الانتخابات ترسم خريطة توازنات سنّة لبنان

خضر طالب ـ

رسمت الانتخابات النيابية توازنات جديدة في التمثيل النيابي لسنّة لبنان، تعكس إلى حدّ بعيد التوازن الموجود في الشارع، إلا أن القانون الأكثري كان يقف عائقاً أمام تعدّدية التمثيل.

تاريخياً، كان سنّة لبنان يدورون في فلك مرجعيتين:

ـ مرجعية بيروت التي كانت ترتبط بالمملكة العربية السعودية، وكان يعبّر عنها لزمن طويل الرئيس الراحل صائب سلام الذي حاول التمدّد نحو طرابلس لكنه لم ينجح. وبعد الطائف عبّر عنها الرئيس الشهيد رفيق الحريري بشكل أقوى ونجح في التمدّد بقوة نحو المناطق حيث الامتداد السني، وتمكّن من إلغاء أو إضعاف جميع القيادات السنية غير المنضوية تحت عباءته. واستمرت مرجعية الرئيس الشهيد مع وريثه الرئيس سعد الحريري.

ـ مرجعية طرابلس التي كانت ترتبط بسوريا، وكان يمثّلها الرئيس الراحل عبد الحميد كرامي، ومن بعده الرئيس الشهيد رشيد كرامي، ثم الرئيس الراحل عمر كرامي. لكن الزعامة الكرامية لم تعمل للتمدّد خارج منطقة الشمال، وبقيت محافظة على هذا الحضور في عرينها. وبعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، سلّمت طرابلس ولاءها السياسي والتمثيلي للرئيس سعد الحريري.

أمسك الرئيس سعد الحريري بمرجعية سنّة لبنان بقوة. لكن غيابه الطويل عن لبنان منذ العام 2011، وتراجع خدماته ومساعداته والتوظيفات بسبب الصعوبات المالية التي يواجهها، ثم عدم قدرته على تمويل حملته الانتخابية، وغياب العنوان السياسي لمعركته الانتخابية… ساهموا جميعاً بضعف بنية تركيبته في العاصمة. لكن هذا الضعف ترجم نفسه بتراجع نسبة التصويت، بينما لم يحصل الخارجون من تحت عباءته على أرقام يمكن أن تشكّل قلقاً لدى الحريري، أقله في الوقت الراهن.

ولهذا، فإن خسارة الحريري لمقعدين سنّة في بيروت هي فعلياً خسارة مقعد واحد فقط، لأن المقعد الذي فاز به عدنان طرابلسي عن "جمعية المشاريع الخيرية" هو بدلاً من مقعد عماد الحوت عن "الجماعة الإسلامية"، بينما جاء فوز فؤاد مخزومي منطقياً، وكذلك الأمر بالنسبة للمقعدين الشيعيين اللذين كان الحريري يحتسب خسارتهما سلفاً استناداً إلى القانون النسبي.

أما بالنسبة للإمتداد الشعبي لحالة الحريري في المناطق، فقد جاءت ترجمة لواقع موجود منذ العام 2005، وكان القانون الأكثري يساعده على تجاوزها، خصوصاً أن تيار "المستقبل" ليس حزباً حديدياً بالمعنى السياسي، وإنما ما يزال حالة سياسية في حاضنة شعبية.

ولهذا، فإن خسارة "المستقبل" للمقعد السني الثاني في صيدا "منطقية" وهي تترجم التوازن الموجود في المدينة، بغض النظر عن نسبة هذا التوازن.

وفي الشوف، ثبّت الحريري حضوره القوي في إقليم الخروب.

كما أن خسارة "المستقبل" مقعداً سنياً في البقاع الغربي، هي أيضاً "منطقية" في ظل القانون النسبي. في حين أنه نجح في اختراق عرين "حزب الله" في البقاع بتأكيد منطق تمثيله في تلك المنطقة. و أكد "المستقبل" قوة حضوره في زحلة، وإن كان فوزه بمقعد واحد "غير منطقي" نسبة إلى حجم كتلة أصواته.

أما في الضنية، فقد كان الحريري يحتسب خسارته أحد المقعدين نظراً لموقع جهاد الصمد والقانون النسبي الذي فرض عليه توزيع الأصوات بين مرشّحين، ولهذا فإن فوز جهاد الصمد مؤجّل منذ العام 2009.

وفي المنية كرّس الحريري حضوره الكاسح، و"حاسب" النائب كاظم الخير على "عدم وفائه".

