6 أيار.. وتكرار المكرّر

نورما أبو زيد

"نَعِمَ" اللبنانيون طويلاً بـ "نعمة" النسيان، ولكن اتّضح مؤخراً أنّهم لم يعودوا مشمولين بهذه "النعمة".. هذا ما يمكن استخلاصه من نتائج انتخابات 6 أيار النيابية.

على الرغم من النعيق الطائفي، والوعيد المذهبي، كلّ حسب ما تقتضيه دائرته، نسبة عالية جداً من الناخبين قاطعت عملية الاقتراع، اقتناعاً منها بأنّ الطبقة الحاكمة لا تجيد سوى التقريع، فيما نسبة متدنية من الذين يحقّ لهم الانتخاب، توجّهت إلى صناديق الاقتراع، اقتناعاً منها بضرورة التصويت للطائفة والمذهب والحزب والبيت السياسي و.. و.. و…

اللبنانيون الذين يفتقرون إلى الماء، والكهرباء، ووسائل النقل الجماعية، والطبابة المجانية "الصحية"، والتعليم المجاني "المفيد"، قسم منهم لازم منزله في اليوم الانتخابي الهزيل، وقسم توجّه بكامل قواه العقلية للمساهمة في "العملية الديمقراطية". الذين اقترعوا، انتخبوا الذي يحرمهم من أبسط حقوقهم، دون أن يرفّ لهم جفن، وعادوا إلى منازلهم وناموا ملء جفونهم.

صحيح أنّ هؤلاء لا يشكلون الأكثرية، وأنّ الأكثرية بقيت صامتة في هذه الانتخابات النيابية، ولكن قرارهم بالاقتراع لنفس الطاقم السياسي الذي لا يحمل مشاريع تغييرية، أثّر سلباً على قرار الأكثرية المقاطعة. لقد أسبغ المقترعون شرعية على الطاقم السياسي الذي يفتقر إلى الأهلية السياسية.

عشية الانتخابات النيابية، نشر معهد "غالوب" المعروف عالمياً بدقته وحرفيته، دراسة تظهر انعدام ثقة اللبنانيين بنزاهة الانتخابات. 15 بالمئة فقط من الذين استطلعتهم الدراسة عبروا عن ثقتهم بأنّ الانتخابات ستكون نزيهة، في مقابل 39 عبروا عن ثقتهم بنزاهة الانتخابات في دراسة مماثلة أجريت عشية انتخابات 2009.

تدنّت ثقة اللبنانيين خلال 9 سنوات بطاقمهم السياسي 24 نقطة، وإذا استمرينا على هذا المنوال، قد لا تجد المعاهد المستطلعة في انتخابات 2022 النيابية من يمحضّ هذا الطاقم ثقته.

التشكيك بنزاهة الانتخابات، يعني عملياً التشكيك بنزاهة الطاقم السياسي الذي أدار هذه الانتخابات ويدير البلد من الجد وصولاً إلى ولد الولد. عندما يذهب اللبنانيون إلى هذا الحدّ من التشكيك، يبطل العجب من ظاهرة المقاطعة الشعبية التي صدمت القوى السياسية. هذه القوى التي استنفرت طيلة اليوم الانتخابي لتحسين إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع طلباً لشرعية مفقودة.

قاطع الناخبون، لأنّهم لم يجدوا في هذه الطبقة الحاكمة فضيلة واحدة. قاطع الناخبون اعتراضاً على الخطاب والأداء والممارسة.

الناخب المسيحي كان الأكثر مقاطعة لانتخابات 6 أيار. ومن ثمّ الناخب السنّي، وتلاهما الناخب الدرزي. بينما الإقبال كان كثيفاً لدى الناخب الشيعي، علماً أنّ المعارك الانتخابية لم تكن حقيقية في معظم الدوائر الانتخابية من بقاعية وجنوبية، والمعركة شبه الوحيدة كانت في دائرة بعلبك – الهرمل.

في القراءات، قد يحدّثك البعض عن علم وجهل. قد يقول لك إنّ "العالمين" لا يريدون تكرار المكرّر، وأنّ "الجاهلين" لا يدركون أنّهم بتكرارهم للمكرّر إنما يلحقون الأذى بأنفسهم قبل سواهم. هذا في التحليل السطحي، أمّا في التحليل العميق، فللاقتراع الكثيف في "دوائر التزكية" دلالاته، وللاقتراع الطفيف في "دوائر المعارك الحقيقية" دلالاته أيضاً.

المحبط لا يقترع. وليس من قبيل الصدفة أن تكون نسبة الاقتراع لدى المسيحيين الأدنى على صعيد لبنان. وأن تحلّ الطائفة السنية في المرتبة الثانية ضمن جدول المحبطين، وأن تحلّ طائفة الموحدين الدروز في المرتبة الثالثة. هل سأل مسؤولو الطوائف أنفسهم، لماذا طوائفهم لم تقترع لهم؟ هل سألوا ما إذا كانوا امتنعوا لأسباب سياسية أو اقتصادية أو أمنية؟

تقود هذه الأسئلة التي لم يطرحها أحدهم على نفسه إلى حاصل سياسي أسود في يوم لبنان الأسود. 6 أيار هو يوم أسود. في 6 أيار 2018 كرّرنا المكرّر سياسياً، وفي 6 أيار 2018 هناك من حرص على تكرار 6 أيار 2008. فما العبرة من تكرار الخاسر لـ  6 أيار؟ وما العبرة من تكرار الرابح لـ 6 أيار؟

في الحالتين ما يشي بأنّ الآتي أعظم.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.