من عائشة بكّار الى  أصحاب القرار.. لا بدّ من الحوار!

عون: "الأمر" لإنقاذ الوطن
ـ جورج  علم ـ

قبل أن تفلش الدالية الإنتخابيّة أغصانها فوق ساحة النجمة، وتتدلّى عناقيدها تحت قبّة البرلمان، سارع الرئيس نبيه بريّ الى ضرب الحديد وهو حام، وكرر موقفه القديم ـ الجديد: "المالية للشيعة، هكذا يقول الطائف"؟!.

كان المكان يغصّ بالمهنئين، قبل أن تعلن النتائج الرسميّة، وكانت الغالبية تتابع عمليات الفرز المعقّدة، عندما إختار التوقيت والمكان، ليوجّه رسالة قصيرة، على الهواء مباشرة، عبر الشاشة الصغيرة، الى "من يعنيهم الأمر"، ويفتح من خلالها الباب وسيعاً على "إستحقاقات ما بعد الإنتخابات"، مصوّبا على حقيبة المال، قبل البدء بالإستشارات النيابيّة الملزمة لتشكيل الحكومة الجديدة.

تركت الرسالة تموجات واسعة في الوسط السياسي، ورد الرئيس الحريري سريعا "ليس في الطائف عرف يقول بإسناد حقيبة المال للطائفة الشيعيّة، هناك عرف واحد إتفقنا عليه كلبنانيين، يقول بإسناد رئاسة الجمهوريّة الى مسيحي (ماروني)، ورئاسة المجلس الى شيعي، ورئاسة الحكومة الى سني، وخارج هذا العرف، لا يوجد عرف آخر لا قبل الطائف، ولا بعده".

كهرب الحريري الجو المكفهر أساساً، وإنطلقت مواكب " الدرّاجات المنفلتة" في الشوارع التي لها خصوصيّة سياسيّة ـ مذهبيّة، لإشعال فتنة، قبل أن يتدخّل رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون ورئيس الحكومة سعد الحريري طالبين من قيادة الجيش معالجة الوضع بحزم وسرعة، ووضع الأمور في نصابها الصحيح. وأمام هذا التوجّه المصمم سارعت الجهات المعنيّة الى "لملمة" الأمور، وعلى طريقة "ضربني وبكى، سبقني وإشتكى"، او على قاعدة أن "يخرج الجلاّد بثوب الحمل، ويقدم نفسه الى الرأي العام، على أنه الضحيّة".

والحقيقة تقال بأن هناك من يعتقد بأن "ثقافة الشارع" هي البديل الفاعل، المؤثر، الضاغط، المهيمن، الجاهز، المستنفر لإبلاغ الرسائل العاجلة، الحاميّة، الى حيث يجب أن تصل، ولو عل حساب الإستقرار، والسلم الأهلي. وقد راجت هذه الثقافة قبل أشهر في محيط ميرنا الشالوحي، ثم في شوارع الحدث، ردّاً على عبارة أطلقها رئيس "التيار الوطني الحر" وزير الخارجيّة جبران باسيل، ولولا العناية الآلهيّة لكان اللبنانيون اليوم في أسرى خطوط التماس، والطرق غير "الآمنة والسالكة"، وأيضاً لو لم تتدخّل هذه العناية في الوقت المناسب ليل الإثنين ـ الثلاثاء الماضيين، لكانت شرارة الفتنة قد إنتقلت من عائشة بكّار لتشمل سائر الشوارع والديار.

وتعتمد هذه "الثقافة" على فائض القوّة الناضح من "زواج المصلحة" القائم بين ثنائيّة لها تطلعاتها المحليّة، وخياراتها الإقليميّة، وهو "زواج" يحصد أعلى نسبة من المشاهدين بسبب حلقاته، والتي تدور حول إلغاء الآخر في الطائفة، وحصر التمثيل، والإستفراد بالمكاسب، والمغانم، والإستئثار بالغلال، والمال الحلال، وعلى قاعدة " علي يرث، وعلي لا يرث"، وتغليف كلّ ذلك بعباءة سميكة من الشعارات التي تتراوح من كرامة المواطن الى كرامة الوطن، وما بينهما من شعارات التحرير، والسيادة، والإستقلال، وبناء الدولة القويّة، القادرة، والعادلة، والتطلع لتحقيق الخدمات، ومعالجة مشكلة النفايات، ومشكلة المخدرات، والتسيّب المنفلت في الشوارع والطرقات..

