هل تعود ليالي وسط بيروت الصاخبة؟

محمد شرف الدين

من اعتاد المرور في وسط بيروت نهاراً، اعتاد على زحمة روّاده، بين سياح وموظفين ومتبضّعين.. ومن اعتاد المرور ليلاً، اعتاد على صخب سهراته، لا سيما شارع الاوروغواي، الذي افتتح صيف 2011، فكان بذلك أول شارع مخصص للساهرين المشاة (لا تدخله سيارات) في بيروت، فشكل بمطاعمه التي تقدم مطبخاً شرقياً وغربياً، ومقاهيه التي تسمح للرواد بأخذ المشروبات والتجول بين طاولات المقاهي، نقطة جذب سياحية لعدد كبير من اللبنانين، لا سيما الشباب منهم. يختلف المشهد اليوم، فهذا الشارع الذي اعتاد أن يستقبل أكثر من ألفي زائر كل ليلة، بات خالياً من الصخب، وأصبح أشبه بحارةٍ مهجورة، بعدما انخفض العدد الى ما لا يتجاوز الخمسين.

يلقي طوني، وهو صاحب إستثمار في الوسط، اللوم في المقام الأول، على الحراك المدني، الذي حصل في وسط بيروت قبل بضع سنوات، وشهدت خلاله المنطقة أعمال شغب وتفرقة للمتظاهرين بالقوة، ما تسبب بتخوف المواطنين من إرتياد الوسط.

لسنوات طويلة ناشد أصحاب المحال التجارية في وسط بيروت بضرورة إبعاد أي تحرك مطلبي عن محالهم، مستنكرين إغلاق المداخل أمام الزوار، ما تسبب بخسائر شهرية وصلت إلى عشرات الآلاف من الدولارات للبعض منهم، فيما قرر البعض الآخر الإغلاق وصرف الموظفين، فتحول الوسط إلى مدينة للأشباح "يغزوها" كل فترة عدد من النواب بمواكبهم الضخمة.

في هذا السياق يلفت طوني النظر إلى أحقية مطالب الحراك في وقته، "لكنه إفتقد إلى حسن التنظيم، فانعكس ذلك سلباً علينا وعلى باقي المستثمرين، لكننا مستمرون".

ولعل غلاء المعيشة والظروف الإقتصادية الصعبة، بحسب سامر، أحد العاملين في الوسط التجاري، اجبرت اللبنانيين على الاكتفاء بالأساسيات والحد من الرفاهيات، فإنخفض بذلك عدد الرواد ومعدل انفاقهم.

وسط بيروت التجاري يعاني من ثلاث أزمات متداخلة، هي الضائقة الاقتصادية، والتدابير الأمنية المشددة وغياب السياح العرب نتيجة منع دول الخليج مواطنيها من السفر إلى لبنان. ويعتبر كثيرون أن الوسط التجاري يشكل عنوان فخر وإعتزاز للبنان، باحتضانه المقرات المؤسساتية، ومراكز المصارف الكبرى، والمطاعم والفنادق الفخمة، الا أن الاقفال المتسارع للمحال التجارية، يُفرغ المنطقة من حياتها وحيويتها، وسيؤدي بالطبع إلى تحويل قلب العاصمة إلى منطقة إقتصادية مشلولة ومنكوبة.

نتيجة لانخفاض عدد الرواد ومعدل الانفاق، وما يقابله من إرتفاع في سعر الايجارات في "سوليدر"، أصبح الإستثمار في الوسط التجاري إستثماراً خاسراً، فأقدمت المحلات على الاقفال واحدة تلو الأخرى، حتى وصل عدد المطاعم والمقاهي المقفلة الى 18 في العام الماضي فقط، بعد أن كان عددها يتجاوز الثلاثين عند إفتتاح الشارع قبل خمس سنوات، ويعتاش من خلالها أكثر من مئتي عائلة. ونقلت المحلات التي كانت جزءاً من سلسلة Franchise، استثمارها إلى مناطق أخرى، أما أصحاب المطاعم الصغيرة، فوجدوا أنفسهم مجبرين على الاقفال والاستثمار في مجلات غير سياحية.

