طرابلس عاصمة للثقافة العربية

فيصل طالب (*)

في شهر أيّار من العام ٢٠١٥، انعقد في العاصمة القطرية الدوحة اجتماع دوريّ للّجنة الدائمة للثقافة العربيّة، العاملة في نطاق المنظّمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، والتي تضمّ في عضويّتها وكلاء وزارات الثقافة في العالم العربي (المديرين العامّين)، أو من ينوب عنهم. وتتولّى هذه اللجنة، بصورة خاصة، دراسة الأوضاع الثقافية واقتراح وسائل النهوض بها، واقتراح مشروعات ثقافية مشتركة، ودراسة خطة المنظمة وبرامجها، وتقديم التوصيات المناسبة في هذه الشؤون، والإعداد لمؤتمرات وزراء الثقافة العرب وتحضير جدول أعمالها وأوراق عملها.

اتخذت اللجنة في الاجتماع المذكور جملة من مشاريع القرارات لعرضها على مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في العالم العربي، وكان من بينها إعلان مدينة طرابلس ـ لبنان عاصمة للثقافة العربيّة للعام ٢٠٢٣، بناء على اقتراح الوفد اللبناني الذي كان لي شرف رئاسته؛ مع الإشارة إلى أنّه جرت محاولات لتقديم الموعد المقترح للاحتفاليّة، لكنها اصطدمت بعائق حجز السنوات السابقة له لعواصم عربية أخرى، جرى تثبيتها بحسب الأصول.

بدأت فكرة عواصم الثقافة بالتحقّق قبل إبرام العقد العالمي للتنمية الثقافية في منظمّة اليونسكو، وتضمينه هذه التجربة لتكون أحد مشروعاته التي تتطابق مع أهدافه، فكانت أثينا أولى المدن الثقافية في العالم في العام ١٩٨٥. وتوالى الإعلان عن عواصم ومدن أخرى بعد انطلاق العمل بهذا العقد في العام ١٩٨٨، فكانت القاهرة أولى العواصم العربية للثقافة في العام ١٩٩٦، ثمّ كرّت السبحة، فكانت تونس (١٩٩٧)، والشارقة (١٩٩٨)، وبيروت (١٩٩٩)، والرياض (٢٠٠٠)، والكويت (٢٠٠١) …، قبل ان يتمّ انطلاق العقد العربي للتنمية الثقافية في العام ٢٠٠٥ في منظمّة الألكسو، ويتواصل الاحتفال بعواصم أخرى للثقافة العربية، كان آخرها مدينة صفاقس في تونس (٢٠١٦)؛ علماً أنّ مدينة القدس أُعلنت عاصمة دائمة للثقافة العربية في العام ٢٠٠٩، على قاعدة التوأمة بينها وبين أية عاصمة عربية أخرى يجري الاحتفال بها في هذا النطاق.

وهكذا كانت طرابلس المدينة اللبنانية الثانية بعد بيروت التي وُضعت على طريق اختيارها عاصمة للثقافة العربية، فكان أن عُرِض الأمر على مؤتمر وزراء الثقافة العرب المنعقد في تونس في شهر كانون الأوّل من العام ٢٠١٦، حيث جرى التأكيد على التوصية التي اتخذتها اللجنة الدائمة للثقافة العربية لهذه الناحية، على أن يتقدّم لبنان بملف خاص عن المدينة في أسرع الآجال إلى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، كما تقتضي الأصول، ليأخذ القرار المبدئي بهذا الشأن طريقه إلى التثبيت والإقرار النهائي.

إنّ إعداد ملف خاص عن مدينة طرابلس يقتضي بادئ ذي بدء قيام وزارة الثقافة اللبنانية بتشكيل لجنة عليا للاحتفالية يكون للسلطات المحلية فيها دور أساس، فضلاً عن الجامعات والمنتديات الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية، وأهل الفكر والأدب والفن والتراث…

أمّا الملف المطلوب في هذا المجال، فيمكن أن يتضمّن على سبيل المثال لا الحصر:

  • لمحة عن جغرافية المدينة، وموقعها في التاريخ العربي، ومكانتها الثقافية في لبنان والمنطقة، وإسهامها في الثقافة العربية والإنسانية، من خلال الأعمال العلمية والفكرية والأدبية والفنية لمثقفيها.
  • الإشارة إلى أهم الدراساتوالأبحاث القديمة والحديثة التي كُتبت عن المدينة.
  • ما تختزنه المدينة من معالم أثرية ومعمارية: القلعة والمساجد والكنائس والمدارس والأبراج والزوايا والأسواق القديمة والحمامات والخانات…
  • ما تختزنه المدينة من عناصر التراث الثقافي غير المادي (الممارسات الاجتماعية والمعارف التقليدية وأشكال التعبير الثقافي والمهارات المرتبطة بالصناعات الحرفية…).
  • أهمّ الصناعات التقليدية والحرف اليدويّة في المدينة.
  • صورة موجزة عن البنية التحتية الثقافية للمدينة، ومدى التسهيلات اللوجستية التي تتوافر لها لإقامة هذه الاحتفالية واستضافة الوفود المحلية والعربية…
  • الإشارة إلى أهم المنتديات الثقافية والمراكز العلمية والمكتبات في المدينة.
  • توصيف موجز للحراك الثقافي في المدينة (المهرجانات والأنشطة الثقافية ومعارض الكتاب والفنون التشكيلية والعروض المسرحية والسينمائية وأعمال الترجمة والنشر…
  • تصوّر أوّلي للبرنامج العام المقترح للاحتفاء بالمدينة لمدة سنة كاملة، مع لفتة اهتمام خاصة بحفل الافتتاح الذي يمتد على فترة ثلاثة أيام متتالية .

أخيراً، يجدر القول إنّ اختيار طرابلس عاصمة للثقافة العربية يتطابق تماماً، وبصورة نموذجية، مع الشروط الموضوعة لاختيار عواصم الثقافة في العالم، وذلك استناداً إلى مبرّرين موضوعيين أساسيين:

الأوّل عراقة المدينة وثراؤها العمراني والثقافي والتراثي والفني المتواتر عبر التاريخ؛ الأمر الذي تستحق معه تظهير كنوزها التاريخية وحراكها الثقافي، والتعريف بقيمتها الحضارية في العالمين.

الثاني أنها مدينة تستحق الحياة، خصوصاً بعد فترة طويلة من الأزمات والصعوبات؛ ما يجعل الاحتفاء بها سبيلاً لتفعيل حضورها الحيّ في ساحة الحراك المحلي والوطني والعربي؛ فضلاً عن الفرصة الاستثنائية التي يتيحها لها هذا العرس الثقافي الكبير الذي يرفد حاضرها المحتاج إلى العناية والرعاية بأسباب التقدّم والتنمية والنهوض في مختلف المجالات.

 (*) المدير العام السابق للشؤون الثقافية

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.