من يستحق الإعدام في لبنان؟

فرح الحاج دياب

15 سنة في السّجن تبدو كافية للفنان "التائب" فضل شاكر ليخرج وبيده ألبوم أغاني جديد. ربما سيكون لحن الأغنية الأولى متشابهاً مع لحن "صليل الصوارم نشيد الأباة ودرب القتال طريق الحياة". أما أحمد الأسير فسيكتفي بالاستماع والنقد وهو الذي ترعرع في كنف عائلة موسيقيّة، بحكم مهنة والده كمطرب وعازف عود، خصوصاً أن الأسير سيقضي ما تبقى من عمره في السّجن المؤبد ما دام العمل بحكم الإعدام في لبنان متوقّفاً منذ العام 2004.

أحمد الأسير، الذي لُقبت عائلته بهذه الكنية بعد أسر جدّ له خلال قتاله الاحتلال الفرنسي، ورث الأسر عن جده، لكنّ الإختلاف يكمن في أنّ الجّد كان يقاتل الجيش الفرنسي بينما الحفيد يقاتل جيش وطنه. انتسب الأسير إلى "الجماعة الإسلامية" عام 1985 بهدف العمل المقاوم للاحتلال الإسرائيلي، لينتقل بعد ذلك إلى منظمة "الدعوة والتبليغ" عام 1989 حيث تحوّل انخراطه في الشأن العام إلى الدفاع عن "الهوية الثقافية للسنّة" مع اتجاه متزايد لمقاومة "سيطرة حزب الله" على الواقع اللبناني.

الأسير الذي أثبت أن "الإسلاميين" أيضاً "يحبّون الحياة"، إنتهى به الأمر "إرهابياً" داعماً للحركات التكفيريّة ويحرّض على "تخزيق" عناصر الجّيش اللبناني في أحداث عبرا.

قرار المحكمة بإعدام الأسير ترك الشّارع منقسماً بين مناصريه الذين يطالبون بالعفو عنه، وأهالي شهداء الجّيش الذين يريدون إعدامه لإخماد النّار المستعرة في قلوبهم.

أما في السياسة، فإن الانقسام يشبه واقع البلد وتوازناته.. وحساباته الانتخابية.

الإعدام لا يردع الجريمة

يكمن جوهر العدالة في أنسنة التشريعات وإبعادها عن المعايير الإنتقامية من زجر وعنف وشرعنة النهج العقابي، لصياغتها بما يلائم منطق التسامح والاصلاح، الذي يفرض على المجتمع معاملة الولد العاق بمستوى الإبن المريض، ثمّ تصويب سلوكه بإعادة تأهيله وردّه إلى الفطرة الإنسانيّة التي أفسدتها عوامل خارجية مكتسبة ناتجة عن المحيط الاجتماعي، وظروف الحياة الصعبة، التي تدفع باتجاه ارتكاب الجريمة.

ولعلّ معالجة القضايا الجرمية لا يمكن أن يجري بمنأى عن معالجة اسبابها وظروف ارتكابها، لتكون التشريعات آخذة منحاها الاصلاحي خدمةً للمجتمع والإنسان، ولتكون القوانين في المحصلة النهائية هادفة لحماية حقوق الانسان، وعلى رأسها الحق في الحياة، باعتباره هبة من الله تعالى، لا يجوز لاي فرد او سلطة التحكم بها او تقرير مصيرها.

يؤكّد الناشط الحقوقي فضل سليمان "أن إرتفاع نسبة الجرائم في لبنان في الأعوام الأخيرة لا يعتبر دافعاً لعودة الإعدام إلى لبنان، ولا علاقة حقيقية بين تنفيذ أحكام الإعدام وإنخفاض معدّل الجريمة"، مضيفاً "المسألة تعود إلى المجتمع، ففي بعض الدول نسبة الإعدام مرتفعة، كذلك نسبة الجريمة".

