مسافات ضوئية بين "فتيلنا" العائم و"نووي" الامارات "الطائر"

نورما أبو زيد

يروي أحد "التغييريين" أنّه قصد مؤخراً مكتب وزير الطاقة سيزار أبي خليل، وقال له "مرتا، مرتا، أنتِ تهتمين بأمور كثيرة والمطلوب واحد هو تغليب مصلحة المواطنين اللبنانيين على حسابات اللاعبين السياسيين".

إذا صحّت رواية "التغييري" بأنّه توجّه بهذا الكلام الصريح إلى وزير الطاقة، فإنّ "رواية مرتا" التي تلاها على مسمع أبي خليل، يمكن تلاوتها على مسامع كلّ الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة الطاقة منذ التسعينات إلى اليوم.

16 مليار دولار، أنفقت الدولة اللبنانية من جيوب اللبنانيين على قطاع الكهرباء منذ العام 2008.. والكهرباء مفقودة. السبب هو ربط القرارات الاقتصادية للدولة بالمصالح السياسية لأركان الدولة. وما يصحّ منذ العام 2008 إلى اليوم، يصحّ أيضاً منذ التسعينات إلى الـ 2008، ويصحّ أيضاً من الآن وحتى الـ2080.

وزراء كثيرون تعاقبوا على وزارة الطاقة منذ التسعينات إلى اليوم، و"التوجّه" واحد بالرغم من مشاربهم السياسية المختلفة والمتنوعة. تذهب أموال الكهرباء إلى بئر بلا قعر، والنتيجة: تقنين كهربائي ندفع ثمنه في فاتورتين، واحدة للدولة وأخرى لـ "تجار" المولّدات.

عندما دخل الدم "البرتقالي" إلى وزارة الطاقة مع الوزير جبران باسيل، وُعِدنا بترجمة شعار "الدولة قادرة على إخراج لبنان من الظلمة"، ولكن هذا الشعار لم يسلك طريقه إلى التنفيذ، لأسباب كثيرة من بينها إغراق البلد بمليون ونصف مليون نازح سوري. تبخّر حلم الـ 24/24 في الـ 2015، ولكن استمرّ الأمل، إلى أن جاءنا وزير الطاقة سيزار أبي خليل بخطة إغراقية للبلد على متن بواخر تركية عائمة لـ "إنقاذ" الكهرباء.

لن ندخل في تفاصيل الثغرات الفضائحية التي وثّقت تفاصيلها لجنة إدارة المناقصات، وأشبعها الإعلام درساً وتمحيصاً وتفنيداً، ولكن لا بدّ من القول إنّ المصالح الشخصية هي التي تقف مجدداً حائلاً دون الوصول إلى رؤية جدية لمعالجة أزمة الكهرباء المزمنة، وهذا تحديداً ما دفع وزير الطاقة للخروج بحلّ ترقيعي جديد، يعمّق الأزمة ويزيد الكلفة، فيما المطلوب هو الكفّ عن المتاجرة السياسية بأمور الناس.

لماذا تغفل الحكومة إمكانية الاستفادة من الشمس التي هي مصدر طاقة متوافر بشكل كبير في لبنان ويؤسّس لحلّ مستدام عبر شركات خاصة تعفي الخزينة وتضع الدولة لفواتيرها سقوفاً مالية تحمي المواطنين؟ ولماذا تغفل تالياً إمكانية تقليص التلوّث البيئي؟

على مرمى حجرين من لبنان، وعلى بعد أسبوعين من اليوم، احتفلت مدينة دبي بكسرها أرقاماً عالمية في إنتاج طاقة نظيفة من خلال مشروع "محمد بن راشد للطاقة الشمسية" الذي هو أكبر مشروع في العالم لتوليد الكهرباء من الطاقة البديلة، وذلك ضمن استراتيجية طموحة للإمارة لرفع نسبة الطاقة المولّدة من مصادر نظيفة إلى 75 بالمئة بحلول 2050.

بن راشد، الحاكم الراشد والرشيد، يفكّر بخطة يستوفي كافة مفاعيلها في العام 2050، وحكام لبنان يعجزون عن وضع خطة أبعد من أنوفهم التي تزكمها روائح الصفقات المتلاحقة.

أكثر من مقارنة أُجريت سابقاً بين لبنان ودولة الإمارات، بيّنت أنّ ما جعلنا نعود إلى الوراء وما جعلهم يتقدّمون إلى الأمام، هو إحساس مسؤوليهم بالمسؤولية. من يقصد إمارة دبي يشعر أنّها "عاصمة الكون"، بينما من يقصد بيروت يشعر أنّها خارج هذا الكون!

يشعر بعض اللبنانيين بالحرج لدى الحديث عن إنجازات هذه الإمارة الصغيرة التي نجحت في تكوين سمعة كبيرة، ولكن لا ضير من التذكير مجدداً بنجاحات هذه الإمارة وكل إمارات الإمارات، لأنّ في الإعادة إفادة.

ففي مناخ شبيه بمناخ نجاحات دبي، تستبق حكومة أبو ظبي خطواتها نحو المستقبل، مسجّلة إنجازاً في الطاقة النووية السلمية، بعدما حوّلت منطقة "براكة" من منطقة مياه ضحلة إلى ذراع تنموية مستقبلية رائدة، تدعم نمو وازدهار دولة الإمارات، عبر إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية، من خلال محطات أربع توفّر طاقة آمنة وموثوقة ومستدامة وصديقة للبيئة. وفي الوقت الذي تُبحر فيه الإمارات نحو المستقبل بخطى قوية وواثقة ومدروسة عبر منظومة نووية سلمية متكاملة لإنتاج الكهرباء، تُبحر إلى شواطئنا بواخر "مثقوبة" لتوليد الطاقة، تذكّرنا بأنّنا ما زلنا في عصر "أبو فتيلة". وعليه أليس مشروعاً القول إنّ مسافات ضوئية تفصل بين "طاقتنا" وطاقاتهم؟

مقارنة سريعة بين "طاقتنا" وطاقاتهم كفيلة باستخراج جواب على السؤال الذي نطرحه دائماً "لماذا لديهم وزارة لإسعاد مواطنيهم، ولدينا وزارات لإتعاسنا؟".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.