"فتح"-"حماس": مصالحة بين "التسوية" و"المقاومة"!

فرح الحاج دياب

يبدو أنّ المشروع الوطني الفلسطيني سيبقى رهن تنافس حركة "فتح" و"حماس" على كعكة السلطة المسمومة، فأمام عمق خلافاتهما وتضارب تحالفاتهما الإقليمية وتعهداتِهما "السِرّية"، يصعب التصديق أنّهما جادتان في مشروع المصالحة وإنهاء الخلاف القائم بينهما منذ العام 2007، بل يخال للمتابع أنّ جلّ ما تفعلانه هو أنّهما تناوِران وتشتريان الوقت كي لا تُغضبا العواصم الإقليمية.

انطلق قطار المصالحة بين "فتح" التي تستند إلى منطق التسوية، و"حماس" التي تستند إلى منطق المقاومة، من القاهرة متخطّياً أكبر تاريخ من الفشل الذّريع للمصالحة بين منظّمتين تحملان القضّية نفسها، إبتداءً مما تمّ التوقيع عليه في مكّة 2007، وصنعاء 2008، والدّوحة 2012 والشّاطىء 2014، ولذلك ليس مستبعداً أن تؤدّي الظّروف الحاليّة إلى النتيجة ذاتها. إلّا أنّ مصر تسعى إلى تذليل العقبات وربط عربات قطار المصالحة بتدرج وتسلسل زمني ومكاني، سعياً إلى تدشين عهد جديد من المشاركة الوطنية بين "فتح" و"حماس" وباقي الفصائل.

حالة من الفرح والسرور تسود الشارع الفلسطيني بانطلاق جهود المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني البغيض، هذا الانقسام الذي مرت عليه عشرة أعوام إثر بشكل كبير على القضية الفلسطينية وعلى التواصل الخارجي والمستوى الدولي.

آلاف الفلسطينيين من المرضى والطلبة وأصحاب الإقامات والعالقين يتطلعون إلى فتح معبر رفح الذي يعدّ المنفذ البري الوحيد جنوب قطاع غزة، بعدما شهد الشارع الفلسطيني تطورات سريعة لتحقيق المصالحة، وإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.

يؤكّد النّاشط الحقوقي في غزّة عبد الرّحمن الحسني "أنّ الشرخ السياسي الذي أوجده الانقسام بين حركتي فتح وحماس، قد أحال الأوضاع المعيشية في قطاع غزة إلى أسوأ مراحله، الأمر الذي جعل مشهد المصالحة اليوم حلم يرواد الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه"، مضيفًا "أصبحنا أكثر خوفاً من فشلٍ المصالحة إلى أن يثبت الطرفان صدق ما عزما عليه من صلحٍ وتفاهم، ليستطيع الشعب تحقيق أمانيه في حياةٍ كريمة ومقاومةٍ حقيقية في وجه تحديات المحتل الصهيوني، بعيداً عن التباينات السياسية التي تعكس أثرها السلبي على كل مقومات الحياة".

المشهد في غزّة يشبه المشهد في لبنان، فقاطنوا مخيّمات الشّتات، لاسيما مخيّم عين الحلوة يترقّبون خطوات المصالحة بعيونٍ "ذابلة". الخمسيني محمد كايد الذي يجلس أمام غرفته بسقفها التّنكي ككتلة بشريّة ضخمة، يعتبر "أنّ المصالحة بين فتح وحماس ستكون بدايةً لعهد جديد في أمن وإستقرارالمخيّم، إذ أنّ حماس ستضبط الجماعات الإسلاميّة، ما قد يخفف الحصار الأمني ويحد من انتشار الجّيش اللبناني وحواجز التفتيش"، آملاً أن يشكّل هذا الإتحاد قوّة في نقل القرارات للدولة اللبنانيّة ومخاطبة لجنة متابعة المخيّمات الفلسطينيّة في الحكومة الللبنانيّة".

أمام "جولة" المصالحة الحاليّة، يحاول الشارع الفلسطيني المشتت في العالم تجنب الإفراط في التفاؤل خوفا من أن تلقى المساعي مصير الجولات السابقة، ومع ذلك فإن التطورات التي تحدث لأول مرة على صعيد الملف المعقّد وغير القابل للحل منذ 10 سنوات، تدفع بالشارع الى الاستبشار بنجاح فعلي هذه المرة.