"الاعدام لا يردع الجريمة، خصوصاً في قضايا الارهاب"، هذا ما يراه سليمان، فالإرهابي "يؤمن بأنّ موته إستشهاد، ولابد أنّ هدفه الموت ليلتقي بحور العين… ولذلك فالموت ليس عقاباً حقيقاً له لأنّها النّهاية التي يتوقّعها". ويضيف "الإعدام يخلّف ضحية أخرى هي عائلة المحكوم، فإذا اقدم المجرم على فعلته فلا يكون الاقتصاص للعدالة بقتله، بل يمكن الحكم عليه بالمؤبد بدل الموت"، مشدداً على أنّ "الرادع الأساسي لتخفيف الجرائم في لبنان يكون بتشديد تطبيق القانون ومحاربة الآفات، كالمخدرات وتجارة السلاح وغيرها من الجرائم التي سمحت بهذا التفلت الامني في غياب اي محاسبة".

لبنان.. وطن الإستثناءات

وقّع لبنان على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأعلن في مقدمة دستوره إلتزامه به وبالمواثيق الدوليّة، إلّا أنه أبقى على تشريع عقوبة الإعدام، علماً أنّه سيشهد أكبر مجزرة إعداميّة في حال أعيد العمل بهذا الحكم، إذ أنّ هناك أكثر من 100 حكم إعدام صادر غير منفّذ بعد تعليق العمل فيه.

يُسند البعض فكرة مشروعية الإبقاء على عقوبة الإعدام إلى الخصوصية التي تتمتّع بها بعض الدول، رغم إنضمامها إلى شرعة حقوق الإنسان. ويعتبر البعض الآخر أن الدّول التي لا تزال تعاني ذيول حروب أهلية تحتاج إلى فرض عقوبة الإعدام على مرتكبي أعمال العنف، أقله الى حين بلوغ البلد حالة الأمن والاستقرار، كما أن البعض يخشى محاذير الحكم بغير عقوبة الاعدام، لجهة ما قد ينجم عنه من تفلّت المجرم من العقاب.

لم يكن الحكم بالإعدام السبب الوحيد الذي أثار سخط المدافعين عن حقـوق الإنسـان، داخليـاً وخارجياً، وإنما أيضاً الممارسات التي تتبع مثل هذا الحكم، وهي بنوع خاص: العلنية التي تتبع عمليـة تنفيذ الحكم وطريقة تنفيذ العقوبة.

مع انتهاء الحرب عام 1990 في لبنان، صدر القانون رقم 302/1994 – الذي حرم القضاء سلطته التقديرية في تطبيق الأسباب التخفيفية، بحيث أصبحت جرائم القتل على اختلافهـا توجب الحكم بإعدام فاعليها، بما فيها تلك المنصوص عليها فـي المـادتين 547 و548 مـن قـانون العقوبات، بصرف النظرعن الأسباب التي حملت الجاني على ارتكاب جريمته. إلا أنه مع استتباب الأمن، صدر في 2 آب 2001 القانون رقم 338 الذي نصّ على إلغاء أحكام القانون رقم 302/1994 واعادة العمل بأحكام مواد قانون العقوبات التي كانت نافـذة سابقاً، لذلك لا يمكن اعتبار هذه الخطوة تطوراً كافياً على صعيد حقوق الإنسان، لأنها لـم تلـغِ عقوبة الإعدام، بل اكتفت بإعادة العمل بالأحكام السابقة، وبعـد تعليـق تنفيذ عقوبة الإعدام لمدة أكثر من خمس سنوات، عادت السلطة اللبنانية ونفذّت عقوبة الإعـدام، مما يعني ان السلطات اللبنانية قد تنفذ حكم الاعدام في السنوات اللاحقة.

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول 1948رداً على مدى الوحشية الذي وصلت إليه الدول والأهوال التي شهدتها البشرية إبان الحرب العالمية الثانية – يقر بحق كل شخص في الحياة (المادة 3)، وينص صراحةً على أنه "لا يُعرض أي شخص للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" (المادة 5).

