التوريث السياسي في لبنان: "حزب الله" استثناء طائفي!

نغم أسعد

ابن البيك بيك، وابن المير مير، وابن الشيخ شيخ، وابن الأفندي أفندي، وابن الفلّاح فلّاح… هي تزكية لدم "بسمنة" على دم "بزيت" في مسيرة التربّع على الكرسي التي من أجلها نشبت حروب، وسقطت امبراطوريات وممالك، وعليها تقاتل حتى الأخوة. تربّعوا عليها، وأبوا إلا أن يتوارثوها جيلاً بعد جيل، بين الجدّ والابن أو الابنة والحفيد والحفيدة وحفيد الحفيد وإلى آخر السلالة، وحتى الصهر والزوجة من منطلق "الأقربون أولى بالمعروف".

كلمة أحرفها قليلة، لكنها قويّة التأثير، على اختلاف ألوانها الأبيض والبرتقالي والأزرق والأخضر والفستقي، وإن كانت مُطرّزة بانتخابات "ديموقراطية" صورية "ديكتاتورية" في المضمون.

استثناءات قليلة تُحسب لبعض الأحزاب اللبنانية، كـ"الشيوعي" و"السوري القومي الاجتماعي" و"البعث العربي الاشتراكي"، و"حزب الله" الذي يُعتبر الحزب الطائفي الوحيد في لبنان الذي لم يطرق التوريث السياسي بابه.

 

الحرب تُبدّل خريطة الإقطاع

عملية التوريث ليست مُتجدّدة، وتدخل ضمن تركيبة النظام السياسي اللبناني منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 يوم كانت العائلات الإقطاعية تُدير البلاد وتتوارث الزعامة أباً عن جد، حتى العهود اللاحقة من الانتداب إلى الاستقلال حتى اليوم. لكنّ الحرب بدّلت في الخريطة السياسية، فأزاحت عائلات وألغت نفوذها بالكامل، وقوّضت نفوذ عائلات أخرى، وبرزت شخصيات وقيادات لا تمتّ إلى الوراثة السياسية بصلة، ولا تنتمي إلى سلالتها.

هذا التغيير مسّ الطوائف الثلاث الكبرى. فشهدت الزعامة السنيّة تحوّلاً نوعياً عندما تبوأها لسنوات الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفرض نفسه، على الرغم من أنه من خارج العائلات السياسية السنيّة التقليدية في بيروت وطرابلس وصيدا (سلام وكرامي والصلح). ولم تعد الزعامة المارونية حكراً على عائلات سياسية تقليدية فقط (الجميل وشمعون وإده)، بل خرجت منذ ربع قرن تقريباً إلى سياسيين غير تقليديين أيضاً: ميشال عون وسمير جعجع.

كما خرجت الزعامة الشيعية من عائلات الأسعد والخليل وحمادة وعسيران، وآلت في مرحلة معينة إلى رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني ثم إلى رئيس المجلس الحالي نبيه بري وإلى الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بعد استشهاد الأمين العام السابق عباس الموسوي في غارة إسرائيلية على سيارته.

التوريث.. أنواع

يُمكن تصنيف الإقطاع السياسي في لبنان تحت ثلاثة عناوين مختلفة: توريث تقليدي (شخصيات، بيوت سياسية، أحزاب عائلية)، إقطاع سياسي يرتكّز إلى خصوصيات تاريخية وجغرافية وفكرية، وإقطاع سياسي تفرضه الدول الفاعلة على الجغرافيا اللبنانية.

التوريث العادي يتمثّل في أب يورّث ابن سياسي (عبدالحميد كرامي ثم رشيد ثم عمر ثم فيصل كرامي، صائب سلام وابنه تمام، غسان تويني ثم جبران وابنته نايلة، ميشال المرّ وابنه الياس وغيرهم)، أو توريث حالة سياسية عريضة كتوريث "التيار الوطني الحر" لصهر مؤسس الحزب الوزير جبران باسيل بناء على قرار المؤسس الرئيس ميشال عون، ولكنّه يخضع لتوازنات تتعلّق بآليات النظام الداخلي لـ"التيار"، وكذلك الأمر بالنسبة لحزب "الكتائب" و"الوطنيين الأحرار".

أما الإقطاع السياسي المرتبط بعوامل طائفية أو مذهبية أو مناطقية وحتى أيديولوجية، فيكون التوريث فيه أمراً محتّماً وواقعاً نهائياً نظراً لحاجة بيئته له. وأكبر مثال على ذلك هو حالة النائب وليد جنبلاط الذي آلت إليه الزعامة الدرزية بعد استشهاد والده كمال، ونقلها إلى ابنه تيمور من دون أي اعتراض. فجنبلاط هو "بيضة القبّان" في كل التحالفات السياسية.

ومن الجانب المناطقي، ورث النائب سليمان فرنجية زعامة إقطاعية في زغرتا ومُحيطها، ومتى قرّر تسليم مقاليد الزعامة لنجله طوني سيُوافق الجميع.

