"ربط النزاع" يترنح لبنانياً.. والسعودية "عائدة" الى سوريا

* نورما أبو زيد *

في اللحظة التي اندلعت فيها الحرب السورية في النصف الثاني من العام 2011، لم يكن لبنان أولوية على الأجندة السعودية، ولكن يبدو أنّه عاد ليكون أولوية بالنسبة لها في الربع الأخير من العام 2017، حيث تحطّ الحرب السورية أوزارها. وهنا يجوز القول إنّ عين المملكة على لبنان، إنّما الهدف الحقيقي هو سوريا.

غابت المملكة 6 سنوات عن الحضور الفاعل في لبنان، وكانت البداية مع بداية "الربيع السوري"، حيث اعتبرت الرياض في حينها أنّ من يربح في سوريا يربح في لبنان والمنطقة، واعتقدت أنّ النظام السوري لن يكمل عامه، ولكن بعد سنوات ست من عمر صمود النظام وتبدّل المشهد لصالحه، بات الاعتقاد اليوم أنّ من يخسر في سوريا يخسر في كلّ المنطقة، ومن يربح في لبنان يمكنه أن يحسّن شروطه في سوريا. وفي هذه الخانة تحديداً تُسجّل الاستدارة السعودية تجاه لبنان، التي تمثّلت أولاً بجولة قام بها وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان على أقطاب "14 آذار"، وثانياً بلقاءين عقدهما مؤخراً ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، ورئيس حزب "الكتائب" النائب سامي الجميل، ومن المتوقع أن تكرّ في المرحلة المقبلة سبحة اللقاءات والخطوات التي تصبّ في إطار إعادة تفعيل اهتمام الرياض بما يجري في لبنان، وهناك أنباء تتحدّث عن أنّ المملكة وجّهت دعوة لرئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب وليد جنبلاط، وأخرى إلى وزير العدل السابق أشرف ريفي الذي لبّى الدعوة بحسب بعض التسريبات، بعيد لقاء جمع بينه وبين القائم بأعمال السفارة السعودية في بيروت وليد البخاري، اتّفقا خلاله على تنسيق الجهود تمهيداً للمرحلة المقبلة التي تنوي فيها المملكة نفض الغبار عن أركان "14 آذار" استعداداً لوضعهم في الخدمة.

انطلاقاً من ذلك، يبدو أن المشهد اللبناني يقف على عتبة تحولات جذرية، علماً أنّه قبل عام من اليوم، كان أغلب الظنّ أنّ الانقسام العامودي بين "8 و14 آذار"، الذي حكم لبنان طيلة 11 سنة قد ولّى مع التوافق على انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وذلك بعدما أصيب فريق "14 آذار" بتلاشٍ تدريجي دفعه إلى تبنّي ترشيح العماد عون. ولكن يبدو أنّ السعودية اكتشفت، إبان الخلل الفاقع في التوازنات الإقليمية، أنّ عدم ممانعتها انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية لم يكن في محلّه، وأنّها بالتالي قدّمت خدمة لـ "محور الممانعة" الذي يتوسّع في المنطقة على حساب مشروعها. ولذلك، بحسب مصدر مسؤول في "14 آذار"، هي في طور بلورة رؤية جديدة للبنان والمنطقة، وبرأيه ستتكرّس العودة السعودية إلى لبنان من خلال تعيين المملكة لسفير جديد هو الدبلوماسي وليد اليعقوب الخبير بالشؤون اللبنانية، الذي أرسلت أوراق اعتماده إلى وزارة الخارجية اللبنانية قبل مدة وجيزة.