أما في عكار، فقد نجح الحريري بتأكيد مرجعيته وحيداً في الشارع السنّي، وتمكّن من تأمين فوز مرشّحه عن المقعد الماروني هادي حبيش الذي يمتلك رصيداً جيداً في شارعه، إضافة إلى تأمين فوز مرشّح "القوات اللبنانية" على لائحته. لكن اللافت في نتائج عكار هو حجم الصوت التفضيلي الذي حصل عليه المرشح على لائحة "المستقبل" وليد البعريني (20.426 صوتاً)، والذي كان الحريري نجح في "انتزاعه" من بيئة "8 آذار".

أما بالنسبة إلى طرابلس، فلها حسابات أخرى.

كانت قيادات طرابلس قد حاصرت زعامة عمر كرامي في انتخابات العام 2000 لإلغائه وسلّمت مرجعيتها الحريري، وقاد نجيب ميقاتي (الوزير آنذاك) عملية تقويض شعار "قرار طرابلس" الذي كانت ترفعه زعامة كرامي. وفي العام 2005 "بايع" ميقاتي "زعامة دم الرئيس الشهيد رفيق الحريري" مقابل توليه رئاسة الحكومة التي أشرفت على الانتخابات النيابية.

أما في العام 2009، فقد قاد الرئيس نجيب ميقاتي عملية إلغاء عمر كرامي من المعادلة السياسية وبالتالي إلغاء خصوصية الزعامة السياسية في طرابلس، ثم استكمل هذه العملية عندما نجح في اجتذاب قوى 8 آذار لتبنّي ترشيحه لرئاسة الحكومة بدلاً من كرامي بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري. ومنذ ذلك الحين في بداية العام 2011 حصل الافتراق بين الحريري وميقاتي، وبدأ مشروع ميقاتي لـ"استعادة زعامة طرابلس من سعد الحريري".

لكن التوازنات النيابية التي خرجت بها انتخابات 2009 وكان ميقاتي فيها من المحسوبين سياسياً في دائرة الحريري، كانت تضع ميقاتي في موقف ضعيف بسبب خشيته الدائمة من مزاج الشارع السني.

انتظر ميقاتي انتهاء ولاية المجلس النيابي ليبدأ بكتابة حيثيته الخاصة خارج مظلّة تيار "المستقبل"، إلا أن التمديد مرتين للمجلس مدة 9 سنوات جعلت ميقاتي يتحضّر طويلاً للتوقيت الذي سيتمكن فيه من "طرد" تيار "المستقبل" من طرابلس ليتولّى زعامتها وحده.

حان وقت الانتخابات، وجاءت وقت "الحساب". لكن ميقاتي قرّر عدم التحالف مع أحد في طرابلس يمكنه أن يشاركه لاحقاً الزعامة، وهو ما دفعه إلى التملّص من التحالف مع الوزير السابق فيصل كرامي بعد أن كانا لفترة طويلة شبه متفقين على خوض الانتخابات معاً. وكذلك الأمر بالنسبة للنائب السابق جهاد الصمد. حسبها ميقاتي جيداً: إذا تحالف مع كرامي والصمد فإنهما سيفوزان حتماً وهما لن يكونا محسوبين عليه، فضلاً عن أنه خشي من اتهامه بالتحالف مع قوى 8 آذار وسوريا.

أدار ميقاتي ظهره لكرامي والصمد، ولم ينفتح على "الجماعة الإسلامية" خشية إغضاب المملكة العربية السعودية التي تشارك في الحملة ضد "الإخوان المسلمين" في العالم العربي.

ابتعد ميقاتي عن كل المرشّحين الذين يمكن أن يشكلوا "نقزة" بالنسبة إلى سوريا أو السعودية أو إيران، وشكّل لائحة من شخصيات تنتمي إلى عائلات تقليدية في المدينة، ظناً منه أن هذه العائلات هي الأكثر تمثيلاً في المدينة، من دون أن يقرأ نتائج الانتخابات التي كانت تحصل نيابياً أو بلدياً والتي كانت تمنح أشخاصاً من البيئات الشعبية أصواتاً مرتفعة.

في حسابات ميقاتي، أن اللواء أشرف ريفي سيقضم من شارع "المستقبل"، وهذا سيستفيد منه في عملية توجيه ضربة للحريري في المدينة، وذلك بناء على حسابات الانتخابات البلدية.

وفي حسابات ميقاتي أيضاً أنه سيحصد 30 ألف صوت تفضيلي شخصياً، وأن أعضاء لائحته سيؤمنون له في المدينة نحو 15 ألف صوت، فضلاً عن نحو 15 ألف صوت من المنية والضنية يرفعون حاصله الانتخابي إلى أكثر من 60 ألف صوت في الدائرة، وهو ما يعطيه نحو 6 مقاعد حكماً قابلة للإرتفاع إلى 7 مقاعد في حال ارتفع الحاصل الانتخابي لمرشّحي لائحته في المدينة.

