توازن القوى في الشارع السنّي

ملف: "زمن الإحباط السني"!

محمد شرف الدين

بعكس غيرهم من الطوائف، لا يتركز السنة في مناطق خاصة، اذ امتازوا بالاختلاط الواسع مع المكونات اللبنانية الأخرى لاسيما أنهم توزعوا على المدن الكبرى مثل بيروت وطرابلس وصيدا، نتج عن هذا الواقع أحزاب وتيارات اتسمت معظمها بالانفتاح والاعتدال، لكن ذلك في المقابل انعكس على عقيدة هذه الأحزاب التي يغلب عليها الطابع "المرن" أكثر من كونها تنظيمات سياسية ذات ايديولوجية "حديدية".

كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، نقطة تحول في ثوابت سنّة لبنان. سقطت مفاهيم كثيرة لصالح شعارات حديثة لطالما نبذها سنّة لبنان. يومها شعر السنّة أن زخم حضورهم الوازن في المعادلة اللبنانية هو المستهدف في الاغتيال من خلال اغتيال رفيق الحريري.

منذ ذلك الحين، والمخاض السنّي لما ينته بعد، وقد تعرّض لضربات متتالية زادت من حجم الخوف على الموقع والدور، فارتفع هاجس الإحباط، خصوصاً في ظل ممارسة عرجاء للسلطة السياسية التي تولاها أصلاً التيار الأبرز والأقوى في الشارع السنّي.

وعلى الرغم من "تسونامي" السنّة في 2005 و2009، إلا أن ذلك لم يستطع إلغاء باقي القوى السنّية.

من هم السنّة الفاعلون في لبنان؟ ما هي قواهم وتعبيراتهم السياسية. ما هي الإطارات السياسية التي يلتقون فيها؟

 "تيار المستقبل"

ما تحمله صناديق الاقتراع ليس العامل الوحيد الذي يضع شروط "اللعبة السياسية" في لبنان، بل هي نتيجة توازنات إقليمية ودولية في معظم الأحيان.

بعد اغتيال والده، لم يرث سعد الحريري السلطة والمال فقط، بل القاعدة الشعبية الواسعة والعلاقات المتينة مع السعودية وفرنسا، فكان تياره مكتمل العناصر لخوض معارك السياسة اللبنانية. استطاع تيار "المستقبل" أن يفرض نفسه قريقاً سياسياً فاعلاً وأصبح الوجهة الانتخابية للأغلبية السنية، ليس لقوته الذاتية فقط، بل لعدم امتلاك باقي الأطراف السنية المقومات المطلوبة.

استمر "تيار المستقبل" متربعاً على عرش الزعامة السنية المطلقة تقريباً حتى 2008، إذ بدأ دوره يتراجع بعد أحداث "7 أيار" وصولاً الى سقوط تسوية الـ "س ـ س" والإطاحة بحكومة سعد الحريري الأولى بسبب استقالة وزراء "8 آذار" و"التيار الوطني الحر"، ليمكث الحريري في منفاه الاختياري متنقّلاً بين السعودية وفرنسا ثلاث سنوات قضمت ممن شعبيته الكثير، خصوصاً وأنه عاد مصاباً بأزمة مالية كادت أن تنهي مسيرته السياسية.

أعاد الحريري خلط أوراقه وشكل تحالفات جديدة أعادته الى السلطة نتيجة التسوية الرئاسية، وبدأ "المستقبل" ينهض من جديد، الى أن تم استدعاء الحريري الى السعودية حيث أجبر على الاستقالة، لكن الحريري عاد محصناً بشعبية أنتجتها اجراءات سعودية لم تحسب جيداً.

حتى اليوم، وعلى المستوى الرسمي والنظري، يشكّل "تيار المستقبل" الإطار الأوسع للشارع السني. ربما يكون قد أصيب بالوهن في مرحلة سابقة، لكن الزخم الذي تلقاه بعد الاستقالة الملتبسة، اعاده إلى موقعه الأول والأقوى بين منفردين.

وفي انتظار أن تفرز الانتخابات النيابية المقبلة ما يخالف هذا التوصيف، فإن "تيار المستقبل" يستمر "مهيمناً" في شارعه، ويحتسب من اليوم حجم الخسائر التي قد يمنى بها نتيجة القانون الانتخابي.

القوى السياسية

لا يوجد أي منافس فعلي، حتى اليوم، لـ "تيار المستقبل" في الشارع السني اللبناني بكامله. هناك منافسات محلية تتفاوت قدرتها على مواجهة "المستقبل" بحسب كل منطقة.

التحدّي الأبرز يكمن في العرين الأكبر للسنة في لبنان، طرابلس، حيث برزت خلال السنوات الماضية قوة الرئيس نجيب ميقاتي. إلا أن هذا التحدّي موضعي وخاص، لأن ميقاتي قد يحصد أعلى رقم في التصويت الشخصي، لكنه يواجه عقبة عدم وجود شخصيات يمكنه الاتكاء عليها في المواجهة مع "المستقبل".

أما القوى السنية الأخرى في المدينة، فإن الوزير محمد كبارة، هو يشكّل حالة خاصة ورافعة لتيار "المستقبل" في المدينة.

بينما يشكّل النائب محمد الصفدي خصوصية كحالة سياسية وشعبية مستقلّة يحتاجها "المستقبل" لما يشكّله من إضافة نوعية، في حال قرر الصفدي التحالف مع الرئيس سعد الحريري.

