"الست نايلة".. المرأة "الحديدية"

** خضر طالب **

من دون ضجيج ولا احتفال ولا اجتماع عائلي أو للأنصار.. انكفأت نائلة معوّض تاركة الساحة لنجلها ميشال كي يملأ الفراغ الذي شغلته بحيوية استثنائية عندما اغتيل أول رئيس للبنان ـ الجمهورية الثالثة بعد الطائف.

"الست نايلة" لم تكن "أخت الرجال".. ربما كانت تتفوّق عليهم حتى يصح القول إن الرجال هم إخوة "الست نايلة"!

منذ اللحظة التي اغتيل فيها الرئيس الشهيد رينيه معوّض في عيد الاستقلال، اقتحمت نائلة معوّض كل الميادين السياسية: نيابية ووزارية.. ما فتح شهيتها لـ"اقتحام" قصر بعبدا بصفتها "الوكيلة الشرعية" لاتفاق الطائف، وعندما عجزت عن صرف تلك "الوكالة"، لم تمانع "اقتحام" قصر بعبدا للإطاحة بشاغله.

نائلة معوض تحوّلت من نائب وريث بحكم جريمة الاغتيال في يوم الاستقلال، إلى "قائد" في "ثورة الاستقلال" التي زحف اللبنانيون من كل المناطق إلى ساحة الشهداء في بيروت لـ"مبايعة" تلك الثورة البيضاء في 14 آذار.

بل ربما كانت نائلة معوّض أحد الذين صنعوا تلك المحطة التاريخية.. فالقرار اتخذ في منزلها وبحضور "الشاهد" جيفري فيلتمان عندما كان "سفيراً فوق العادة" للولايات المتحدة الأميركية. كان فيلتمان مساء 8 آذار محبطاً ومستسلماً للزحف الذي نظّمته القوى المؤيّدة لسوريا في لبنان.. لكن نائلة معوض رفضت الاستسلام مع ثلّة من أولئك الذين كانوا يعرفون أن نبض الشارع اللبناني في موقع مختلف ولا يريد الاستسلام.

تجربة نائلة معوّض في "لقاء قرنة شهوان" كانت قد نضجت.. الوقت قد حان لـ"الثورة".. ماذا ينقص تلك الثورة غير قائدها "الخفي"؟

لم تكن نائلة معوّض بعيدة عن "المرشد الروحي" لـ"قرنة شهوان"، ولم تكن بعيدة عن "نداء المطارنة الموارنة" الأول الذي كان بمثابة "البيان الرقم 1" في العام 2000. قبل ذلك العام كانت نائلة معوّض تحتسب سوريا حليفاً استراتيجياً.. منذ نداء المطارنة بدأ التحوّل في العلاقة مع سوريا. صارت نائلة معوّض على تباين مع سوريا ثم على خلاف وصولاً مواجهة.

لم تكن نائلة معوّض بعيدة عن "ترتيب" الظروف المناسبة لـ"الانتفاض" على تظاهرة 8 آذار المؤيدة لسوريا، في 14 آذار.. وبالتالي في تأسيس "جبهة 14 آذار" بالتعاون والتنسيق مع البطريرك صفير ووليد جنبلاط و"القوات اللبنانية" وقيادات تيار "المستقبل" الذين وقفوا إلى جانب سعد الحريري لتأمين انتقال إرث رفيق الحريري وقضيته إلى سعد.

أدركت "الست نايلة"، منذ اللحظة الأولى لتسلّمها إرث الرئيس الشهيد رينيه معوّض، أن اقتصار حضورها السياسي على زغرتا سيضعها في مواجهة مباشرة وغير متكافئة مع سليمان فرنجية. هي تعرف تماماً أن زرع آل فرنجية في زغرتا متجذّر ومتراكم، سواء بالخدمات أو بالقدرات أو بالسلطة التي يمتلكها. كانت تعرف أن "المردة" حالة سياسية حزبية تخترق عائلة معوض نفسها. لذلك أطلقت العنان لحركتها وحيويتها خارج زغرتا لتعويض "اختلال التوازن" داخل زغرتا مع سليمان فرنجية. في الأصل، كانت تراقب علاقة زوجها مع الرئيس سليمان فرنجية.. وعندما توفي الرئيس فرنجية كانت تدرك أنها غير قادرة على التعايش مع "سطوة" الحفيد سليمان فرنجية.. ونجحت "الست نايلة" في إلحاق هزيمة "تاريخية" بخصمها القوي، مستعينة بما بنته هي خارج زغرتا وبما قدّمه لها الاستنفار السياسي في العام 2005.