أما الحريري فقد حسبها جيّداً. حاصله الانتخابي في الضنية والمنية حوالي 25 ألف صوت، أما حاصله في طرابلس فهو مريح نسبياً بفعل القوة الانتخابية للوزير محمد كبارة التي شكّلت رافعة للائحة "المستقبل" تضاف إلى أصوات "التيار" في المدينة، إضافة إلى الرافد الانتخابي القوي الذي قدّمه النائب محمد الصفدي للائحة بالرغم من عدم ترشّحه. ونجح الحريري بهذه المعادلة في جمع نحو 27 ألف صوت سنّي في طرابلس، بينما جمعت لائحة الرئيس ميقاتي نحو 25 ألف صوت سني من أصل نحو 31 ألف صوت حصلت عليهم لائحته في طرابلس التي صوّت لصالحها نحو 40 بالمئة من المقترعين العلويين ونحو 40 بالمئة من أصوات المقترعين المسيحيين، في حين أن لائحة "المستقبل" لم تحصل على أكثر من 10 بالمئة من أصوات العلويين والمسيحيين.

لكن اللافت هو حجم الصوت التفضيلي الذي ناله الرئيس نجيب ميقاتي (21.300 صوت)، وهو رقم جيّد نسبياً بالمقارنة مع المرشحين الآخرين، ذلك لأن ميقاتي كان حريصاً على عدم توزيع الصوت التفضيلي على لائحته بهدف حصوله على رقم مرتفع كان يقدّره بنحو 30 ألف صوت، فجاءت النتيجة مفاجئة له في هذا السياق. في حين أن توزّع الأصوات على المرشحين في لائحة "المستقبل" وخصوصاً بين محمد كبارة وسمير الجسر وخلفهما ديما جمالي، يؤدي جمعها إلى التفوّق على الصوت التفضيلي لميقاتي، بمعنى أن الصوت التفضيلي للحريري في طرابلس ما زال أكبر من الصوت التفضيلي لميقاتي، وفي الحدّ الأدنى يوازيه.

أما التوازن الآخر الذي انكشف في طرابلس فهو في الحضور القوي للوزير السابق فيصل كرامي الذي أظهر حجم وقوة الأرضية الشعبية التي يستند إليها، وهو ما أعاد الزعامة الكرامية إلى التوازن السياسي في طرابلس ليكون شريكاً من خارج المواجهة بين "المستقبل" وميقاتي.

كما أثبت محمد الصفدي قوة حضور ثابتة لم تتأثّر بعدم ترشّحه، وهذا ما كشفته ماكينته الانتخابية التي سبقت جميع الماكينات الأخرى العاملة بإصدار النتائج، مما يدلّ على متانة الرصيد الشعبي للصفدي.

في المحصّلة، انتهت الانتخابات بصياغة التوازنات داخل الشارع السني، بحيث منحت سعد الحريري، لشخصه هذه المرة، من دون عنوان سياسي ولا إنفاق انتخابي، الزعامة الأقوى من دون منازع في الشارع السني، وهذا ما تكشفه الأرقام التي نالها الحريري وخصومه في الشارع السني.

بحسب الإحصاءات الأولية فإن نسبة المقترعين من السنّة لم تتجاوز 40 في المئة، أي أن عدد المقترعين بلغ نحو 400 ألف مقترع في مختلف المناطق اللبنانية من أصل 1.085.146 ناخباً على لوائح الشطب.

واستناداً إلى هذه الأرقام يمكن صياغة التوازنات داخل الشارع السني وفقاً للمعادلة التالية:

الإسم عدد الأصوات (تقريبي) النسبة المئوية
سعد الحريري 230.000 57.50 %
نجيب ميقاتي 35.000 8.75 %
عبد الرحيم مراد 15.000 3.75 %
فيصل كرامي

+

جهاد الصمد

25.000 6.25 %
أسامة سعد 10.000 2.5 %
سنّة 8 آذار

(في بعلبك الهرمل وبيروت والجنوب الثالثة وعكار والمنية)

25.000 6.25 %
الجماعة الإسلامية 15.000 3.75 %
جمعية المشاريع (الأحباش) 15.000 3.75 %
أشرف ريفي 6.000 1.5 %
الحزب التقدمي الاشتراكي 8.500 2.1 %

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.