هكذا يفكّر السنّة.. في "اللحظة الوطنية"

طارق المبيّض

من الصعب جداً قراءة المزاج السني بعد اعلان الرئيس الحريري استقالته، فالمزاج الشعبي عادة ما يكون كثير التقلب، خصوصاً في مثل هذه الصدمات السياسية الكبيرة التي تحدث صدوعاً في الرأي العام، فكيف اذا كان الأمر يتعلّق باستقالة زعيم السنة الاول سعد الحريري وابن الزعيم التاريخي رفيق الحريري الذي يعتبر الزعيم السني الابرز للسنة في التاريخ الحديث للبنان.

لقد احدثت الاستقالة نوعاً من الصدمة التي لم يستوعبها ذلك الشارع الذي يُسلّي نفسه بأخبار تتوارد من جهات متعددة حول حيثيات الاستقالة وما بعدها، وعن وضع الرئيس الحريري وتوجهاته، وخياراته السياسية في لبنان، وشكل الحكومة ووضع السنّة داخل المعادلة السياسية التي اختلّت بعد استقالة الحريري المفاجئة، لدرجة ان رئيس المجلس النيابي نبيه بري قال بعد زيارته مصر: "كان بالإمكان توقع سقوط قنبلة ذرية على لبنان، ولكن من غير المتوقع استقالة الحكومة".

ان شكل الصدمة لا يقتصر على كونها استقالة رئيس حكومة، فالتاريخ السياسي اللبناني مليء باستقالة حكومات ورؤساء حكومات، وانما كانت الصدمة بشخص الرئيس الحريري وما يشكل من رمزية لدى الطائفة السنية. كما ان خطاب الاستقالة، بمعناه الفعلي ـ النفسي كان الاعلان فجأة باسم السنة التخلي عن التسوية السياسية مع الأطراف الحزبية والطائفية الاخرى، وايذاناً بالدخول في مجهولٍ عنوانه حياة الرئيس الحريري السياسية اولاً، وشكل الحياة السياسية في لبنان ثانياً، ومستقبل العلاقة بين السنة وطرف اساسي يمثل الشيعة هو "حزب الله"، بعد خطاب سعد الحريري الذي وجه انتقادات لاذعة للحزب والدعم الايراني الذي يتلقاه.

ان عائلة الحريري هي بحق العائلة التي حازت على اكبر تعاطف من اللبنانيين في العقدين الاخيرين، كانت ذروة التعاطف ذلك بعد الاعلان عن استشهاد رفيق الحريري بمتفجرة في بيروت، لقد ترسخت في اللاوعي عند السنة صورة ذلك الرجل الممدد على محمل الاسعاف، ليقول بعد ذلك احد السياسيين القريبين منه، "انه رفيق الحريري، لقد عرفناه من الخاتم الذي كان في اصبعه"…

كانت حينها الصدمة الاقوى التي دفعت الكثيرين الى البكاء، واعتبار ان النزول الى الشارع هو "فرض عين" على كل مسلم بلغ ام لم يبلغ الحلم، وفي تفكير كل من نزل الى الشارع حينها أنه لا يدافع فقط عن "دماء رفيق الحريري" بل عن "الجماعة الطائفية" التي يمثلها هذا الرجل. وحالت النتائج المتسارعة لما سمي ثورة الارز دون تمدد "الاحباط" حينها، بل حولته الى تفاؤل أنتج خروج الجيش السوري بارادة اميركية ودعم شعبي لبناني، اضافة الى فوز برلماني حمل ابن الشهيد، سعد، الى زعامة طائفة ظلت تغفر كل زلاته وتراجعاته ولقاءاته مع عدو الامس، ليس لأنها مقتنعة بخطواته، بل لأنها تستشعر أنها اذا قامت على زعيمها او اختارت بديلا عنه، فان ذلك سيقدم خدمة مجانية الى الاطراف الاخرى التي تعتقد الطائفة انها تستهدفها.