أما الوزير السابق أشرف ريفي، فإن التحدّي الذي يخوضه في مواجهة "المستقبل" ما زال حجمه غير واضح، لأنه لا يمكن القياس على أساس الانتخابات البلدية.

ويبدو الوزير السابق فيصل كرامي مغرّداً لوحده في صياغة حالته السياسية التي تمكّنه من لعب دور يؤسس لموقع سياسي خاص يكمل مسيرة الزعامة الكرامية من جدّه عبد الحميد على عمّه رشيد وإلى والده عمر كرامي. ولذلك فإن كل الحسابات الانتخابية تتعامل مع واقع فيصل كرامي باعتباره واقعاً متجذّراً يؤثّر ولا يتأثّر.

الأمر نفسه ينسحب على الضنية حيث النائب السابق جهاد الصمد، في حين تبدو عكار على موعد مع تجديد العهد للرئيس الحريري، بالرغم من تراجع الزخم الذي كان يتمتع به في الانتخابات السابقة.

أما في بيروت، فإن "تيار المستقبل" مرتاح إلى واقعه الانتخابي، في حين أنه يركّز على كيفية مواجهة حالة عبد الرحيم مراد المستعصية في البقاع الغربي، وحالة أسامة سعد المتجذّرة في صيدا.

"سنّة 8 آذار"

يميل معظم الأحزاب القومية السنية التي ما زالت قائمة بذاتها لمحور قوى "8 آذار"، على اعتبار أن رفيق الحريري كان يعمل على احتكار تمثيل الطائفة السنِّية وإغلاق ما اصطُلح على تسميته "البيوت السنِّية" الأخرى، مثل: آل كرامي وسليم الحص وسواهما. و"الحريرية السياسية" مصنَّفة على أنها نصيرة لليبرالية المتوحشة وأنها ضد خيار "المقاومة"، وحليف يأتمر بأمر "السعودية" التي كانت تاريخيًّا "ضد المدِّ القومي الناصري في المنطقة العربية".

لم يتمكّن "تسونامي" تيار "المستقبل" من إلغاء "سنّة 8 آذار"، الذين أثبتوا تجذّرهم في بيئاتهم وفي الشارع السني. وقد حافظ هؤلاء على تحالفهم الصريح والواضح مع محور المقاومة من سوريا وإيران و"حزب الله"، ولم يتأثّروا بالتهويل الذي مورس عليهم أو بالضغوط التي تعرّضوا لها في بيئاتهم.

وقد شكّلت حالة "سنّة 8 آذار" نحو ثلث الشارع السنّي في عزّ "تيار المستقبل" في انتخابات 2005 و2009، ولذلك فقد جاءت تلك النتائج مفاجئة، بالرغم من خسارة هؤلاء مواقعهم النيابية.

التيارات الدينية

لطالما شكّلت التيارات الإسلامية خلال السنوات الماضية حالة متجانسة مع "تيار المستقبل"، لمجموعة اعتبارات، لكن حضورها وتأثيرها يخضع لطبيعة المرحلة، وخصوصاً لحسابات ومصالح "تيار المستقبل".

إلا أن هذه القوى الإسلامية، التاريخية منها والحديثة العهد، ابتعدت تباعاً عن الرئيس سعد الحريري لأسباب كثيرة. وتبرز في هذا السياق "الجماعة الإسلامية" كقوة سياسية منتشرة في كل الشارع السني، بغض النظر عن مدى تأثيرها في هذه المنطقة أو تلك، وهي القوة الإسلامية السنية الوحيدة التي تتشارك مع "المستقبل" في كل المناطق. لكن الخلاف تشعّب بين "المستقبل" وبين "الجماعة" بسبب الخلفية "الإخوانية" لـ "الجماعة"، فضلاً عن تضارب في كثير من العناوين بين الطرفين.

الأمر نفسه ينسحب، بنسبة أقل، على "جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية"، وكذلك بالنسبة للتيارات السلفية التي تراجع تأثيرها كثيراً بفعل المتغيرات التي تشهدها المنطقة وتوقّف الدعم المالي عنها.

"هيئة العلماء المسلمين" تم تأسيسها عام 2012 من أجل مهمة واضحة: "دعم الثورة السورية". لكن حضورها وتأثيرها تراجع تباعاً، خصوصاً بعد أن توقّف دعم

السلفيون من جهتهم، برزوا على الساحة السياسية فترة لا يستهان بها تزامناً مع اندلاع الثورة السورية واعلان قيام "الدولة الاسلامية في الشام والعراق"، لكن منذ بداياتهم، لم يكن للسلفيين قاعدة واحدة تجمعهم أو قائد واحد يرشدهم. انطلقت الدعوة السلفية في لبنان على قاعدة العمل الدعوي والخيري الاجتماعي وبالارتباط بمدارس السلفية في السعودية في البداية، ثم "طعمت" بمدارس جهادية ومسلحة حاولت الدفاع عن الهوية السنية لمدينتي طرابلس وصيدا في وجه النظام السوري.

اليوم وبعد سنوات من الظهور الاعلامي المكثف لـ"نجوم" هذا التيار، لم يعد لهذا التيار أي حضور سياسي فاعل ومؤثر، ربما بسبب مرحلة الجزر التي تعيشها الحركات الاسلامية بسبب خسارتها في سوريا والعراق.

 


(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.