"شالوم" يا عرب.. إسرائيل بيننا

يبدو أنّ المتحدّث بإسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، ورغم تعلّقه وحبّه الشّديد للقرآن الكريم، لم يدرك بعد أنّه مذكور في الكتاب المقدّس بسورة  "المنافقين" المخصّصة  له حفرًا وتنزيلًا، فأفخاي ومن كثرة ما يتمنّى للمسلمين جمعة مباركة، تخاله سيدعوهم  يومًا لتأديه صلاة الجّمعة وراءه في المسجد الأقصى، على أن يكون هو إمامًا للمسجد لشدّة ما يشعُ وجهه طهرًا وإيمانًا.

بركاتك شيخ أفيخاي، ولا تنسنا من دعائك بعد أن تنتهي من سماع أغاني أم كلثوم التي تعشق صوتها والذي يُشعرك بالإنتماء إلى تراث الشّرق الأوسط العريق، كما تدّعي، ولكن حبّذا لو تسمع أغنيتها "أصبح عندي الآن بندقيّة، إلى فلسطين خذوني"، ولا بأس بأن تتشاركها معنا كغيرها من الأغاني التي نراها على صفحتك، إذ يبدو أنّها غابت عنك.

تفاجأتُ بأنّك تشاهد "باب الحارة"، وتستمع مثلي لأغاني وائل كفوري، وتحب الفلافل أيضًا.. والأجمل من ذلك كلّه أنك تجلس قبلنا على مائدة الإفطار وتبدأ طعامك بتمرة، وتحتفل بعيد الفطر أكثر من المسلمين أنفسهم.

وماذا بعد "أخ" أفيخاي؟ لم يعد ينقصنا إلّا أن تحضر "كيس بزر" وسنصبح أصدقاء، ثمّ قد نتوجّه لزيارتك يومًا ما في "أرض الحب والسّلام إسرائيل الجميلة"!

منذ العام 2011 ، بدأت  الخارجية الإسرائيلية  بتدشين صفحات ناطقة باللغة العربية على موقع "فايس بوك"، تطبيقًا لإستراتيجيّات الحرب الدّعائيّة النفسيّة، كما يؤكّد محرر الشؤون الإسرائيليّة في تلفزيون "المنار" حسن حجازي، والذي يرى أنها نجحت جزئيًا في مهمتها، وباتت تحظى بقبول كبير لدى الجمهور العربي ساعيةً إلى تفخيخ العقول وتزوير الحقائق ونشر الشائعات بهدف زعزعة النفوس العربية الهشّة أصلًا، والعمل على تقريب وجهات النظر بينها وبينهم لتتشكّل صورة مغايرة لإسرائيل العدو في أذهانهم وتطمس القضيّة الفلسطينيّة على الأمد الطويل، إلى أن بات عددها اليوم يزيد عن 20 صفحة.

يؤكّد حجازي الذي قضى 14 عامًا في المعتقل الإسرائيلي، أنّ الإحتلال قد وجد في الإعلام الجّديد سلاحًا فعّالًا للتسويق لمشاريعه السّياسيّة، مستغلًا الإنقسامات العربيّة التي تشكّل أرضًا خصبة لبث الشائعات والأخبار الكاذبة، حيثُ أصبح هناك معسكر عربي يجدُ نفسه قريبًا من الصهاينة ويتقاسم المصالح السّياسيّة نفسها معهم، في حين لا يميّز الإسرائيليون بين عربيّ وآخر. ويلفت حجازي إلى أن رسائل الإعلام الموجّهة إلى الداخل الإسرائيلي، تختلف بشكل كلّي عن الرسائل الموجّهة نحو العرب، لأنها ببساطة رسائل كاذبة.

هذه الصفحات هي واحدة من أدوات الدعاية الرسمية للخارجية الإسرائيلية الموجهة للجمهور في العالم العربي، فأكثر ما يشغل بال إسرائيل هو تحسين صورتها أمام العرب وبث دعايتها لهم، وهي تجدد هذه الأدوات على الدوام. فقد أسّست "الدولة" العبرية منذ نشأتِها إذاعة باللغة العربية ثم محطة تلفزيونية وفضائية باللغة العربية، ولديها متحدّثون يشاركون في برامج تلفزيونية عربية كجزء من جهازها الدبلوماسي، ولا شك أن وزارة الخارجية الإسرائيلية لن تترك ساحة الإعلام الجديد فارغة من خبثها.