ولكن الاحداث المتسارعة في المنطقة، وتراجع الحريري في بيئته لعدة اسباب اقتصادية وسياسية، وبروز منافسين له داخل الطائفة، اضافة الى بداية تقبّل "سنة 8 آذار" داخل شارعهم بعدما استمروا في عملهم ووقوفهم الى جانب ابناء ذلك الشارع، كل ذلك عدل من الصورة، فلم يعد سعد الحريري الزعيم الاوحد، وان كان لا يزال الزعيم الاول، وهذا ما فسر خلال الايام الماضية مستوى التعاطي مع خطاب استقالة تاريخي كالذي القاه الحريري في الرياض بما يحمل من معانٍ سياسية، وبما يحمل ايضاً من هواجس لطائفة يمثل هو معظم نوابها في البرلمان ويشغل منصبها الاول في الدولة.

لقد كانت الصدمة كبيرةً جداً دفعت ممن ابتعدوا قليلا عن خط الحريري الى الرجوع اليه، والعودة الى الدفاع المستميت عنه وعن آرائه، وهم في ذلك يحملون حجة قوية، بأنهم عادوا الى حاضنة "المستقبل" بعد ان عاد سعد الى ثوابته وتخلى عن "التسوية السياسية" التي اوصلت عون الى رئاسة الجمهورية واعطت الفريق الآخر الغالبية في مجلس الوزراء واعادته هو شخصيا الى رئاسة الحكومة.

لكن هذا الدفاع المستميت والالتفاف حول سعد الحريري والتعصب له، كاد ان يكون مضاعفا وربما جنونيا لولا الخطاب الاخير للأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله الذي بدا بنفس درجة الحرص لدى جمهور "تيار المستقبل" على عودة سعد الحريري الى الحكومة، بل اكثر من ذلك، رفض ان يرد على فحوى خطاب الاستقالة، مع ما كان يحمله هذا الرد من امكانية دفع الشارع الى التصعيد والعودة الى اصطفافات أشد من تلك التي كنا نتابعها قبيل الانتخابات النيابية في الدورتين الماضيتين.

لم يجد جمهور سعد الحريري وكل من يحب هذا الرجل ذو الكاريزما المميزة والضحكة التي لا تفارق وجهه، لم يجد أحداً "يفش خلقه" فيه، فكل القيادات السياسية حريصة على زعيمه وليس هناك من مؤامرة داخلية لإبعاده او اقصائه على غرار ما حصل في حكومته السابقة. لذلك فان هذا الجمهور سيبقى مترقباً عودة الرئيس الحريري الى لبنان، او بقاءه في الخارج مع توجيه خطاب من القلب الى القلب الى شارعه يشرح له فيها بإسهاب ظروف الاستقالة، التي لم يتحدث عنها الا في دقائق معدودة عبر شاشة قناة "العربية".

شارع "8 آذار " داخل الطائفة السنية بدوره يبدي تعاطفه مع الرئيس الحريري على مستوى القواعد، فيما التزم عدد من القيادات الصمت. وكانت هناك دعوات عديدة من قبل رموز معينة  في هذا الشارع الى عودة الرئيس سعد الحريري الى لبنان، وهم في ذلك لا يخرجون عن المنطق، منطق ان هناك تسوية حصلت في البلد وان الرئيس الحريري ليس رئيساً لحكومة تيار "المستقبل" أو السنّة بل رئيساً لحكومة لبنان، وهم في ذلك أيضاً يتماشون مع الخطاب العام لدى أفرقاء "8 آذار" الذين دعوا الى التهدئة ومعالجة الامور بحكمة، وخير من وصف هذه المرحلة هو وزير الخارجية جبران باسيل الذي قال بعد خروجه من دار الفتوى: "نحن امام لحظة وطنية كبيرة، ويمكن تحويل هذه الازمة الى فرصة من خلال تكاتفنا".

اما في الشارع السني، فان الجميع يبحث عن "وحدة الطائفة السنية" في ظل خوف جدي بعد استقالة الرئيس الحريري من خروجها من المعادلة السياسية، وتأكيد الحديث عن "إحباط سني" يختتم حلقته الاخيرة في لبنان بعدما كان قد بدأ في سوريا والعراق. بل إن الخوف الباطني، بحسب "النخبة المثقفة"، هو أن يكون الهدف من استقالة الحريري "التضحية بسنّة لبنان" ونسف التسوية السياسية التي أقامها الرئيس سعد الحريري منذ سنة تقريباً، في مقابل اجراء تسويات سياسية في أماكن اخرى في هذا العالم العربي…

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.