رنّة هاتف ممثّل حركة "حماس" في لبنان علي بركة هي النّشيد الوطني الفلسطيني "موطني"، يقطعها صوته القوي… يؤكّد بإسم حركة "حماس"، أنّهم مصممون على "المضي في إنجاز ملفّات المصالحة الفلسطينيّة كافةً، وخصوصًا إنهاء العقوبات على قطاع غزّة وفتح معبر رفح وتشكيل حكومة وحدة وطنيّة تشارك فيها كافة الفصائل الفلسطينيّة الوطنيّة والإسلاميّة، وإعادة بناء منظّمة التحرير الفلسطينيّة على أسس وطنيّة وديمقراطية بحيث يتم إنتخاب مجلس وطني فلسطيني جديد، وإجراء إنتخابات رئاسيّة وتشريعيّة فلسطينيّة، وإعادة ترتيب البيت الدّاخلي، وإعادة وضع إستراتيجيّة فلسطينيّة واحدة لمواجهة الإحتلال الصهيوني"، مضيفاً "ما جرى في الأيام الماضية من خطوات، بعد زيارة قيادة حركة حماس إلى القاهرة وإعلانها في 17 أيلول حل اللجنة الإداريّة في غزّة، وإستعدادها لتمكين حكومة الوفاق الوطني من القيام بكافة أعمالها في القطاع وزيارة الحكومة أمس إلى غزّة، كلّها خطوات نعتبرها مهمّة على طريق تعزيز الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة، ونحن مستعدّون للذهاب قريباً إلى القاهرة بعد اسبوع لإستكمال الحوار مع الإخوة في حركة فتح من أجل معالجة كافة القضايا العالقة".

رغم كلّ هذا الإندفاع والتفاؤل، تبقى هناك "ألغام عنقوديّة" من مخلّفات الخلافات الماضية، هي نفسها التي حالت دون قيام الحكومة الفلسطينية التي تشكلت بعد مصالحة تمت بين الحركتين في عام 2014، بتسلم مهامها في قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة المقاومة الاسلامية "حماس".

إسرائيل: المصالحة ستفشل!

أكّدت دراسة إسرائيليّة نشرها معهد أبحاث الأمن القومي لجامعة تل ابيب، أنّ "المصالحة الداخليّة التي أقدمت عليها كلّ من حماس وفتح ستلقى المصير نفسه الذي عرفته الإتفاقات السابقة المبرمة بينهما، وهو الفشل الذريع".

وضمن هذا السّياق، قال جلعاد شير، أحد المشاركين في الدراسة وهو الرئيس السابق لدائرة المفاوضات مع الفلسطينيين، إن "المصالحة الأخيرة جاءت في وقت يعيش فيه قطاع غزة ضائقة صعبة وبطالة مرتفعة وأزمة إنسانية، في حين تخوض حماس منذ وقت طويل معركة بقاء سياسي في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة المتلاحقة وتبدل شبكة التحالفات السياسية للحركة بين دول المنطقة، ويقصد تحديداً سوريا وحزب الله وإيران".

وأضاف شير، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد الذي سبق له أن تقلد مناصب عسكرية مرموقة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، أن "استجابة حماس للمصالحة بحل اللجنة الإدارية وضعت رئيس السّلطة الفلسطينيّة محمود عبّاس في معضلة صعبة لأنّه لو عادت حكومة التوافق الموالية له إلى القطاع، فسيكون مطلوبا منها الاهتمام بتحسين ظروف سكان القطاع، وهو ما من شأنه تحويل الانتقادات الشعبية من حماس إلى عباس، ولذلك فهو لا يبدو معنيا بالانتخابات العامة، ولا ضم حماس لمؤسسات منظّمة التحرير الفلسطينيّة".

أمّا عن مصر، فتضيف الدراسة أنّ "لها مصالح وراء الضّغط على حماس للمصالحة، إذ تسعى إلى تحقيق أهداف عدة، أهمها عودتها للعب موقف ريادي في العالم العربي ووسيط في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، لأنّها لا ترغب في تلقي المزيد من الإنقادات العربيّة بسبب تفاقم المعانات في غزّة، وهو ما دفع حماس إلى الإستجابة لمطالب القاهرة الأمنيّة بشأن تأمين الحدود المشتركة وإغلاق الأنفاق".

توقّعت الدراسة أن تكون "أي حكومة قادمة خاضعة لأفكار حماس، وهو الأمر الذي سيساهم في تآكل موقف عباس أكثر، وتراجع شرعية حكومته، ولذلك فهو لن يسارع بإجراء الانتخابات العامة التي تزداد فيها فرص خسارته". مضيفةً أنّ "حماس قد تذهب باتجاه المناورة بما يتوافق مع مفاهيم قيادتها، وإقحام عباس والسلطة في الفخ، رغم أن السلطة الفلسطينية لا تزال الشريك الأكثر أريحية لإسرائيل لإعمار القطاع، بالنظر لما راكمته من خبرة طويلة المدى في العمل المشترك في المجالات الأمنية والمدنية".

وسط صواريخ "إسرائيل" القلقة من توحّد الشّعب الذي جزّرت ونكّلت به، وصوت مصر التي كانت أوّل من زرع سفارة إسرائيليّة على أراضيها العربيّة ولا يعلم نواياها إلّا الله، وجدال "فتح" و"حماس" الطويل، يبقى النّشيد الوطني الفلسطيني وحده يصدح في آذان القضيّة التي لا تموت.. إنّها  فلسطين.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.