الانتخابات ـ الضحية: رابحون وخاسرون

رين بريدي

لم تتجاهل المملكة العربية السعودية "عيد" الرئيس ميشال عون الأول في قصر بعبدا، أرادته مميزاً، وقدّمت له "مفاجأة ـ هدية" بهذه المناسبة.. فمع إطفائه الشمعة الأولى له في قصر بعبدا، أطفأت السعودية "شمعة الأمل" بـ"العهد القوي" الذي وعد به الرئيس عون.

أسئلة كثيرة تدور في ذهن اللبنانيين منذ أن أعلن الرئيس الحريري استقالته، هل حقاً أجبر الحريري على هذه الإستقالة؟ أو أن هذه هي قناعته الشخصية؟ هل يقوم بالضغط على الحكم بهدف تعزيز شروطه أو تعزيز موقفه في الإنتخابات انطلاقاً من أن شعبيّته قد تراجعت في الشارع؟

منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في ١٤/٢/٢٠٠٥ دخل لبنان في نفق أسود، وقعت سلسلة طويلة من التفجيرات والاغتيالات. ثم حصل عدوان تموز 2006. وصولاً إلى 7 أيار 2008.

ازداد الوضع اللبناني سوءاً مع إسقاط حكومة الوحدة الوطنية التي كانت برئاسة سعد الحريري. ثم حصل تدخل "حزب الله" في الحرب السورية بشكلٍ علني. أضف إلى ذلك كلّه فترة الفراغ الرئاسي التي كان أثرها سلبياً بإمتياز على لبنان وعلى المجلس النيابي الذي قام بالتمديد لنفسه ثلاث مرات متتالية.

عندما حصلت الإنتخابات الرئاسية وأصبح العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، شعر القسم الأكبر من اللبنانيين بالراحة التي كانت قد فقدت، واعتبروا بأنه مع بداية هذا العهد الجديد سوف يستقر الوضع في البلد وبالتالي سوف يستعيد نشاطه وحيويته من أجل إنطلاقة جديدة. لكن هذه الآمال تحطمت..

معظم الأحزاب السياسية اللبنانية لم تكن مطمئنة إلى إستقالة الرئيس سعد الحريري بحكم وقوعها في وقت غير مناسب و ظروف ملتبسة جدا.

رئيس الجمهورية ينتظر ويتريّث في اتخاذ القرار، وقد نجح في تأمين إجماع وطني على أدائه السياسي في هذه المرحلة. والتعاون بين القوى السياسية، وحالة التعاطف مع الحريري، نزعت فتيل الانفجار الداخلي، بل على العكس، تحوّل فتيل الانفجار إلى رابط قوي في مواجهة الأزمة. حتى الشارع السنّي بقي محافظاً على هدوئه.. الصدمة فعلت فعلها، ثم الاستيعاب الذي مارسته القوى السياسية نجح في احتواء وامتصاص ردود الفعل الانفعالية.

مع رئيس الجمهورية، جاء موقف متناغم من رئيس المجلس النيابي نبيه بري. ذهب بري إلى أبعد الحدود في تفسير دستورية خطوة رئيس الجمهورية بالتريّث في قبول الاستقالة الإعلامية.

أما على مستوى القوى السياسية، فإن موقف الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، كان ممتازاً في فهم مخاطر المرحلة، وعطّل كل صواعق التفجير المربوطة باستقالة الحريري، بل وتمكّن من استيعاب الشارع وتخفيف الانفعالات.

رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" النائب وليد جنبلاط بدا متحمّساً لهذا الاصطفاف الإيجابي.

بعد ذلك انضبطت مختلف القوى السياسية تحت سقف هذا الاصطفاف، وقدّمت نموذجاً عن قدرة هذه القوى على التعامل مع الحدث ـ الأزمة بمستوى وطني استثنائي.

ولولا بعض الأصوات التي أرادت تسجيل موقف من باب تسجيل النقاط، لأمكن القول إن الإجماع الوطني كان غريباً جداً على قضية واحدة.

أما القيادات السنّية، فقد انقسمت بين فريقين: فريق يدعو إلى الاستعجال بقبول الاستقالة وبدء الاستشارات الملزمة من أجل تكليف شخصية تأليف حكومة جديدة، وفريق أيد استراتيجية وأداء رئيس الجمهورية. لكن المفارقة، أن بعض القيادات من داخل تيار "المستقبل" كانت تغرّد "خارج سرب" توجهات التيار الذي يتولّى القيادة فيه الرئيس فؤاد السنيورة. حتى أن بعض نواب "المستقبل" طالبوا رئيس الجمهورية بقبول استقالة الحريري على قاعدة أنها دستورية.

أما الموقف الأشد غرابة فكان من الرئيس نجيب ميقاتي الذي أعلن أنه غير مرشّح، لكنه كان أول من استعجل قبول الاستقالة وتقدّم بطرح تشكيل حكومة تكنوقراط لإجراء الانتخابات. إلا أن ميقاتي حاول الاستدراك بعد لقائه رئيس الجمهورية، معلناً تأييده التريّث.

أما "القوات اللبنانية" فقد استعجلت أيضاً تفسير الاستقالة ووظفتها في الإطار السياسي الداخلي، معتبرة أنه "كان لا بد من حصولها منذ وقت طويل".

الانتخابات النيابية ـ الضحية

أياً تكن النتائج التي ستنتهي إليها الأزمة الحالية، فإن الانتخابات النيابية في أيار 2018 ستكون مهدّدة. على الأرجح أن هذه الانتخابات صارت في مهب الريح، إذا لم تكن قد طارت فعلاً.