تهدف هذه الصفحات إلى التأثير على شريحة الشباب في العالم العربي والذي يملك فضولًا كبيرًا تجاه إسرائيل ويرغب في معرفة المزيد من التفاصيل عنها، فتستغل إستياءه ونقمته على حكوماته لتوقعه في حب "إسرائيل ـ الـدولة الديمقراطية والتعددية والمتقدّمة علميًا"، وإقناعه بالرواية التاريخية الصهيونية وبالمواقف السياسية الإسرائيلية في القضايا الآنية.

الإنطلاقة بدأت مع صفحة "إسرائيل تتكلم بالعربيّة"، والتي تحظى اليوم بأعلى عدد من المتابعين والذي يتجاوز المليون والمئة ألف متابع. وُجدت هذه الصفحة فعليًا في العام 2011  ولكنّ فريق العمل قرر أن يعتبر أنّها تأسّست في "14 أيّار 1948" أي تاريخ قيام "دولة إسرائيل" حسب ما يرى الصهاينة، وهو في الحقيقة تاريخ يوم النكبة الفلسطينية العربية العظمى.

تعرّف الصّفحة عن نفسها "صفحة فايس بوك الرسمية بالعربية لدولة إسرائيل"، ويطلب فريق العمل من الزّوار فتح النّقاشات شرط عدم استخدام المضامين العنيفة والعنصرية والكلام الحاقد. وتشير الإحصاءات الخاصة بالصّفحة إلى  أن مدينة القاهرة هي أكثر المدن متابعةً لها، وأن الفئة العمرية للزوار هي بين 18 إلى 24 عامًا.

تهتم هذه الصّفحة، كغيرها من الصّفحات الناطقة بالعربيّة، بنشر الأخبار التي تحسن صورة إسرائيل بشكل كبير، إلا أنها الأكثر احترافية في هذا الشأن، إذ لديها فريق كبير من الإعلاميين العاملين في الموقع، وتتميّز بالأفلام القصيرة التي تصوّرها وتبثّها. تركّز هذه الأفلام على إظهار التعايش الإسلامي اليهودي، والإختراعات الإسرائيليّة، بالإضافة إلى الأغاني التي تحمل اللغتين العربيّة والعبريّة ويشترك فيها مطربون عرب واسرائيليون يغنّون ويرقصون معًا.

كما تعمل الصفحة أيضًا على إظهار الوجه الآخر للساسة الإسرائيليين، فتنشر صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو يلعب الكرة مع أطفال في القدس وتضيف أنهم أطفال عرب.

أمّا صفحة المتحدث باسم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للإعلام العربي أوفير جندلمان، فشغلها الشّاغل هو تبرير أعمال الإسرائيلييّن، وتؤكّد أن القيادة الفلسطينية هي من تحرّض على العنف، كما تتهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس على الدوام "بنشرالأكاذيب والخطابات التحريضية التي تشجع الفلسطينيين على مهاجمة اليهود والذين يمدّون يدهم للسلام".

وفي لقطة وقحة، يهنّىء جندلمان أفيخاي أدرعى بمناسبة عيد ميلاد الأخير على الطريقة المصرية، "ألف مبروك يا برنس وكل عام وأنتَ طيب، عيد ميلاد سعيد والمزيد من العطاء والنجاح فى خدمة الوطن الغالى". جاء ذلك تعليقا على صورة نشرها "أدرعي" له فى مكتبه محتفلا بعد ميلاده "وحده" وكتب عليها: "لدي شغف للإستمرار في خدمة وطني وللمساهمة أكثر في تعزيز التعايش والانفتاح والسّلام مع شعوب دول الجوار". ولعلّ اهتمام أفيخاي بالعرب، جعله يتفوّق عليهم باللغة العربيّة، فيستخدم جملاً متينة فارغة من أخطاء الصّرف والنحو، سواء المكتوبة أو تلك التي يقولها في اطلالته عبر الأفلام القصيرة. أدرعي شخصية خبيثة تتسم بالدهاء، فهو يتبع سياسة النفس الطويل، ويستخدم أقوى وسيلة يستطيع أن يصل بها إلى العرب، وهو استفزازهم، وهذا بالنسبة إليه نجاح في حد ذاته، والخطر الحقيقي يكمن في أن العرب منحوه أكبر من حجمه، فاستطاع أن ينفذ لجميع الأعمار والمراحل العمرية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

من بين الصفحات الإسرائيلية الأخرى على "فايس بوك"، صفحة "إسرائيل بدون رقابة"، والتي تصب تركيزها على الأخبار الفنية والرياضية والمجتمعية، مع إهمال الأخبار السياسية بشكل كبير، وخصوصاً ما يتناول القضية الفلسطينية، فتتعامل مع الأخبار كلها على أنها "معلومات عامة يجب أن تعرفها عن إسرائيل من باب الثقافة".

