الدروز: نحن مسلمون

تحيط بالطّائفة الدّرزيّة هالة من الغموض منذ أكثر من ألف عام، حتّى أنّ أتباعها أنفسهم لا يعرفون عنها الكثير، وحدهم شيوخ الطّائفة يعرفون أسرار "الموحّدين" كلّها. ولعلّ إبعاد الدّين عن العامة هو أمرٌ صائب يحول دون أن تتسرّب إحدى الفتاوى التي قد يُساء فهمها، فتخلق شقاقًا في صفوف أتباعها ويفسّرها كلّ على ليلاه ممن "يملكون مفاتيح أبواب الجّنة"، فتكفّر التيّارات بعضها، وتوزّع مراتب الجّنة بـ"صكوك غفران"، كما قد "يُختم" على طلب أحدهم بالنّفي إلى قعر جهنّم، وتشتعل النّار التي تأكل الطائفة ومن حولها.

يؤكّد أمين عام مؤسسة العرفان التوحيديّة ورئيس اللجنة الثقافيّة في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدّروز الشّيخ الدكتور سامي أبو المنى أنّ "الطائفة الدرزية هي مذهب من المذاهب الإسلاميّة والتي تعتبر أيّام شهر رمضان أيّامًا عظيمة ومباركة لديهم" كما لدى المسلمين تمامًا"، ويشير إلى أنّ "الصّيام كما الصّلاة والحج – لمن إستطاع إليه سبيلًا- هي فرض واجب ولا يمكن للمسلم التخلّي عنها".

لكن ما أجمع عليه علماء الطّائفة أنّ الصّيام لا يجوز إلّا "للعقّال"، أي رجال الدين، اسوة بالصّلاة لديهم، إذ أنّ صيام الأيّام العشر الأواخر هو فرض على رجال الدّين فقط، ولا يحق لغير المتدينين الصّيام بإعتبارهم "جهّال"، من دون النّظر إلى علمهم الدنيوي أو أعمارهم. "ومن يريد صيام شهر رمضان كلّه، فهو مستحسن ولكنّه نافلة". يعتبر الشيخ الدكتور أبو المنى أنّ "الطائفة الدرزية تتميّز بأنّها تسعى للوصول إلى حقيقة الصّلاة والصّيام وغايته الروحانيّة السّامية، حيثُ يستشعر المتديّن حضور خالقه في حركاته وسكناته، ليكون متصلًا بالتوحيد".

 

إسرائيل تغتال عيد الفطر لدى الدروز

 

يبدو أن ظروف "سكون" عيد فطر الدروز بدأت لدى دروز فلسطين، فجاءت على يد "إسرائيل" التي تعمل على تفريق الدروز عن المسلمين، وتدق الأسافين بينهم منذ قيامها. ففي الخمسينات، وبالموازاة مع فرض قانون التجنيد الإجباري للخدمة العسكريّة على الشبّان الدروز، سلخت المؤسسة الإسرائيليّة عيد الفطر من المناسبات المدرجة لدى الطائفة الدرزية، وأدرجت مكانه مناسبة عيد النبي شعيب، وكان الدافع من وراء توقف الاحتفال بالعيد سياسيًا يهدف إلى إقصاء العرب الدروز عن محيطهم العربي والإٍسلامي. ومع ذلك فقد أخفق الإحتلال في نزع هذه المناسبة من قلوب الدّروز، ففي العام 2010 توجهت "لجنة المبادرة العربية الدرزية" إلى الرئيس الروحي للطائفة الشيخ موفق طريف، مطالبةً بدعوة العرب الدروز إلى الاحتفال بالعيد بعد سنوات من الإنقطاع، كما طالبت "لجنة المبادرة" السلطات بالاعتراف به عيدًا رسميًا، تغلق فيه المدارس أبوابها ويشعر خلاله الأطفال ببهجة العيد ويؤدّي فيه الدّروز صلواتهم، إلّا ان مطالبهم باءت بالفشل لعلم المؤسسات الإسرائيليّة أنّ عدم الإعتراف بالعيد ليس مجرّد تفسيخ للدروز عن العرب في داخل فلسطين فحسب، وإنما عن أبناء الطائفة العربية الدرزية في الدول العربية أيضا.

 

مرّ عيد الفطر في السّنوات السّابقة لدى الطائفة الدرزيّة في لبنان بخجل رفض أن يستعرض نفسه ببذخ أمام عدسات الكاميرات والإعلام. إلّا أنّ إحتفال الدروز هذا العام كان مختلفًا، إذ يبدو أنّ خروجه إلى دائرة الضوء يحمل رسائل سياسيّة تدعو إلى التوحّد في ظل الإنشقاقات الطائفيّة والسّياسية والحزبيّة، قاموا بتأدية صلاة العيد خلف شيخ عقل طائفة الدّروز الشيخ نعيم حسن في مقام الأمير السّيد عبد الله التنوخي في عبيه بمشاركة جمع من الفعاليات والهيئات الروحية والاجتماعية والأهلية.

يؤكّد الشيخ الدكتور أبو المنى أنّ دروز لبنان ومنذ العام 2006 يؤدّون صلاة العيد، إلّا أنّه لم يكن هناك تغطية إعلاميّة جيّدة، لافتًا إلى أنّ عدم إعتراف المؤسسة الإسرائيليّة بعيد الفطر لدى الدروز لا يجب أن يؤثر على عيد الفطر لدى دروز لبنان، ودعا شيوخ الطائفة في فلسطين إلى الصّمود على مواقفهم والتمسّك بإيمانهم لإنتزاع حقّهم من الصهاينة في هذا العيد الذي يحمل دلالات عقائديّة وإجتماعيّة وتاريخيّة.

فرح الحاج دياب

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.