الإقطاع السياسي الذي تفرضه المحاور المتصارعة على مستوى الإقليم والعالم، يُمكن تسميته "إقطاع سياسي منمّق" تتخلّله وراثة سياسية واضحة (تيار المستقبل) أو تنوّع شكلي (حزب الله). فعلى الرغم من أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري أكد، أكثر من مرة، عدم رغبته في توريث السياسة لأي من أبنائه، لعبت المملكة العربية السعودية دوراً مركزياً في اختيار ابنه سعد الحريري وريثاً له بعد اغتياله في العام 2005. فنفوذ المملكة في لبنان مُرتبط بشكل كبير بالحالة السياسية التي يُمثّلها "تيار المستقبل" الذي يُشكّل صلة الوصل بين "السنيّة السياسية" في لبنان والمحور الإقليمي الذي تُمثّله السعودية. وكذلك الأمر بالنسبة لـ"حزب الله" الذي يُشكّل صلة الوصل بين "الشيعية السياسية" في لبنان وأهداف ايران في الحصول على موطىء قدم في منطقة المتوسّط. لكنّ الفارق بين "تيار المستقبل" و "حزب الله" هو أن الحزب لم يشهد أي حالة توريث عائلي.

"حزب الله".. الظروف تفرض التمديد

بحكم كونه حزباً مقاوماً للاحتلال الإسرائيلي، يتمتّع "حزب الله" بسريّة فائقة حتى ضمن كوادره. وكما العادة حول قيادته العسكرية، لا يرشح إلا القليل عن هيكلية الحزب وأعضائه. لكنّ ما لا يخفى على أحد أن الهدف الأساسي للحزب وأمينه العامّ لم يزح قيد أنملة عن استراتيجية الحزب، ولم ينشغل بـ"بدعة" التوريث السياسي.

في العام 2016، الحزب الذي تعاقب على قيادته منذ نشأته ثلاثة أمناء عامّون لا يمتّون لبعضهم البعض إلا بصلة مقاومة العدو الإسرائيلي، جدّد لنصرالله الذي يتولّى منصب الأمين العام منذ شباط 1992، لولاية جديدة من ثلاث سنوات، بعدما جرى تعديل النظام الداخلي مرتين. واختار الشيخ نعيم قاسم نائباً له يحلّ مكانه، في حال تعذّر قيام نصرالله بمهامه القيادية، لكن إلى حين انتخاب أمين عام جديد.

يشرح أحد المتابعين للواقع التنظيمي في الحزب لـ"الرقيب" أن مبدأ التوريث السياسي "باطل" وفق النظام الداخلي للحزب، وبما أن الأمين العام يجب أن يكون عضواً في مجلس شورى الحزب المؤلف من سبعة أعضاء، "لا يُمكن لنصرالله أن يورّث أبناءه كونهم غير أعضاء في الشورى"، مُضيفاً أن الأمر "مُشابه" لما يحصل في إيران "المرجع الديني والسياسي" للحزب، فأبناء قائد الثورة الإسلامية في إيران الإمام الخميني لم يتسلموا دفّة القيادة من بعده.

ويؤكد أن نصرالله سيبقى أميناً عاماً للحزب "إلى حين استشهاده لاعتبارات عسكرية وأمنية، إلا إذا قرّر هو التخلّي عن منصبه". وفي هذه الحال، يكون مجلس الشورى أمام خيار صعب لانتخاب أمين عام يتحلّى بمواصفات شبيهة بتلك التي يتحلّى بها نصرالله من "كاريزما" و"قدرات عسكرية واستراتيجية وديبلوماسية". وبالتالي، فإن البديل المؤقت لنصرالله هو الشيخ نعيم قاسم، بصفته نائباً حالياً للأول. لكنّ احتمال اختيار شخص آخر وارد، ومن بين الأسماء المطروحة رئيس المجلس التنفيذي للحزب السيد هاشم صفي الدين، وهو من أقارب نصرالله ويُشبهه في الشكل كثيراً.

إذن، البيوت السياسية مستمرة في لبنان، وإن أُقفل بعضُها. والأبناء أمام خيارين: إما الحفاظ على الإرث الذي تركه الآباء ومراكمة الإنجازات فوقه، وإما أن يُفرطوا به، وينطبق عليهم، آنذاك، ما قالته عائشة الحرة لإبنها آخر ملوك الأندلس أبو عبد الله محمد الثاني عشر "ابكِ مثل النساء ملكاَ مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال".

 

أبرز الشخصيات السياسية التي تفرّدت، ولا تزال، بالمناصب السياسية أو الحزبية على مدى عقود طويلة:

  • الرئيس نبيه بري، يترأس المجلس النيابي منذ العام 1992، ويترأس "حركة أمل" منذ العام 1980 ولغاية اليوم.
  • السيد حسن نصر الله، يشغل منصب الأمين العام لـ"حزب الله" منذ العام 1992.
  • النائب وليد جنبلاط، يترأس "الحزب التقدمي الإشتراكي" منذ العام 1977، ودخل إلى البرلمان اللبناني في العام 1991 ولا يزال نائباً حتى اليوم.
  • الدكتور سمير جعجع، يترأس الهيئة التنفيذية في حزب "القوات اللبنانية" منذ العام 1986.

 

أبرز الأحزاب القائمة على مبدأ الوراثة السياسية:

الوريث الثاني

الوريث الأول المؤسس الحزب

تيمور جنبلاط

وليد جنبلاط

كمال جنبلاط

التقدمي الاشتراكي

سامي الجميل

أمين الجميل

بيار الجميل

الكتائب اللبنانية

جبران باسيل

ميشال عون

التيار الوطني الحر

سعد الحريري

رفيق الحريري

المستقبل

غير محدّد

نبيه بري

موسى الصدر

حركة أمل

سليمان فرنجية روبير فرنجية طوني فرنجية

تيار المردة

فيصل كرامي

عمر كرامي

التحرر العربي

ميريام سكاف

الياس سكاف الكتلة الشعبية

دوري شمعون

داني شمعون كميل شمعون الوطنيين الأحرار
كارلوس اده

ريمون اده

الكتلة الوطنية

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.