"شنط" التعيينات.. في حسابات الطوائف

نورما أبو زيد

تثبت التجربة يوماً بعد يوم أنّ ضعف لبنان من قوة زعمائه الذين يعيشون بأصالة طائفية عليّة، لا يمسّها أحد من تحت، حتى لو كان هذا "التحت" من رتبة لواء، لأنّ "أعمدة" الطوائف أقوى من "أعمدة" الوطن.

مع كلّ تعيينات وتشكيلات ومناقلات عسكرية وأمنية، تدخل البلاد في بازار المحاصصات السياسية، وتصبح المؤسسات الأمنية رهينة رؤوس سياسية "حامية"، تحكم باسم الطوائف. لكلّ طائفة عمادها، وهذا أمرّ مكرّس في العرف، و"العماد" الطائفي له حقّ "الأمرة الأمنية" على العماد العسكري. إنّه الفساد الحاكم منذ التأسيس.

مؤخراً، نسي المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، أو تناسى، أنّ لكلّ طائفة معني بها طائفي، فأقدم على مجموعة تعيينات من دون العودة إلى "عميد" الطائفة، كما جرت العادة في التعيينات العسكرية منذ أن أصبحت الطوائف صاحبة السلطة العليّة، فقامت القيامة ولم تقعد بعد، ولا نعلم إذا كانت ستقعد وكيف. خلاف حزبي من بوابة مؤسسة الأمن الداخلي في دولة متهالكة بنظامها الملّي القوي.

"انتفاضة" عثمان على الوصاية الطائفية داخل "مؤسسته" الأمنية، سليمة بمنطق الدولة، ولكن "عطبها" في عدم شموليتها.

في عهد الرئيس الراحل سليمان فرنجية، ذهب المدير العام لقوى الأمن الداخلي آنذاك اللواء أحمد الحاج إلى حدود تحدّي رئيس البلاد، من خلال تعيين قائد لمنطقة الشمال في وحدة الدرك خلافاً لرغبة فرنجية الرئيس، ولكن اللواء العسكري غلب رئيس البلاد الذي كان يغرق في بحر من الصلاحيات، لأنّه لم يفرّق بين سياسيين بـ "سمنة" وسياسيين بـ "زيت". قال إنّ زجّ الأصابع السياسية بمؤسسته الأمنية ممنوع، ووضع نقطة حاسمة على السطر. فماذا كان ليحصل لو ذهب اللواء عثمان إلى ما ذهب إليه اللواء الحاج؟

أوعزت "أمل" لوزير المال علي حسن الخليل بالرد على "المستقبل"، فقام بسلسلة مناقلات في ملاك وزارته، منها أن كُفّت أيدي عدد من موظفي "المستقبل" في ثأر حزبي بلباس الدولة. لكن هذه القرارات لم تفِ بالغرض. أراد الوزير الخليل أن يروي غليله من ذاك الذي ظلم وتجبّر، فأغلق "الشنطة"، والمشكلة كلّ المشكلة تكمن في "الشنطة".

مليار و 300 مليون ليرة شهرياً هو المبلغ الذي قرّر وزير المال حجبه عن قوى الأمن الداخلي.

هذه "الشنطة" كفيلة بفتح ملف "الانفلاش المالي" الذي يفوق بأهميته "ثأر" الخليل.

في الأرقام، المعدّل العام للميزانية السرّية لمخابرات الجيش وسائر الأجهزة الأمنية يبلغ منذ عام 2014 حوالى الـ 47 مليار ليرة سنوياً، بعد أن كان حوالى 6 مليارات ليرة في العام 2004. قفزت الأرقام قفزة قياسية على غرار قفزة قافز المظلات المغامر النمساوي فيليكس باومغارتنر التاريخية في الفضاء. باومغارتنر حقّق سقوطاً حراً بالمنطاد مسجلاً سرعة تعدّت سرعة الصوت، ونحن حققنا "طيراناً" حراً بالأرقام، بسرعة تعدّت سرعة الضوء أيضاً. تضاعفت المخصصات المالية السرية ثماني مرات خلال عشر سنوات، علماً أنّ الفضل كلّ الفضل في أمننا يعود لـ "المظلة" الإقليمية والدولية الموضوعة فوق رؤوسنا.

في المختصر، الأجهزة الأمنية تُطعم "جيشاً" من المخبرين من "مؤونة" الدولة المالية، و"جيش" المخبرين "يجترّ" أموالنا، لكي "يخرج" بأخبار تخدم أمننا.

حسابياً، يُجمع أكثر من مصدر أمني أنّ مخابرات الجيش التي تجنّد أكبر جيش من المخبرين على مساحة الوطن، تتعامل في ذروة نشاطها مع ثلاثة آلاف مخبر، ولكنها لا تدفع مقابلاً مادياً لأكثر من مئتي شخص، وتعوّض غياب الأموال بصرف النفوذ والخدمات. و"جيش" شعبة المعلومات أقلّ بقليل من "جيش" مخابرات الجيش، وتتعامل معه مادياً وفق نفس الأسس. أمّا بقية الأجهزة فعدد مخبريها لا يوازي عناصر مركز أمني، وتستعيض هي الأخرى عن صرف المال بصرف النفوذ والخدمات، وإذا استقرّينا على عدد 1000 مخبر مدفوع الأجر لجموع "جيوش" الأجهزة الأمنية، نستنج في عملية حسابية بسيطة أنّ كل مخبر يتقاضى 47 مليون ليرة لبنانية سنوياً، وهو أمر غير قابل لا للتطبيق ولا للتصديق، فأين يذهب مسؤولو الأجهزة الأمنية بأموال المخصصات الأمنية السرية؟

يردّد أمنيون أنّ اللواء أشرف ريفي الذي غادر المديرية العامة للأمن الداخلي في الأول من نيسان 2013 إلى التقاعد، طالب وزير الداخلية آنذاك مروان شربل بمخصصات "شهر التقاعد" السرية وحصل عليها!

يوم كان اللواء ريفي مديراً لقوى الأمن الداخلي، كان يتقاضى حوالى 700 مليون ليرة شهرياً كمخصصات سرية، وكان يخصّ قيادة الدرك، التي تعتبر أهم وحدة، بـ 20 مليون ليرة فقط!

وإذا سلّمنا بأنّه كان يساوي سائر الوحدات بقيادة الدرك، سنخلص حتماً إلى عجز في ميزانية الوحدات، وإلى فائض في ميزانية اللواء.

يردّد أحد السياسيين في مجالسه الخاصة تعقيباً على ملفّ "شنط" الأجهزة الأمنية الذي فتحه "تسكير حنفيّة" المالية، أنّ ريفي كان يُنفق ما يفيض عن "وحداته النظامية" على "وحداته" في طرابلس.

وعلى سيرة الشنط، يتردّد اليوم، أنّ المدير الجديد لأمن الدولة العميد طوني صليبا ورث "شنط" العميد جورج قرعة، التي حجب عنها وزير مالية "أمل" الأموال السرية. كيف يستفيد المدير الجديد من "المفعول الرجعي" علماً أنّ الجهد الاستعلامي حصل في حينها بما تيسّر!

حسابياً الأمور "مش ضابطة"، وعملياً تُراكم الطوائف اللبنانية أموالاً في جيوب مسؤوليها الأمنيين، والفساد الذي هو "مهنة" سياسية طائفية مذهبية في لبنان، يمكنه أن يكون "مهنة أمنية".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.