بين وهم "النأي بالنفس".. واستنهاض "14 اذار"

رفعت البدوي

مع اندلاع الازمة السورية، انكبت جهات خارجية، أمريكية اوروبية وحتى بعض دول الخليج العربي، للبحث عن الساحات والسبل الآيلة الى تأمين المناخات السياسية والاعلامية ـ وحتى العسكرية ـ وتسخيرها واستثمارها بالسرعة اللازمة مع كافة المستلزمات التي تكفل تحقيق الهدف المنشود، ألا وهو الاسهام في إسقاط النظام السوري.

ولطالما كانت الساحة اللبنانية توصف بأنها الخاصرة الرخوة لسوريا، ولهذا وقع الاختيار عليها لاستخدامها مع  مختلف الوسائل المتاحة فيها، الاعلامية والسياسية،  اضافة الى تنفيذ عمليات تهريب السلاح وإنشاء الخلايا وتأمين مراكز الاجتماعات، وحتى في تجنيد العديد من  الشبان اللبنانيين وغير اللبنانيين للمشاركة في المعارك الدائرة في سوريا تحت مسمى "الجهاد" ضد النظام السوري والعمل على إسقاطه، وذلك لتحقيق مآرب وأهداف تخدم الجهات الخارجية لكنها لا تخدم الساحة اللبنانية.

وبما ان لبنان ابتُلي بطبقة  سياسية اشتُهرت بعدم الانتاجية على الصعيد الوطني، وببراعة انتاج الانقسام والفساد  السياسي والانصياع لتأمين مصالح "بيت المال"، عربياً كان أم أجنبياً حتى لو كان على حساب المصلحة الوطنية، انقسم اللبنانيون بين مؤيد لاسقاط النظام في سوريا تحت شعار "التخلص من الدكتاتورية ونظام القمع فيها، واستبداله بـ"عسل" الديمقراطية والحرية، تماشياً مع مشروع الشرق الاوسط الجديد المصنّع والمعلّب أمريكياً بالتكافل والتضامن مع الصهيونية العالمية.

اما الفريق الآخر، فقد آثر الدفاع عن سوريا العروبة، كونها آخر حصن عربي في المنطقة، وهي التي عرف عنها بانها قلب العروبة النابض والداعمة لحركات المقاومة والتحرر ضد العدو الاسرائيلي، والنظام الذي اشتهر برفضه التوقيع على معاهدة سلام مع العدو الاسرائيلي، ونظراً لما تمثله سوريا من موقع جيوسياسي مهم، ولانها تُعتبر حلقة الربط بين قوى الممانعة الممتد من إيران الى لبنان. اعتبر الفريق المدافع عن سوريا ان الواجب القومي والتاريخي والنضالي، يحتم علية الدخول في معركة الدفاع عن سوريا العروبة ونظامها، انطلاقا من وضع استراتيجية تفرض عليه مواجهة المخططات الامريكية الصهيونية الهادفة الى زعزعة النظام السوري تمهيداً الى تقسيمها.

إذن، انقسم لبنان بين مؤيد لوحدة سوريا، وضرورة تقديم كل المساعدة والمساندة في شتى المجالات التي تسهم في تعزيز صمودها والحفاظ على قوة ووحدة جيشها، والعمل على إبقاء نظامها متماسكاً مهما كلف الامر.
وبين فريق ساعٍ الى تنفيذ وتأمين كل مستلزمات المشروع الامريكي الصهيوني، جاعلاً من لبنان مقراً وممراً ومستقراً للتنظيمات المتطرفة، المدعومة بتمويل خليجي، لاسقاط نظم الممانعة في المنطقة.

امام هذا الانقسام على الساحة اللبنانية، ونظراً لحاجة القوى الخارجية الى تأمين منطقة آمنة لوجستياً، وخوفاً من انفجار لبنان جراء الانقسام الحاصل، تم ابتداع واطلاق شعار "النأي بالنفس" واعتبار ما يجري في سوريا شأن سوري داخلي. بيد ان الحقيقة من رفع شعار "النأي بالنفس"، كان بغرض التلطي والاحتماء به من قبل القوى السياسية اللبنانية نفسها التي سعت الى استعمال الساحة اللبنانية منصة للانطلاق نحو اسقاط النظام في سوريا.

