"المستقبل" ـ "حزب الله": ربط نزاع الشراكة!

خضر طالب

أطلّ الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله عشية عيد الفطر في  23 حزيران الماضي بمناسبة "يوم القدس العالمي"، وهدّد العدو الاسرائيلي أنه إذا شن حرباً على سوريا أو على لبنان "فليس من المعلوم أن يبقى القتال لبنانياً إسرائيلياً أو سورياً إسرائيلياً"، وأشار إلى أنه "قد تفتح الأجواء لعشرات الآلاف، بل مئات الآلاف من المجاهدين والمقاتلين من كل أنحاء العالم العربي والإسلامي، ليكونوا شركاء في هذه المعركة، من العراق ومن اليمن ومن إيران ومن أفغانستان ومن باكستان"، مؤكّداً أن "محور المقاومة يتعاطى أنه معني بمصير واحد". شن نصر الله هجوماً عنيفاً على المملكة العربية السعودية من بوابة فلسطين متهماً إياها بالتخلي عن القضية الفلسطينية وبإقامة علاقات مع إسرائيل.

مرّ كلام نصر الله "الخارق للحدود" من دون أي رد فعل لبناني، على غير العادة.. ربما كان العذر بحلول عيد الفطر بعد يومين.. مرّ العيد، لكن أحداً لم يتوقّف عند التطور النوعي في كلام نصر الله.

كانت المملكة العربية السعودية تعيش مرحلة انتقالية بين ولي العهد السابق الأمير محمد بن نايف وولي العهد الجديد الأمير محمد بن سلمان. وبينما كانت القوى السياسية تحاول قراءة المشهد الجديد في السعودية، حصل لقاء بين ولي العهد الجديد وبين الرئيس نجيب ميقاتي. وقعُ الخبر كان ثقيلاً في بيت الوسط. نجيب ميقاتي سبق سعد الحريري إلى "العهد الجديد" في السعودية. استدرك الحريري الأمر، وشارك بعد أيام في صلاة عيد الفطر في مكة المكرّمة إلى جانب الملك سلمان، قبل أن يلتقي ولي العهد الجديد محمد بن سلمان.

ساد الصمت أياماً، حتى نسي اللبنانيون خطاب نصر الله النوعي ضد العدو الاسرائيلي.. والناري ضد الحكم في السعودية. لم يخرج أحد من سياسيي لبنان الذين يفترض أنهم يدورون في الفلك السعودي، للدفاع عن السعودية.

انتظر وزير الداخلية نهاد المشنوق أسبوعاً كاملاً، ليردّ على نصر الله في نقطة واحدة تتعلّق باستقدام مقاتلين لقتال إسرائيل في حال اعتدت على لبنان. لم يتضمن تصريح المشنوق أي دفاع عن السعودية.

بعده بيوم واحد، رد الحريري على نصر الله بلغة هادئة جداً، مكتفياً بالقول "إن الشعب اللبناني قادر على أن يحمي أرضه بنفسه من أي عدوان إسرائيلي ولا يحتاج لأي قوى خارجية". وفي حين لم يدافع بأي إشارة عن السعودية، كان حليفه سمير جعجع يتولّى هذه المهمة.

بقي الهدوء مخيّماً على موقف رئيس ونواب وقيادات وإعلام تيار "المستقبل". حتى أن صحيفة "المستقبل" تعاملت، في خبرها الرئيس صباح يوم الاثنين، مع الاتهامات الاسرائيلية لإيران "بإقامة مصانع أسلحة لـ حزب الله" في لبنان، على قاعدة أنها "مزاعم".

شيء ما تغيّر يوم الثلاثاء. "كتلة المستقبل النيابية" اجتمعت برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، واستعادت في بيانها لغة التصعيد مع "حزب الله" رداً على نصر الله في العنوانين: استقدام المقاتلين لمحاربة إسرائيل، والهجوم على السعودية.

انتظرت "كتلة المستقبل" 10 أيام كاملة لتكتشف أن نصر الله "ضرب عرض الحائط أي وجود لدولة او سلطة او سيادة لبنانية". أما دفاع "كتلة المستقبل" عن السعودية فقد جاء خجولاً جداً، خلافاً لمراحل سابقة كانت "الكتلة" تستشرس في بياناتها دفاعاً عن السعودية. وقد اكتفت "الكتلة" في دفاعها بأنها تعتبر أن "كلام السيد نصرالله عن السعودية يؤدي إلى إيقاع فتنة في لبنان والمنطقة" ولتتبنّى مبدأ "النأي بالنفس" الذي شعار نجيب ميقاتي عندما رأت أن المطلوب "إبقاء لبنان بعيدا عن اتون المنطقة وتوتراتها، لا اقحامه في المزيد من المشكلات التي تلحق الضرر بكل الشعب اللبناني وفي علاقاته العربية."