القلة التي ما تزال ترتاد المكان تجمع على جمال المنطقة وضرورة إعادة احيائها، فيقول ناصر الخمري، وهو سائح كويتي، أن وسط بيروت يتمتع بكل مقومات السياحة، متمنياً عودة الحياة إليه بعد الإستقرار الذي شهده لبنان في الفترة الأخيرة. وتتفاءل كريستل، لبنانية مغتربة، بالعهد الجديد، وتتمنى "تحسن الأوضاع في بلد العلم والثقافة لأن الحياة تليق به".

من جهتهم، يحاول أصحاب المطاعم المتبقية، إعادة الحركة التجارية والسياحية، عبر مبادرات فردية، تتمثل باستقدام موسيقيين لإحياء السهرات، خصوصاً بعد احتفال رأس السنة الضخم، والذي أثبت أن الوضع الأمني ممسوك وتحت السيطرة، يتفاءل أصحاب المقاهي والمطاعم بهذا الحدث متمنين أن يكون بادرة تعيد للوسط التجاري رونقه وحيويته.

حال شارع الاوروغواي لا يختلف عن باقي شوارع وسط العاصمة، فيضاف إلى الأسباب الاقتصادية والأمنية وغلاء الايجارات، وجود مجلس النواب في ساحة النجمة، وإقفال مداخلها عند كل جلسة، ما إنعكس بدوره على الحركة السياحية فيها، لكن اللبنانيين تلقوا أخيراً خبراً يُؤمل أن ينتج ترددات اقتصادية إيجابية على مالكي ومؤجري مقاهي ومطاعم وسط بيروت التي تكبدت خسائر جسيمة، جراء الإجراءات الأمنية والطوق الأمني الذي ضرب حول منطقة وسط بيروت وشارع المعرض وساحة النجمة، تحديداً حيث مقر البرلمان، حيث أعلنت الأمانة العامة لمجلس النواب، أن رئيس المجلس نبيه بري بري أعطى توجيهاته، لفتح جميع منافذ محيط مجلس النواب للمشاة كما كان الوضع عليه قبل الإجراءات الأمنية السارية منذ اعتصام قوى "8 آذار" في وسط بيروت لسنين منذ العام 2006. وتمنى الرئيس بري على أصحاب المؤسسات التجارية والمطاعم والفنادق والمكاتب العودة الى مزاولة أعمالهم.

وفور صدور التعميم عملت شرطة مجلس النواب على إزالة كل الحواجز والبلوكات التي كانت تسد مداخل شوارع الوسط التجاري.

لكن عودة الحياة إلى المتاجر لا تكون فقط بفتح المنافذ، بل بدعم اصحاب الشركات وإقامة مهرجانات كما حصل ليلة رأس السنة، كذلك تقديم تسهيلات للمستثمرين وإعفائهم من الضرائب المباشرة، أقله في الأشهر القليلة المقبلة في خطوة تشجيعية لهم. والأهم أن تكون هذه الخطوة دائمة، لا ان يعاد إقفال الشوارع كافة عند أول اعتصام مطلبي لمجموعة لا يتخطى عدد أفرادها أصابع اليد الواحدة.

وإضافة الى اهمية هذه الخطوة اقتصادياً وسياحياً للبنان وبيروت، حيث كان وسط بيروت قبلة السياحة الخليجية، فإنها تحمل رسالة سياسية وأخرى أمنية، فالسياسية مفادها "الإيجابية" التي تسود العلاقة بين الرئيس بري ورئيس الحكومة سعد الحريري، أما الرسالة الأمنية فمفادها أن الاستقرار الأمني عاد الى لبنان والفترة المقبلة ستحمل انفراجات سياسية مع اجراء الانتخابات النيابية المرتقبة، ويأمل الجميع أن ينعكس هذا الاستقرار السياسي على الوضع الاقتصادي، خصوصاً مع إقرار قانون النفط والغاز.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.