"جرّة" التسوية

نورما ابو زيد

هي أكثر من استقالة، قدّمها رئيس الحكومة سعد الحريري، ليس لأنّها جاءت نافرة من حيث الشكل، بل أيضاَ لأنّها كانت فاقعة من حيث المضمون. كسر الحريري جرّة التسوية التي أتت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وبه رئيساً للحكومة. فتح فصلاً جديداً من الحرب الساخنة بين الرياض وطهران على الساحة اللبنانية، وأدخل البلاد في نفق مظلم بلا أفق مضيء.

الحريري الذي ترأس حكومة لبنان لمرتين، الأولى عام 2009، والثانية عام 2016، لن يدخل "جنّة" الحكومة مرّة ثالثة، إلاّ إذا عاد إلى لبنان على ظهر دبابة سعودية. وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: هل استقال الرجل من رئاسة الحكومة أم استُقيل؟ وبمعنى آخر هل انتحر الحريري سياسياً أم انتُحر على الطريقة السوريّة؟

ثمّة من يعتبر أنّ زيارة مستشار المرشد الإيراني علي خامنئي، علي أكبر ولايتي للحريري، شكّلت دافعاً لاستقالته. وجهة النظر هذه تقول إنّ ولايتي أملى على الحريري عدم الانجرار وراء التصعيد السعودي بكلام استعلائي، فتحسّست المملكة من كلامه وطلبت من "ابنها البار" سحب أوراقه من الحكومة التي يرأسها، ولكن على مقلب رئيس الجمهورية و"حزب الله" وصحبه، يُنظر إلى الحريري على أنّه "معتقل" في الرياض واجب تحريره، وبالتالي يُنتظر الإفراج عنه.

إلى اليوم، لا أحد يستطيع أن يؤكّد ما إذا كان الحريري "رهينة"، طالما أنّ الرجل لم يخرج عن صمته، وقد لا يخرج عنه، ولكن الأكيد هو أنّه منذ تفجيره لقنبلة استقالته، والتساؤلات اللبنانية كثيرة حول مصيره في السعودية، خاصةً وأنّ الاستقالة التي تمّت في وضح نهار السبت الفائت، استُلحقت بـ "ليلة القبض" على أمراء المملكة.

لا يكفي أن تظهر صور الرئيس الحريري في الإعلام مع الملك سلمان في قصر اليمامة، كي نقول إنّه ليس "أسير" السياسة السعودية، ولا يكفي أن نراه يجول خارج المملكة، كي نقول إنّه طليق، ولا يكفي أن يأتي إلى لبنان كي نقول إنّه حرّ. فربّما تنظر إليه المملكة على أنّه واحد من أبنائها كونه يحمل جنسيتها، وتعتبر أنّ من رفّعه درجة عن أمراء آل سعود المحتجزين ما ظلمه.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.