضيلية بمرشّح أو اثنين.

بغضّ النظر عن كلّ الملاحظات، أثبت "التيار الوطني الحرّ" في هذه الانتخابات، أنّه حزب عابر للدوائر الانتخابية، وأنّ نوابه يغطّون "الرقع" المسيحية على مساحة الوطن، ولكن سيكون لزاماً عليه في مرحلة ما بعد الانتخابات، الغوص في المشهدية المسيحية لمعرفة الأسباب التي "حرفت" المزاج المسيحي عن مساره التقليدي، وأهدت "القوات" فوزاً بـ 15 مقعداً.

في مقلب "تيار المردة"، حافظ النائب السابق سليمان فرنجية على مقاعده في البرلمان من دون زيادة أو نقصان. خرج "تيار المردة" من انتخابات 2018 بعدد المقاعد نفسه الذي كانت لديه في السابق ولكن كتلته النيابية التي ستضمّ حلفاء وأصدقاء قد تتراوح ما بين 7 و8 نواب.

رغم استقرار الأرقام، تميّز "تيار المردة" عن "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، في قدرته على حصد أصوات المسلمين من سنّة وشيعة وعلويين دون مجهود، والفضل في ذلك يعود إلى أنّ فرنجية لا يضمّ الخطاب الطائفي إلى عدّة الشغل.

أمّا حزب "الكتائب"، فلم يستطع المحافظة على مقاعده الخمسة السابقة، وباتت كتلته عبارة عن 3 نواب هم سامي الجميل وابن عمه نديم، إضافة إلى الياس حنكش.

في المقابل، لا بد من تسجيل 5 ملاحظات مهمة في نتائج الانتخابات على المستوى المسيحي:

ـ انتهاء الزعامة الأرثوذكسية المستقلة بسبب انكفاء نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري عن خوض الانتخابات، وفوز نائب رئيس الحكومة السابق ميشال المرّ وحيداً.

ـ انتهاء الزعامة الكاثوليكية بخسارة هنري فرعون في بيروت وميريام سكاف في زحلة.

ـ غياب شبه كامل للشخصيات المسيحية المستقلة، باستثناء عدد محدود لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

ـ تراجع عدد النواب المسيحيين في عداد القوى السياسية "غير المسيحية" إلى الحدود الدنيا. وقد نجحت القوى المسيحية في حصد نحو 48 مقعداً من أصل 64 مقعداً للمسيحيين، أي نحو 75 % من التمثيل المسيحي.

ـ باستثناء التمثيل الأرمني الذي حافظ على مرجعيته والتصاقه بالعهد، فإن الأحزاب ذات الغالبية المارونية أحتكرت التمثيل الأرثوذكسي والكاثوليكي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.