"تفاهم معراب".. ينتصر مسيحياً

جوزف قصيفي

عندما أقر العماد ميشال عون (قبل أن ينتخب رئيساً للجمهورية) ورئيس "حزب القوات اللبنانية" سمير جعجع، "تفاهم معراب"، الذي جاء ثمرة جهد شاق استغرق أشهراً بين النائب ابراهيم كنعان ورئيس "جهاز الاعلام والتواصل" في "القوات" ملحم رياشي (وزير الاعلام في ما بعد)، راجت مقولة ان هذا التفاهم الموقع في تلك البلدة الكسروانية التي تحتضن المقر الرئيس لجعجع، يمثل ثمانين في المائة من الشارع المسيحي. هذه المقولة كانت موضع تشكيك العديد من الاحزاب والشخصيات السياسية المسيحية، وبعض هؤلاء وصل بهم الامر الى حد السخرية منها. ولكن نتائج الانتخابات النيابية اظهرت الحقائق الاتية:

* ان "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" حصلا على كتلة نيابية مسيحية وازنة تفوق الاربعين نائباً.

* ضمور حزب "الكتائب اللبنانية" الى حدود الثلاثة نواب: اثنان منهم في المتن والثالث في دائرة بيروت الاولى، وهو غاب عن سائر المناطق اللبنانية التي كان له فيها وجود مؤثر، وبعض من تحالفوا معه استخدموه سلّماً للارتقاء عليه ليؤمنوا الحاصل، ونتائج كسروان -جبيل وزحلة تثبت صحة هذا الاستنتاج.

* الصوت التفضيلي فضح بعض القوى والقيادات التي كانت تستمد قوتها من التحالف مع الآخرين، ومد خطوط من تحت الطاولة بعقد صفقات سياسية او مالية لتأمين فوزها. لكن هذا الصوت ضيق الخيارات كثيراً امام هذا النمط من القوى والقيادات، فلم تقوَ على الصمود امام إصرار الناخبين على اعطاء الأولوية للتصويت السياسي، وهو ما ينطبق على حال ميشال فرعون الذي أظهر ان الالتزام السياسي يتقدم على المصالح الانية والاستثمار في الخدمات الخاصة.

* ثبت بما لا يقبل الجدل ان القوتين اللتين تتقاسمان النفوذ السياسي والشعبي للمسيحيين، حتى إشعار آخر، هما "التيار الوطني الحر" و"حزب القوات اللبنانية"، ورفض الاعتراف بهذا الواقع هو نوع من المكابرة.

* ان ما بدا تعارضاً بين " التيار" و"القوات" قد يكون تكاملاً في شكل أو في آخر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق أو تفاهم مسبق، أو توزيع ادوار. لأنه في ظل القانون الانتخابي الجديد يستحيل التقاؤهما في لائحة واحدة، وحتى لو شاءا اللقاء، فإن طبيعة التنافس والميل الطبيعي للحصول على أكبر عدد من المقاعد النيابية، كانا سيحولان دونه.

على أن "التكتيك" الذي اتبعه حزب "القوات اللبنانية" اثبت جدواه، اذ لم يعمد إلى جمع أكثر من مرشح رئيس في لائحة واحدة لئلا يضطر الى تشتيت اصواته التفضيلية وتعرضه لخسارة، فكان هناك مرشح لكل دائرة، باستثناء زحلة وبشري. اضافة الى ذلك، فإن جعجع عمد الى تعبئة "صليبية" ـ اذا جاز التعبير ـ لضمان فوز مرشحه في دائرة بعلبك – الهرمل، وتمكن من ذلك بعد محاولات سابقة لم يكتب لها النجاح.

* ان امكان اللقاء بين كتلة "لبنان القوي" وكتلة "القوات اللبنانية" قائم، لأن هناك مشتركات تجمع بينهما، خصوصاً تعزيز حضور المسيحيين في الدولة، واعادة الاعتبار لهذا الحضور، من خلال تحقيق التوازن واصلاح الخلل الناتج من المقاطعة المستمرة والغياب المتمادي لهؤلاء عن الانخراط في القطاع العام والجيش والمؤسسات الامنية، خصوصاً بعدما توافرت لهم مظلة تمثيلية وازنة ومؤثرة في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وعلى الرغم من التناقض الظاهر بين شخصيتي الوزير جبران باسيل وسمير جعجع، فكلاهما يمتلك ذكاءً حاداً، وعقلاً براغماتياً، ويمكن لتعاونهما أن يحقق نتائج بارزة تزيل ما علق بالمسيحيين من شعور بالقلق من الغد، إذا تمسكا بالثوابت واحترم كل منهما حرية الآخر في عقد التحالفات والثبات على الخيارات السياسية الخلافية. فلا تكون علاقة باسيل مع "حزب الله" وعلاقة جعجع مع خصوم الحزب سبباً لتعكير الصلات بينهما، طالما أن هناك مشتركات عدة تشكل جامعاً نوعياً لكليهما.

ان الانتخابات النيابية بما افرزته من نتائج، هي بنظر شخصيات مسيحية متابعة فرصة للقوى المسيحية الرئيسة لفرض الاستقرار السياسي داخل المجتمع المسيحي في لبنان عبر أمرين متلازمين:

أ- الحفاظ على روحية اتفاق معراب، والتقيد بمضمونه.

ب- تنظيم الخلاف اينما وجد اذا استحال انهاؤه، ويقول خبراء سياسيون ان فرحة النصر هي ساعة، لكن الحفاظ عليه هو عمل موصول على مدار كل ساعة، فاذا استطاع "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية" تثمير ثقة الرأي العام المسيحي بهما، فإنهما يؤسسان لريادة المجتمع المسيحي لفترة طويلة، واذا اخفقا، فإنه سيعمد الى المحاسبة وسحب ثقته، وعندها تعود القوى التقليدية التي اخرجتها الانتخابات الاخيرة من الباب الواسع. ان نجاحهما في الحفاظ على ما عاهدا الناس، دون ان يستبد بهما غرور وجنوح الى الاستعلاء، سيمكنهما من احتكار المبادرة والبقاء في الصدارة.. والا تكون التجربة عابرة ومجرد ذكرى.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.