ورغم أن "الإسكافي حافي والحايك عريان"، فإنّ الدّول التي وضعت هذه الشّعارات الرّنانة التي "تشرشر" إنسانيّة، وتطالب بعدم إعدام المجرمين، هي نفسها التي ترتكب المجازر بحق أطفال فلسطين وسوريا واليمن وليبيا وأفغانستان والعراق. ولا تأبه لبراءتهم…

تعارض منظمة العفو الدولية عقوبة الإعدام في جميع الحالات بلا استثناء، وبغض النظر عن طبيعة الجريمة أو خصائص المجرم أو الأسلوب الذي تستخدمه الدولة لقتل السجين. فعقوبة الإعدام "هي إنكار مطلق ونهائي لحقوق الإنسان" كما تعتبر. إنها عبارة عن قتل إنسان مع سبق الإصرار وبدم بارد من قبل الدولة باسم العدالة. وهي تشكل انتهاكاً للحق في الحياة كما هو منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

الإعدام، شأنه شأن التعذيب، وكما لا يمكن أن يكون هناك تبرير للتعذيب أو المعاملة القاسية، فإنّ الإعدام يشكل اعتداء جسدياً وعقلياً بالغاً على الشخص. ولا يمكن قياس الآلام الجسدية التي يسببها قتل إنسان، كما لا يمكن قياس المعاناة النفسية الناجمة عن المعرفة المسبقة بالموت على أيدي الدولة.

بمعارضتها لعقوبة الإعدام، لا تسعى منظمة العفو الدولية، بأي شكل من الأشكال، إلى التقليل من شأن الجرائم التي حُكم على مرتكبيها بالإعدام بسببها، أو التغاضي عنها. ولو كان الأمر كذلك، لكانت أغلبية البلدان مدافعة عن الجريمة العنيفة، بيد أن الطبيعة النهائية والقاسية المتأصلة في عقوبة الاعدام تجعلها غير متوافقة مع معايير العصر الحديث والسلوك الحضاري. إنها رد غير سليم وغير مقبول على الجرائم العنيفة.

التّاريخ اللبناني الأسود

نفذت السلطات اللبنانية عقوبة الاعدام عبر مختلف المراحل الرئاسية، باستثناء فترة حكم الرئيسين شارل حلو والياس سركيس، اذ خلت من تنفيذ هذه العقوبة. وما يقتضي ابرازه هو موقف رئيس الوزراء سليم الحص بتمنعه في شهر آذار عام 2000 عن توقيع مراسيم اعدام مما ادى لتجميد هذه العقوبة طوال فترة بقائه في السلطة.

يتبين من الوثائق الرسمية ان عدد الذين أعدموا طوال الحقبة المذكورة 52 شخصاً.

ضرب عهد بشارة الخوري الرقم القياسي في تنفيذ احكام الاعدام، حيث أعدم 20 شخصاً في عهده. وتبدو صورة اعدام الزعيم انطون سعادة مع رفاقه بمثابة صورة سوداء في تاريخ المحاكمات، ان لجهة سرعة اجرائها وتنفيذها، او لجهة كون الجريمة لها طابع سياسي. ويأتي عهد الرئيس الياس الهراوي في المرتبة التالية اذ تم تنفيذ حكم الاعدام بـ 14 شخصاً، انطلاقاً من قناعة السلطة بمعالجة القضايا الاجتماعية بنظرة امنية، وبالتأكيد لم تؤد غايتها المرجوة.

يسجل لعهد فؤاد شهاب ان المحاكم اللبنانية اصدرت احكاماً بالاعدام بحق مئة شخص بجريمة محاولة الانقلاب العسكري على السلطة اللبنانية عشية نهاية عام 1961، ولم ينفذ اي حكم بحق من شارك في المحاولة الانقلابية.

أمّا قوانين العفو التي كانت تصدرها السلطات اللبنانية من حين لآخر، هي بدورها موضع اعتراض من قبل الهيئات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، خاصة قانون العفو رقم 84 تاريخ 26/08/1991، الذي عفا عن مجرميّ الحرب اللبنانية الذين ارتكبوا مجازر بحق الشعب اللبناني.

يبدو المشهد مشابهاً اليوم لأيّام الحرب الاهلية التي تولت فيها الميليشيات اللبنانية على اختلافها تنفيذ عقوبة الاعدام الميداني بحق خصومها، إذ أنّ أحكام الإعدام الآن تصدر بحق أشخاص دون غيرهم رغم أنّهم جميعاً إرهابيين، لكنّ الشيخ أحمد الأسير "حظّه قليل"!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.