أساساً كانت هناك قوى لبنانية ذاهبة على الانتخابات النيابية مرغمة، وكانت تتمنى لو يحصل تأجيل جديد لها لتجنّب تجرّعها كأس الخسائر التي ستمنى بها، فضلاً عن الكلفة المالية التي ستنفقها على الانتخابات في ظل غياب التمويل الخارجي لها.

 متحمّسون.. للتأجيل والتعجيل

كان الرئيس سعد الحريري أكثر المتحمسين لتأجيل الانتخابات في أيار. لم يتمكن الحريري من لملمة صفوف تياره الذي أصيب بنكسات كبرى نتيجة غيابه عن البلد وغياب الانفاق. من وجهة نظره أنه يحتاج على وقت أطول كي يستطيع تطويع المتمرّدين عليه أو عزلهم. كما أنه لا يستطيع في ظل صفوف متراخية خوض حروب على أكثر من جبهة، خصوصاً أن الجبهات المفتوحة عليه نجحت في اختراق صفوف تياره وفي تحسين وضعها، فضلاً عن الانشقاقات التي أضعفت هيبة التيار. أضف على ذلك الشهية المفتوحة لحلفاء الحريري المسيحيين، القدامى والجدد، لانتزاع المقاعد المسيحية من حصته.

لكن تيار "المستقبل" كان يريد تأجيل الانتخابات في ظل وجود رئيسه على رأس السلطة التنفيذية كي يتمكّن من تحسين وضعه الانتخابي، فكيف الأمر في ظل غياب الرئيس عن موقعه وحالة الارباك والارتباك التي ضربت عميقاً في صفوف التيار؟

في المقابل، فإن القوى الأخرى في الشارع السني تريد إجراء الانتخابات اليوم قبل الغد، لأنها تعتقد أن الفرصة مؤاتية لانتزاع حصرية التمثيل السني من "تيار المستقبل"، وبالتالي إعادة التنوع والتعددية السياسية في التمثيل السني والتي كان ألغاها الرئيس الشهيد رفيق الحريري خلال فترة حكمه.

ينضمّ إلى الراغبين بتأجيل الانتخابات النائب وليد جنبلاط، فهو يرى أن الظروف لم تنضج بعد لتولّي نجله المهمة التي أورثه إياها، فضلاً عن التحديات الانتخابية المتقلّبة بين يوم وآخر، مما قد يتسبّب بخسارة انتخابية له في عرينه. بينما يعتقد النائب طلال أرسلان ان الفرصة مؤاتية لتثبيت حضوره استناداً إلى القانون الانتخابي الجديد.

أما الثنائي الشيعي، المكوّن من "حزب الله" و"حركة أمل"، فإنه متحمّس لإجراء الانتخابات في موعدها، وإذا أمكن قبل موعدها، لأنه يعتقد أن فريقه السياسي سيحقق انتصاراً في هذه الانتخابات ويحصل على الأغلبية. أما في الوسط الشيعي، فإن هذا الثنائي لا يمانع بخسارة بعض المقاعد، لأنه يريد الحصول على مقاعد في طوائف أخرى كي يكسر الطابع المذهبي للفريق السياسي الحليف. فالثنائي الشيعي يدرك أن قانون الانتخابات الجديد سيؤدي إلى خسارة بعض المقاعد الشيعي، لكنه سيؤدي إلى مكاسب أكبر في الشارعين السني والمسيحي، فضلاً عن أن القوى الشيعية المناوئة لن تستطيع تحقيق انتصار وازن، وغنما مجرد خروقات بسيطة و"مدروسة".

من جهته، يتمسّك "التيار الوطني الحر" إجراء الانتخابات النيابية في موعدها في أيار، وهو يواصل إعداد العدة لتحقيق انتصار قوي في المقاعد المسيحية شبيه بـ"تسونامي" انتخابات 2005، لأنه يريد التمهيد لمعركة انتخابات رئاسة الجمهورية منذ اليوم، فالفوز بأكبر عدد من المقاعد المسيحية في مجلس النواب يقطع الطريق على كل الطامحين من خارج "التيار الوطني الحر" بالوصول إلى قصر بعبدا. لكن عين التيار موجهة خصوصاً على "الحليف ـ الخصم" سمير جعجع وحزب "القوات اللبنانية"، وكذلك على الحليف "المتمرّد" رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية، إضافة إلى محاولات رئيس حزب "الكتائب" النائب سامي الجميل قضم مساحة له في هذا "الصحن الانتخابي" المسيحي.

فهل من ظروف أفضل لإجراء الانتخابات بينما يمسك التيار اليوم بالحكم؟

أما "القوات اللبنانية" فهي تستعجل الانتخابات قبل أن يتمكّن "التيار الوطني الحر" من الإمساك بكل مفاتيحها، وبالتالي تصبح "القوات" طرفاً ضعيفاً في الشارع المسيحي في حين أنها تعتقد أن حصتها الحالية هي أقل من حجمها وتمثيلها.

وبالنسبة لـ"تيار المردة" فإن النائب سليمان فرنجية يعتقد أن "التيار الوطني الحر" يشنّ حرب إلغاء ضده بشكل مباشر، فضلاً عن أنه يرى أن نتائج هذه الانتخابات ستؤثّر على انتخابات رئاسة الجمهورية لاحقاً. ولهذا فإنه يعمل على قاعدة أن الانتخابات لا بد من حصولها، وبالتالي لا بد من مواجهة رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل لإضعافه في منطقته، وإذا أمكن منعه من الفوز بمقعد نيابي، وهو هنا يتقاطع في الهدف مع "القوات اللبنانية".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.