ليس هذا هو الخطاب المعتاد من "كتلة المستقبل". وإذا كان مفهوماً التبرير بضرورة التهدئة في سياق المحافظة على الشراكة بين "تيار المستقبل" وبين "حزب الله" داخل الحكومة، فإنه لم يكن مفهوماً الانتظار 10 أيام ثم الإضطرار إلى الردّ الذي "يحفظ ماء الوجه" الحكومي في قضية "استقدام المقاتلين" والردّ الذي "يحفظ العرف" دفاعاً عن السعودية!

إذن، ثمة شيء ما يجري..

هل كان هذا الردّ سيأتي بهذا السقف الهادئ لو كانت "سعودي أوجيه" ما تزال تعمل في السعودية؟ وهل جاء الموقف المتأخّر من باب تسجيل الموقف؟

يعتقد كثيرون أن موقف "المستقبل" جاء في سياق "الدفاع عن النفس" لـ"تبرئة الذمة" من الإشارات التي أوحت أن "حزب الله" سيدعم الحريري في الانتخابات النيابية المقبلة، وأن النظام السوري "يفضّل التعامل مع الحريري على غيره من قيادات السنّة الذين انقلبوا عليه" مرفقاً بـ"طعم" عن ورشة إعمار سوريا. وبينما ظهرت حملة منظّمة ضد الرئيس نجيب ميقاتي تتّهمه بالعلاقة مع النظام السوري، كان الحريري يستعيد لغة الهجوم على النظام السوري بعد فترة طويلة من الانكفاء عن مهاجمته.

وقد تزامنت هذه كلها الإشارات مع مجموعة عناصر لافتة للنظر في توقيتها:

ـ التغيير الذي طرأ على الحكم في السعودية، والغموض الذي يلف طبيعة المقاربة السعودية الجديدة لعلاقاتها مع لبنان.

ـ استقبال ولي العهد السعودي الجديد الأمير محمد بن سلمان المبكر جداً للرئيس نجيب ميقاتي، في لحظة تولّيه الحكم وأثناء مرحلة تلقّيه "البيعة" من الأمراء السعوديين.

ـ عدم تلقّي الحريري أي تطمينات سعودية تتعلّق بمستقبل وطبيعة العلاقة معه.

ـ عدم وضوح موقع الحريري في لبنان لدى العهد الجديد في السعودية.

ـ إقفال "سعودي أوجيه" في المملكة العربية السعودية من دون أفق واضح للمسار الذي سلكته قضية الشركة على مستوى المستحقات المالية التي لها أو عليها.

ثمة من يعتقد أن "تيار المستقبل" تلقّف بإيجابية وارتياح كبير الكلام عن دعم "حزب الله" للرئيس سعد الحريري و"تيار المستقبل" في المرحلة المقبلة، على اعتبار أنه يمنح الرئيس الحريري "اعترافاً صريحاً من شريك أساسي بأنه يمثّل السنّة" وأن الحزب "تخلّى عن دعم منافسي الحريري في الساحة السنية".

طبعاً، من حق الحريري أن يحاول استعادة شراكته مع "حزب الله" التي منحته الأكثرية في العام 2005 تحت سقف "التحالف الرباعي" الذي ضمهما مع "حركة أمل" و"الحزب التقدمي الاشتراكي"، ثم منحه الاشتباك الساخن مذهبياً على خلفية "مجد" 7 ايار أكثرية ساحقة في 2009.

ومن حق الحريري أيضاً أن يحافظ على حكومته وموقعه في السلطة الذي ما كان ليتأمّن له لولا شراكته مع "حزب الله"، خصوصاً في ظل تراكم خسائره السياسية والمالية، وفي ظل إدارة ظهر سعودية كاملة له.. وربما للبنان.

هل أصبح الحريري مقتنعاً بضرورة التفتيش عن "ظهر سياسي" يستند إليه في انتظار تبلور الصورة السعودية؟

قد لا تكون المسألة بهذه الحدّة من التوصيف، لكن الأكيد أن الحريري ما زال يعتمد المهادنة في العلاقة مع "حزب الله"، وهي مهادنة تتجاوز فكرة "ربط النزاع" التي لجأ إليها لتبرير شراكته مع الحزب في الحكومة..

الواضح أن الحريري يحاول إيجاد "توليفة" بين "ربط النزاع" و"توثيق الشراكة" مع "حزب الله" ليخرج بمعادلة جديدة قوامها "ربط نزاع الشراكة"، في حين أن علاقته مع المملكة العربية السعودية ما تزال تخضع لـ"ربط عنق الرحم".. وربما "قطع حبل السرّة".

لن يكون بمقدور الحريري حسم خياراته في وقت قريب. سيتأخّر الحسم لأن الأجوبة التي ينتظرها من السعودية مؤجّلة.. لكن الانتظار يولّد التوتّر، والتوتّر يزيد من الخسائر التي قد تصل إلى ما وصلت إليه "سعودي أوجيه" عندما صارت عاجزة عن النهوض.. فأقفلت أبوابها.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.