ان ما قامت به بعض الجهات السياسية في لبنان من ممارسات، لا ينم عن الالتزام بسياسة "النأي بالنفس"، فعقارب ساعة بعض الساسة في لبنان ضُبطت على موعد اسقاط النظام السوري، ومنهم من راهن و أعطى مواعيد لا يمكن تخطئ لاسقاط النظام السوري. اما البعض ممن شكل راس حربة في مشروع التآمر على اسقاط النظام السوري، فقد اطلق شعاره الشهير بانه لن يعود الى لبنان الا عبر مطار دمشق الدولي. اما باقي الادوات فقد استعمل منصبه الرسمي للتلطي خلف تهريب الاسلحة الى التنظيمات الارهابية في  الداخل السوري عبر موانئ لبنانية، مستعملاً بواخر تحت مسمى "لطف الله"، وبعض الادوات تسلل الى الداخل السوري عبر تركيا مقحماً نفسه في عملية التآمر على سوريا، تنفيذاً لاوامر خارجية بحجة توزيع الحليب والبطانيات للشعب السوري.

البعض أيضاً من هؤلاء مطلقي شعار "النأي بالنفس"، تنطّح ليدّعي الحرص على حياة اللاجئين السوريين، والعمل على منعهم من العودة الآمنة الى ديارهم الا من خلال قرار صادر عن الامم المتحدة.

مؤخراً قامت الدنيا ولم تقعد احتجاجاً على اجتماع وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل بوزير الخارجية السورية وليد المعلم في نيويورك، فقط لأن هذا البعض لا يريد الاعتراف او الاتصال بالنظام السوري، متناسياً زيارته الشهيرة الى قصر المهاجرين في دمشق ونزوله ضيفاً مكرّماً على سرير الرئيس السوري بشار الاسد.

لم نوثّق كل ما تقدم من باب المزايدة السياسية، بل لاظهار ما قامت بعض الجهات اللبنانية، خصوصاً اولئك الذين رفعوا شعار "النأي بالنفس"، وذلك مع سبق الاصرار والترصد، ليتبين بالدليل القاطع أن وهم "النأي بالنفس" لم يكن في يوم من الايام الا غطاء لتنفيذ اجندات خارجية لا تصب الا في مصلحة امريكا واسرائيل.

صمود سوريا وفشل مشروع اصحاب الشعار الشهير، وخسارة كل المراهنين، وتوقف عقارب الساعات المضبوطه على موعد سقوط النظام السوري، وعودة الرئيس سعد الحريري الى لبنان عبر مطار (رفيق الحريري) مطار بيروت الدولي، اضافة الى تغيير ملحوظ في السياسة العربية و الدولية والاوروبية لصالح الدولة السورية، وبعد اعتراف الرئيس  الفرنسي مانويل ماكرون بدور الرئيس السوري الفاعل في محاربة الارهاب وتقديم نصحه للمعارضة السورية بضرورة التعاطي مع المرحلة الجديدة التي تفرض بقاء الرئيس السوري بشار الاسد في منصبه، وضرورة بقاء الدولة السورية متماسكة، أصاب الفريق اللبناني في "14 آذار"، صاحب شعار "النأي بالنفس" في  بعثرة الاوراق والتحالفات، إضافة لحالة من الاحباط والضياع، وهذا ما دفع بالمملكة العربية السعودية للادراك بأنها خسرت معظم اوراقها على الساحة اللبنانية التي لطالما اعتبرتها ساحة مواجهه مع ايران و"حزب الله" وسورية.

ان خسارة الورقة السعودية في لبنان يعني ان السعودية فقدت السيطرة على اهم الساحات المؤهله لتنفيذ الاجندة السعودية المتماهية مع الاجندة الامريكية، وهذا الامر دفع بالمسؤولين في السعودية الى توجيه دعوات رسمية للفريق المكتئب صاحب شعار "النأي بالنفس" للقيام بزيارات الى السعودية، وذلك بهدف استنهاض  الساحة اللبنانية من جديد، وجعلها ساحة ملتهبة في مواجهة ايران و"حزب الله" وسوريا.

تصريح رئيس الاستخبارات السعودية السابق الامير تركي الفيصل الذي اشار فيه إلى ان السعودية لن تقبل ببقاء الرئيس الاسد، وبالإشارة الى كلام الأمين العام لـ"حزب الله" الذي حذر فيه من مغبة نتائج تلك الزيارات  الى السعودية، يشير بوضوح الى ان الساحة اللبنانية مقبلة على اشتباك عنيف يؤمل ان يبقى ضمن إطاره السياسي، وان لا يتطور ليصبح مماثلاً لما حصل في  أيار من العام 2008.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.