تهتم هذه الصفحة "بالتراث الإسرائيلي"، محاولةً إقناع المتلقي أن هذه الأرض خُلقت لليهود. تسرق هذه الصفحة الثقافة والعادات والتقاليد الفسلطينية واللبنانية معًا، حتى أنّها تدّعي بان "البقلاوة" هي من الحلويات الإسرائيليّة العريقة، وتلتقي مع صفحة "اللبنانيون في إسرائيل"، وتقدّم  هذه الصفحة للبنانيين وجه إسرائيل "الجارة"، إسرائيل "المحبّة"، وتبث أخبار "الجالية اللبنانيّة" في "دولة اسرائيل"، فتعرض فيديو لمغنّية إسرائيليّة تؤدي أغنية "حبيتك بالصيف" للسيدة فيروز. وخبر آخر عن تكريم بلدية القدس لفيروز وإطلاق اسمها على أحد شوارعها.

تركّز هذه الصفحة على إظهار "بطولات جيش لبنان الجنوبي" المعروف بجيش لحد، فنرى مثلاً خبر "دراسة قانونية تظهر عدالة القضية، التي أرادوا تشويهها بالباسها ثوب العمالة".

كما أطلقت هذه الصفحة هاشتاغ "#هيدا_بإسرائيل_مش_بالضاحية" حول عدد من أنشطة الجالية اللبنانيّة التي تعيش بحب وسلام وأمان وتأكل التبولة اللبنانيّة في "إسرائيل" .

من ينجح في استفزازك يملك حتمًا مفاتيحك، وهذه الصّفحات قد نجحت بما لم ينجح به سواها، فهي تستهدف نوعين من الجمهور:

الأول، وهو الضعيف، الذي تنصبُ له فخًا يقع من خلاله في الشبكة العنكبوتيّة التي تتحكم به أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، لإيقاع أكبر عدد من الفلسطينيين والعرب في "العمالة" والحصول على المعلومات الأمنية المهمة منهم.

أمّا النوع الثاني، فهو الجمهور المتمسّك بعقيدته القوميّة، إذ تحاول هذه الصفحات إستفزازه وتحطيم معنوياته، وجعله يرى تاريخه وتقاليده تُسرق على مرأى ناظريه، فتشن حرباً نفسيّة مدمّرة ومحبِطة عليه.

إلى جانب كلّ هذا السلام المصطنع، تسعى إسرائيل من خلال هذه الصفحات إلى إظهار نفسها أمام المجتمع الدولي على أنّها دولة سلام وتعاون ومحبة، وتُظهر الفلسطينين على أنّهم شعب همجي لاأخلاقي ولا يريد السلام لأنّه لا يكف عن شتم إسرائيل التي تمدّ يدها للمصالحة والتعايش، فيستمر بالرد على "مبادراتها الرائعة السلميّة" بالكلام المبتذل.

عسانا لا نستطيع إيقاف هذه الصفحات التي تكاثرت وجمعت حولها عددًا كبيرًا من المتابعين، إلّا أننا نستطيع أن نتجاهلها إلى حدّ معين، فالتعليقات السلبية كتوجيه الشتائم يعادل في أثره السلبي علينا كعرب التعليقات المؤيّدة. فحتّى التعليق بالشّتيمة هو إعتراف، ودليل على نجاح الماكينة الدعائيّة الإسرائيليّة إزاء العرب.

في هذا الصدد يؤكد المتخصص في الشأن الإسرائيلي حسن حجازي أنّه يجب تعزيز ثقافة المقاومة للتصدي لهذه الصّفحات الخبيثة. ويبقى على المثقّفين واجب التّوعية حول مخاطر التفاعل مع الصّفحات الإسرائيليّة وتحذير الأطفال والمراهقين الفضوليين حول مخاطر تصديقها، لأنّ متابعتها بشكل متكرر قد يزرع الشك بقوميّة وتاريخ وحق الفلسطينين بأرضهم، خاصة العرب الذين لم يقرأوا التاريخ جيدًا. فالتعرض لكمّ منظّم من الأخبار المدروسة لفترة طويلة، قد يجعل المتلقي يغيّر افكاره ولو جزئيًا، وعندها تندثر قضيّتنا الفلسطينيّة ـ أو ما تبقّى منها، شيئًا فشيئًا.

فرح الحاج دياب

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.