لا يمكن نسيان وقوف نائلة معوض في ساحة الشهداء، بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتكليف الرئيس عمر كرامي تشكيل الحكومة، لتعلن انقلابها على "الحليف" الذي وقفت وإياه في العام 2000 ضد القرار الذي اتخذه نائب الرئيس السوري آنذاك عبد الحليم خدام، وعمل على تنفيذه رئيس جهاز الأمن والاستطلاع اللواء غازي كنعان، بإلغاء عمر كرامي وسليم الحص ونائلة معوض من المعادلة السياسية عبر إسقاطهم في الانتخابات النيابية.

يومها صدح صوت "الست نايلة" ليلاً أمام الحشود التي استوطنت ساحة الشهداء، تعليقاً على معلومات عن استقالة بعض الوزراء في حكومة كرامي، "فرطوا.. فرطوا..". كانت فرحتها المنقولة على الهواء مباشرة تفوق كل تصوّر..

وعندما تقدّم عمر كرامي ببيان استقالته في مجلس النواب، كانت "الست نايلة" الأكثر سعادة بين زملائها، فوقفت وصفقت حتى احمرّت يداها.

تلك هي طبيعة نايلة معوض. تحبّ بقوة.. توالي بشدّة.. تعارض بشراسة.. تقفز فوق التاريخ بسرعة.. بالنسبة إليها كان المستقبل يقلقها. كانت تستعجل تحقيق إنجاز لتسلمه إلى "الوريث الشرعي" نجلها ميشال، فهي لطالما كانت تعتبر نفسها "وصية شرعية" على الإرث.

لا تشبه نايلة معوّض إلا نفسها.. هي صاحبة مدرسة خاصة بها في العمل السياسي.. تصبح الآمرة الناهية عندما ترغب أن تكون "الرئيسة"، وتكون الصديقة الوفية عندما تستعيد ذكرى رينيه معوّض، وتصبح اللبوة الشرسة عندما تقترب الذئاب من "قطيعها"..

السيدة الأولى.. سيدة القصور من إهدن على زغرتا إلى كل قصر دخلته حليفة.. لم تستطع أن تكون سيدة قصر بعبدا يوماً واحداً.

لا تدري نائلة معوّض على من يقع اللوم.. على ميشال عون لأنه "احتل" قصر بعبدا ومنع الرئيس معوّض من الإقامة فيه لتكون سيدة قصر بعبدا؟ أم على السوريين الذين ارتضوا بقاءها سيدة أولى "مشرّدة" قبل أن تصبح "سيدة أولى سابقة"؟ أم إلى السوريين، الذين تعايشت معهم منذ اغتيال رينيه معوض في العام 1989 وحتى العام 2000، حيث انتصروا لها وناصروها ووقفوا إلى جانبها، ثم اتهمت سوريا متأخرة باغتيال الرئيس معوّض…

الذين يعرفون نائلة معوض يقولون إنها تنقضّ على فريستها بسرعة، وربما يكون هذا أمر مشهود لها بقوتها وسرعة مبادرتها.. ولكن…

أصيبت نائلة معوض بالإحباط.. ليست هذه هي الثورة التي سهرت من أجلها وخططت لها وكتبت أولى كلماتها في بيتها. انكفأت نائلة معوّض لأن التسويات أطاحت بكل جهودها وطموحاتها.. التسويات أبعدتها وأسقطت ثورتها.

ربما كانت انتخابات 2009 واحدة من محطات إحباطها.. ما زرعته كان يجب أن يحصده "الوريث الشرعي" نجلها ميشال، لكن الثورة بدأت تبهت صورتها، فكل "الثوار" يفتشون عن مكاسب "الثورة"، بينما صارت هي من الماضي في تلك "الثورة" التي وضعت أولى مداميكها.

الذين يلتقون "الست نايلة" هذه الأيام يستمعون إلى تفاصيل "ثورة 14 آذار" وظروفها وحيثياتها ويومياتها..

انكفأت نائلة معوّض إلى ثورتها لتعيش في أمجادها التاريخية.. لكن مرارتها كبيرة لأن المسيرة لم تكتمل.

انكفأت نائلة معوّض لأن ظهورها لم يعد يجذب الأضواء التي أشعلتها من ساحة الشهداء..

لا تملك "الست نايلة" اليوم إلا الرهان على إقلاع ميشال معوّض بقطار زعامته، كي لا يندثر إرث رينيه معوّض الذي أضافت إليه "الست نايلة" حيوية استثنائية لإمرأة "حديديّة" مرّت في تاريخ لبنان.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.