هذه التطورات التي تشهدها الساحة اللبنانية، والتي سببها الشعور المتعاظم لدى الرياض بأنّ أمور المنطقة تسير وفق ما تشتهيه سفن طهران، تشير إلى أنّ لبنان يتحضّر لمرحلة استقطاب جديدة بعد أن كان مصاناً بتقاطع المصالح. وهنا السؤال الذي يطرح نفسه: هل انتهى زمن "ربط النزاع" في لبنان وتحييده عن أزمات المنطقة؟ وهل أصبحت تالياً التسوية السياسية التي أنتجت حكومة توافقية، قاب قوسين أو أدنى من السقوط؟ وفي هذه الحالة من سينقلب على من؟ ولمصلحة من لبنانياً الانقلاب على الـ"ستاتيكو" الحالي؟ وهل يمكن أن تعود السعودية إلى لبنان كي تصل تالياً إلى سوريا، ولكن ليس عبر الحريري؟

في الردّ على السؤال الأخير، يؤكّد المصدر "الآذاري" أنّ الدعوات السعودية شملت أيضاً رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يتحضّر لزيارة المملكة قريباً، ويقول إنّ الرياض لا تنوي تخطّي الحريري، ولكن التحضيرات لزيارته تختلف عن التحضيرات لزيارة سائر أفرقاء "14 آذار" كونه رئيس حكومة.

ولكن كيف ستستعيد السعودية أدوارها الفاعلة على الساحة اللبنانية، والحريري الذي يعتبر "قائد السنة" في لبنان هو الحلقة الأضعف ضمن المنظومة الحاكمة، نظراً إلى المسار التصاعدي لـ "صقور" التيارات السياسية المحسوبة في خانة "أعداء" الرياض؟

يقول المصدر المسؤول في "14 آذار" إنّ ما بعد عودة السعودية إلى لبنان لن يكون كما ما قبلها. وفي حين يعتبر مراقبون أنّ الدعوة السعودية ستصطدم بحائط صدّ من الرئيس الحريري نفسه، الذي لا يمكنه التخلّي عن المكاسب التي يحققها من خلال وجوده في السلطة، يقول المصدر الآذاري إنّ هذه التكهنات التي مصدرها أفرقاء في "8 آذار" لا معنى لها، لأنّها لا تدور سوى في "مخيلتهم المريضة"، ويشدّد في هذا الإطار على أنّ المملكة لم تلعب يوماً أدواراً سلبية في لبنان، وعودتها بقوة إلى الساحة السياسية اللبنانية لا تعني شقّ الصفّ اللبناني، وإنما "وضع بعض النقاط على بعض الحروف كي تصبح الكلمات مقروءة وأكثر وضوحاً".

يقول المصدر الآذاري إنّ إعادة تعويم فريق "14 آذار" كي يعود مجدداً كتلة متماسكة في الرؤى والأهداف، لن يروق حتماً لفريق "8 آذار" الذي حلّق بلبنان، منذ عام إلى اليوم، خارج السرب العربي، ويرجّح أنّ يجنح فريق "8 آذار" نحو العنف في صدّه لعملية إعادة التوازن المطلوبة والمنتظرة، وهذا برأيه طبيعي ومتوقّع في ظلّ فائض القوة الذي تحدّث عنه الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله خلال إطلالاته في الأسبوع المنصرم.

أمّا عن إمكانية "إحياء عظام 14 آذار وهي رميم، فيشرح المصدر أنّ التحالف الآذاري الذي شُكّل على أثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تعرّض إلى هزات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، نتيجة ضغط السلاح، فضلاً عن النظرة الضيقة التي اتسم بها أداء بعض مكونات هذا التحالف، عبر سعيهم إلى تحقيق مكاسب فئوية ضيقة على حساب المشروع الذي أنشئ من أجله التحالف، والذي هو مقاومة النفوذ الإيراني ومن ثمّ السوري، وبرأيه الكلّ تعلّم من أخطائه السابقة، وبالتالي يمكن للمملكة أن تلمّ مجدداً شمل العائلة الآذارية تحت عنوان مواجهة مشروع إيران في لبنان والمنطقة.

على المقلب الآذاري الآخر، (8 آذار) يرى كثيرون أنّ الاستفاقة السعودية ليست إلاّ امتداداً لمرحلة جديدة تعيشها المنطقة بعد أن كادت الحرب السورية تحطّ أوزارها، لتبدأ مرحلة تقسيم المغانم بين القوى النافذة إقليمياً ودولياً. ويقول مصدر مراقب في "8 آذار"، إنّ الرياض تزرع في لبنان كي تحصد في سوريا، لأنّها لا تريد أن تخرج من المولد السوري من دون حمص.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.