ولم يكن الرئيس برّي المبادر الى نقر الدف كي يتفرّق العشّاق، بل سبقه نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، الذي بادر الى فتح معركة رئاسة مجلس النواب قبل أوانها، وأعلن قبل أسبوع من فتح صناديق الإقتراع، وبدء العمليّة الإنتخابيّة، بأن "الرئيس برّي هو رئيس مجلس النواب المقبل، ونقطة عالسطر". رسالة أراد أن يوجهها أولا الى رئيس الجمهوريّة، ومن ثم الى رئيس الحكومة، وبعده، رئيس تيار "لبنان القوي"، وسائر الكتل الأخرى التي أخذت مكانها على المقاعد النيابية في البرلمان الجديد. تبلغ الجميع الرسالة شكلاً، ومضموناً، وتوقيتاً، وأبعاداً، وخلفيات. الرئيس عون الآتي من مدرسة "شرف، تضحيّة، وفاء"، لم يعتد طوال تنشئته العسكريّة ـ الوطنيّة على هذا النوع من الرسائل. مثل هذا الأسلوب "ما بيمشي" ، والمرسل يعرف ذلك جيداً، وسلفاً، ويعرف أن طريقة التعاطي لها قواعدها، وترتيباتها، وفخامتها، وشياقتها، والتصويب العشوائي لا يصحّ دائماً في إصابة الأهداف المرجوّة. فضلاً عن ذلك فإن المتهافتين على ممارسة هواية الصيد في حديقة القصر الجمهوري، فاتهم بأن المواسم قد فاتت، والطيور قد غادرت. قالها الرئيس صريحة، ومنذ اليوم الأول لإنتخابه "عهدي يبدأ عند تشكيل أول حكومة بعد إجراء الإنتخابات النيابية للإنصراف الى وضع ما جاء في خطاب القسم موضع التنفيذ. والذين رفعوا البنادق، وأطلقوا الطلقات التحذيريّة، إنما جاء رصاصهم خلّباً، لقد فات الأوان، وما هكذا تورد الأبل، ومن يريد أن يطالب، ويشترط، ويملي، عليه أن يدرك سلفاً بأن هذا الأسلوب لا يؤدي الى أي مكان، سوى الى الفتنة، والأجدى البدء بالصوم المبكر، والإنقطاع عن الكلام، والهوبرات، والإملاءات، والرسائل المشفّرة، وغير المشفّرة، والدخول الى صومعة الحوار الهادىء الرصين المحرر من الإنفعالات، والإملاءات، والحساسيات للوصول الى قواسم جامعة تحدد معالم الطريق.

والرئيس الذي إستيقظ عند الرابعة من فجر السادس من أيار، ليقرأ التقارير، ويطلع على سير الإجراءات الأمنية، والإداريّة، واللوجستيّة قبل موعد إفتتاح صناديق الإقتراع، أراد أن يفتتح الصفحة الجديدة من عهده بالقليل من الكلام، والكثير الأفعال. لم يعد من مكان للمهاترات، ولا للتجاذبات، ولا للمناكفات، إلاّ إذا كان لدى البعض فائضاً من الإصرار على التصويب لمحاصرة القصر، والرئاسة، وإفشال المسيرة، والعودة الى التعطيل. ولم يهدأ الرئيس طوال ذلك النهار، من غرفة العمليات في القصر، الى حارة حريك لممارسة حقّه الدستوري، الى وزارة الداخليّة ليتفقد سير العمليّة الديموقراطيّة في جميع أقلام الإقتراع المنفلشة على مساحة ال 10452 كيلومترا مربعاً. ليعود بعدها الى غرفة العمليات في بعبدا، ويطلق من هناك نداءً الى جميع الموطنين  المترددين الى الإقدام بقوّة وكثافة على صناديق الإقتراع.

إن هذه الإحاطة الرئاسيّة لها مدلولاتها، وليست بحاجة الى شرح، لأن الذين تهافتوا على الترشح لحجز مقعد نيابي في ساحة النجمة، إنما يعرفون جيداً، ومسبقاً، أن في لبنان أزمة إقتصاديّة ـ إجتماعيّة ـ معيشيّة جديّة، يعرفون أن البلد "مفلس"، كما سبق وصرّح البطريرك الكاردينال بشارة الراعي، او هو على حافة الإفلاس، وأن المجتمع الدولي يعمل بجد وإجتهاد على توطين اللاجئين الفلسطينييّن، وعلى دمج مليوني نازح سوري داخل المجتمع اللبناني. ويعرفون مدى جدّية الضائقة الإجتماعيّة، أكثر من 40 بالمئة من شباب لبنان عاطل عن العمل. أكثر من 30 بالمئة من مصانع لبنان قد أقفلت أبوابها، أو هي على الطريق، وإن الهوّة ما بين خيارات المواطن، وحاجاته، وإهتماماته، وإهتمامات بعض من يدّعون الزعامة، والوجاهة تزداد عمقاً، وإتساعاً، وبالتالي لم يعد الزمن زمن تشاطر، و"مرر لي كي أمررّ لك"، لأن التحديات المسعورة المتأتية من الجوار الملتهب تحمل معها الى الساحة اللبنانيّة "فيروسات" قاتلة قد لا تتمكن المناعة الوطنية من مواجهة مضاعفاتها المدمّرة، الاّ بالوحدة، والتماسك، والتعاون على  إجتياز المطبّات.

يبقى أن الذين نشطوا لتهدئة النفوس والخواطر، قد أجمعوا على القول بأن المشهد في عائشة بكّار، وبعد مرور 24 ساعة على إقفال صناديق الإقتراع، لم يكن مشرّفاً على الإطلاق، سواء أكان عشوائيّاً إنتهازيّاً، أو مدبّراً. هناك من لا يزال يعوّل على "ثقافة الفرض"، إلاّ إذا كان القصد ـ كما يقول الرواي ـ إبلاغ سيد العهد بأن الأسلوب القديم الذي كان رائجاً في زمن العز الذي شهده المجلس القديم، سوف يتجدد، ويجدد لنفسه، ويفرض إيقاعه كأسلوب في التعاطي مع بداية ولاية المجلس الجديد، لكن هذا لا يتطابق والمواصفات المطلوبة، إلاّ إذا كان الرئيس بريّ قد أراد من خلال مطالبته بحقيبة المال أن يقرع باب الحوار مع بعبدا للوصول الى سلّة جديدة من التفاهمات، متكاملة المواصفات، حول كيفيّة معالجة الأولويات والتحديات… في هذه الحال سوف يجد باب الحوار مفتوحاً على مصراعيه دون الحاجة الى هذا الضجيج المفتعل…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.