هل تنهي وثيقة الأحزاب "دموية" الانتخابات الطلابية؟

محمد شرف الدين

في كل دول العالم، تكون الجامعات نموذجاً مصغراً عن مجتمع البلد، إذ أنها تجمع مختلف بيئات البلد الواحد، بأطيافهم وأعراقهم ودياناتهم، تحت سقف واحد للتبادل الفكري والاندماج الاجتماعي. في لبنان يختلف الامر وإن تشابه، فالجامعات اللبنانية تجمع البيئات على اختلاف انتمائتها السياسية والمذهبية، لكن بوجود الإحتقان الطائفي والإصطفاف السياسي، يتحول التبادل الفكري والاندماج الاجتماعي الى "نكايات حزبية" و"استفزازات طائفية"، خصوصاً أن المحاصصة تمنح كل حزب سيطرة على جامعة أو فرع، فيتحول مؤيدو الحزب غير المسيطر الى "أقلية".

ولما كان منسوب التوتر يرتفع بين الأحزاب، كان هذا التوتر ينعكس على العلاقات داخل الجامعات، ليتسبب في بعض الاحيان بإشكالات واشتباكات "دموية" ذات خلفيات سياسية وطائفية. ولما بدأ الوفاق يسيطر على علاقات الأحزاب التي اشتهرت بخلافاتها، لم تتأخر الهيئات الطلابية على أن تحذو حذوها.

في مشهد أقل صخباً من "اتفاق معراب" الذي وصف بالتاريخي، اجتمع 27 من المنظمات الشبابية في الاحزاب اللبنانية بدعوة من "التيار الوطني الحر"، (غاب عنهم حزب الله لأسباب لوجستية ترتبط بتطورات في الحرب في سوريا يوم اللقاء)، لمناقشة وثيقة تفاهمية سعياً لخوض انتخابات طلابية ديمقراطية من دون تحريض طائفي أو مذهبي. وبعد تشاور دام ساعة ونصف، توصل المجتمعون لوثيقة ركزت على ثلاثة مبادئ أساسية هي:

– تنظيم الإختلاف السياسي في الجامعات وعدم الإنجرار وراء التحريض الطائفي والمذهبي.

– التأكيد على أن العمل الحزبي في الجامعات يصب في مصلحة الطلاب لا في مصلحة الأحزاب.

– التأكيد على الروحية الديمقراطية بحيث يهنئ الخاسر الفائز، والفائز يعمل من أجل الجميع.

هذا "العرس" الشبابي الديمقراطي انتهى بحصول الوثيقة على تأييد شبه كامل، وفيما امتنع كل من "القوات اللبنانية" و"الحزب التقدمي الإشتراكي" و"حزب الوطنيون الأحرار" عن التوقيع، إلا أنهم أكدوا التزامهم بمضمونها، وبرروا امتناعهم عن التوقيع بأن مبادئ الوثيقة لا تختلف عن مبادئهم المتبعة و"لا حاجة لتأكيد المؤكد"، بإستثناء "القوات" التي اتخذت موقفاً أكثر حدة ورفضت التوقيع بسبب غياب "حزب الله" على اعتبار أنه "مسبب الإشكالات الكبيرة والذي يمتنع عن تنفيذ قرارات الإدارات الجامعية"، لكنها أكدت أيضاً أن روحية الوثيقة هي نفسها روحية "القوات" في العمل السياسي الطلابي.

لا بد من التنويه بمبادرة "التيار"، وبغض النظر عن موقف "القوات"، لكن السؤال الذي يطرح هو إذا كانت هذه المنظمات الشبابية تتعامل مع بعضها بهذه المثالية، فلماذا كانت تشهد ساحات الجامعات اللبنانية، بشكل متكرر كل سنة، إشكالات وتضارب بين مختلف مؤيدي الأحزاب، على نحو لا يمت للرقي والعلم والثقافة بأي صلة؟ كدنا نظنّ أن مجتمع الفضيلة قد تحقق، والطلاب في الجامعات اللبنانية يتعايشون و"يتثاقفون"، ويشكلون مثالاً يحتذى به بالتحضر والديمقراطية!

