فخامة الرئيسة لور شيحا الخوري

مع أنّ ما من سيدة لبنانية أولى دخلت القصر الجمهوري ممسكة بيد "تلميذها"، كما فعلت سيدة فرنسا الأولى بريجيت ترونيو مع زوجها الرئيس إيمانويل ماكرون. وعلى الرغم من أنّ ما من سيّدة لبنانية أولى استأثرت بعناوين الصحف بسبب مرورها بمتاعب مع زوجها الرئيس، أو بسبب علاقاتها الغرامية خارج الزواج، أو بذخها،أو خيانة زوجها لها، أو ..، أو..، فإنّ لبنان يحفظ لسيداته الأوليات صوراً في ذاكرته القريبة والبعيدة رغم احتجاب بعضهن خلف جدران القصر.

اهتمّ لبنان الشعبي بسيداته الأوليات منذ عهد "الجمهورية الأولى". 13 رئيساً للجمهوريّة تعاقبوا على رئاسة الجمهورية في الجمهوريتين الأولى والثانية، ومعهم 12 سيدة أولى. وحده الرئيس الراحل الياس سركيس دخل القصر وحيداً وخرج منه بمفرده لأنّه عاش عازباً ومات عازباً.

12 سيدة أولى، بعضهنّ دخلن القصر، وأخريات لم يتسن لهن العيش في أرجائه، بدءاً من لور شيحا زوجة أوّل رئيس جمهورية في عهد "الجمهورية الأولى" إلى ناديا الشامي زوجة آخر رئيس جمهورية في عهد "الجمهورية الثانية، وحصلن على لقب "وجه القصر الجميل"، علماً أنّ بعضهن يصعب إيجاد صورة لهنّ على حائط "غوغل" نظراً إلى انكفائهن واكتفائهن بلقب "زوجة الرئيس"، ولكن في مقابل اللواتي اخترن العيش في ظلّ الرئيس، هناك سيدات أوليات عاش الرئيس في ظلّهن.

"الرقيب" تجول على تاريخ سيدات القصر منذ الاستقلال إلى اليوم، وتسلّط  الضوء على الأدوار المتفاوتة التي لعبنها خلال عهد أزواجهن، بدءاً من لور شيحا وزلفا تابت وروزيت بواتيو ونينا طراد وإيريس هنديلي وصولاً إلى صولانج توتونجي وجويس تيان ونايلة عيسى الخوري ومنى جمال وأندريه عمدوني ووفاء سليمان ونادية الشامي. صور بعض السيدات الأوليات بالأبيض والأسود ولكن سيرتهن ملونة، وصور أخريات ملونة ولكن سيرتهن بالأبيض والأسود لكثرة ما هي مملّة.

البداية مع لور شيحا، أوّل لبنانية دخلت القصر وحملت لقب سيدة لبنان الأولى.

 

كانت لور شيحا زوجة الرئيس بشارة الخوري، أول لبنانية تحمل لقب السيدة الأولى في تاريخ لبنان بعد الاستقلال.

كان يمكن للسيدة التي مكثت في القصر تسع سنوات منذ عام 1943 ولغاية عام 1952 في ولاية رئاسية مكتملة وأخرى نصف مكتملة، أن تترك أثراً بالغاً في نفوس اللبنانيين، خاصة وأنّها أول سيدة أولى في "الجمهورية الأولى"، ولكنها مرّت على اللقب مرور الكرام، واللقب مرّ عليها مرور الكرام، فلم تضف هي إليه ولم يُضف هو إليها.

 

في تخفّي لور شيحا خلف جدران قصر الاستقلال في القنطاري، وعدم قيامها بأي دور ريادي، "جريمة" مزدوجة، لأنها في انتمائها العائلي المزدوج، لم تكن يوماً في كنف عائلة منكفئة، لا سياسياً ولا اجتماعياً ولا حتى اقتصادياً.

فقبل أن يصبح الشيخ بشارة الخوري رئيساً للبنان، كان رئيساً للحكومة في "دولة لبنان الكبير"، وأُسندت إليه عدة حقائب وزارية، ولذلك فإن المناصب الرفيعة لم تكن جديدة على ابنة العائلة الارستقراطية، التي اكتفت وهي في القصر بلعب دور "أم الأولاد" خليل وميشال وأوغيت.

قبل أن تصبح لور شيحا زوجة السياسي بشارة الخوري، كانت في كنف عائلة بيروتية عريقة، ويكفيها أنّها شقيقة ميشال شيحا، الرجل الذي صاغ فكرة الدولة اللبنانية، وكتب عن تمازج عناصر ثقافتها، ووضع دستورها الأول. فابنة العائلة العريقة، وشقيقة الرجل الذي لا تزال أفكاره السياسية والفلسفية والاقتصادية تؤثر على مسيرة لبنان حتى اليوم، لم تترك أي بصمة، لا أثناء وجودها في القصر ولا بعد مغادرته، لأنها لم تلعب أي دور، لا في العلن ولا من وراء الكواليس. ونتيجة هذا الفتور في تعاطيها مع لقب السيدة الأولى، لم يُسجّل التاريخ ولا المراجع معلومات كثيرة عنها، وجلّ ما يمكن للباحث في تفاصيل سيرتها الذاتية أن يجده عنها، هو الثروة التي حقّقتها لور شيحا خلال عهد زوجها الرئاسي الذي عَرف المتاجرة بالنفوذ وتنفيع ذوي القربى، واستثمارها لأموالها في الولايات المتحدة الأميركية.

 

السيدة الأولى التي لم تلعب أدواراً في حياة زوجها السياسية، تركت الملعب لشقيقها، الذي لعب أدواراً مساندة في حياة صهره السياسي والرئيس. وبخلاف أدوار الشقيق الإيجابية، يحكى عن دور سلبي لعبته واحدة من شقيقات لور الخمس في حياة الرئيس بشارة الخوري. فقصة صراع ماري شيحا حداد، الرئيسة السابقة لنقابة الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت، مع صهرها الرئيس بشارة الخوري، بدأت منذ أن اعتنقت مع زوجها وبناتها الثلاث "الداهشية"، وباتت من أتباع "الدكتور داهش"، الرجل الداهية الذي قضّ مضجع الرئيس بشارة الخوري، كما يروي عنه أتباعه، من خلال اتهامه له بأنه طاغية يضطهد الفكر الحر في لبنان. فعلى مرمى حجر من القصر الجمهوري، خاضت شقيقة السيدة الأولى حرباً ضروساً ضد عهد صهرها الرئيس بشارة الخوري، وأدخلت مصحاً للأمراض العقلية ومن ثمّ أُدخلت السجن ولم تتخلَ عن عقيدتها، ويروي المؤرخون أنها صاحبة "الكتب السوداء" الـ 65 المناهضة لعهد الرئيس الراحل الشيخ بشارة الخوري.

سيدة القصر الأولى لور شيحا التي دخلت حياة الشيخ بشارة الخوري بجهد من والدته التي "زوّجته" لها بناء على صداقة وطيدة جمعتها بآل شيحا في الاسكندرية، كانت سيدة بالأبيض والأسود، ولم تجهد لإضافة ألوان إلى صورتها، ولذلك لا يُعثر في سيرتها إلاّ على خبري ثروتها المالية واضطرارها للعودة إلى بيروت خلال تمضيتها شهر العسل، لأنّ الشيخ بشارة الخوري أراد أن يكون شاهداً على مسار معركة انتخابات بلدية العاصمة، حتى لا يستفرد غريمه إميل إدة بالساحة السياسية.

حسن درويش
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.