قبل أن يجف الحبر على ورق الوثيقة، وقع إشكال بين طلاب "القوات" و"حزب الله" في الجامعة اليسوعية، بسبب حوار كان يدور بين طلاب من "القوات" ومن "أمل" لحين تدخل أحد المنتمين الى "حزب الله" ما أدى الى تصاعد حدة النقاش الذي تحول إشكال وتضارب، على خلفية صور نشرها حساب طلاب "القوات" بمناسبة "عاشوراء"، وفيها نقد لاذع لممارسات الطائفة الشيعية في هذه المناسبة. تم فض الإشكال إستناداً لسياسة ضبط النفس واعتماد الحوار البناء وعدم تعكير الاجواء في الجامعة.

تبقى الإنتخابات الطلابية هي المعيار الحقيقي لاختبار فاعلية الوثيقة، فالجامعات اللبنانية بدأت تفتح أبوابها، وقطار الإنتخابات الطلابية ينطلق من "الجامعة اللبنانية الأميركية"، فهل يلتزم الموقعون بالمبادئ التي اتفقوا عليها أم تتغلب الطائفية على "حبر الورق"؟

 الجامعة اللبنانية.. تتجنب الإشكالات بتعليق الإنتخابات!

22 نيسان الماضي كان الموعد المحدد لإجراء الإنتخابات الطلابية المعلقة منذ سنوات في الجامعة اللبنانية، إلا أن مجلس الجامعة رأى أن إجراء الانتخابات غير ممكن في ظل الوضع السياسي السائد في البلد في وقتها، والتوترات الأمنية، والخلافات بين القوى، خصوصاً وأن الإشكالات تكررت في مجمع رفيق الحريري في الحدت، وأدى بعضها الى سقوط جرحى من الطلاب، وكان آخرها بين طلاب حركة "أمل" وطلاب "حزب الله"، فتم تأجيل الإنتخابات الى أجل لم يتم تحديده حتى اليوم!

ولعل الانتخابات الطلابية في الجامعة اللبنانية كانت ستشعل الخلاف في صفوف مجلس الجامعة وممثلي الأحزاب فيه، وليس فقط الطلاب، هذا ما أظهرته اجتماعات مجلس الجامعة التي كان يفترض أن تعد للانتخابات وتدعو اليها، لولا رفض "حركة أمل" اجراء الانتخابات على أساس القانون النسبي، حيث اعتبرت أن الطلاب وقعّوا هذا النظام "تحت رهبة الأمين العام للحزب الشيوعي وعضو المكتب السياسي لحزب الكتائب"، لتنجح "أمل" لاحقاً في تطيير الانتخابات التي كان من شأنها حرمان "أمل" من الحصول على الأكثرية في كليات عدة تسيطر عليها حاليا، ولا سيما الحقوق والاعلام.

حال الجامعة اللبنانية و"الاحتقان" التي تحتويه، يجعل وضعها أكثر تعقيداً من باقي الجامعات، فاختار مجلسها تجنب الانتخابات "عن بكرة أبيها"، حقناً للدماء!


سجل الإشكالات

في العام 2013، حصل تلاسن واشكال في ​"الجامعة اليسوعية​" على خلفية نتائج الانتخابات بين "الكتائب" و"حزب الله".

في العام 2014، حصل إشكال كبير في "جامعة سيدة اللويزة" بين طلاب "التيار الوطني الحرّ" و"القوات اللبنانية".

العام 2016، أدى تلاسن بين طالبين في "الجامعة الأنطونية" من "القوات اللبنانية" و"حزب الله" إلى تدافع بين الطرفين ليتطور الإشكال في ما بعد، تبعه إعتداء على طلاب أثناء تواجدهم في مقهى الجامعة وانتهى بتدخل القوى الأمنية.

في العام 2016 أيضاً، وعلى خلفية إقامة طلاب "الكتائب" تكريماً للرئيس بشير الجميل في "الجامعة الاميركية في بيروت"، نفذ طلاب "الحزب السوري القومي الاجتماعي" إعتصاماً مفتوحاً على مدخل الجامعة رفضاً للتكريم، ثم وقع إشكال بين الطرفين سرعان ما طوقته القوى الأمنية، وعلى الأثر تم إلغاء التكريم وفك الإعتصام بعدها.

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.