النسبية.. و"فرسانها" الأثرياء

نورما أبو زيد

من الـ2017، إلى الـ2018، لا جديد تحت الشمس. وحدها محطة الانتخابات النيابية المنتظرة في أيار المقبل، ستكون جديدة بعد سنوات تسع من عمر التمديد المديد لنواب انتهت صلاحيتهم، وتغلغل العفن فيهم وصولاً حتى أمعائهم والمصران الغليظ.

تحتَ شعار "لا للتمديد نعم للتجديد"، قرّرت "نخبتنا" الحاكمة التي شاخت، أن تجدّد شبابها بمولود انتخابي جديد، ولم تعدم وسيلة لتنفخ فيه حياة: طفل أنبوب "ما مشي الحال". تلقيح مجهري "ما مشي الحال" أيضاً..  حقن مجهري "شرحو"… كلّ طرق الإخصاب الصناعي الأخرى "كيف ـ كيف". فكان لا بدّ من "ابن الحرام" على قاعدة "لا حول ولا…"!.

"ترسانة" سياسية من العريضة حتى رأس الناقورة، أنجبت لنا "طفل كرتونة" سُجّل في قائمة مكتومي القيد بتاريخ 14/6/2017. ولا نتجنّى على أحد إذا قلنا إنّه "طفل خطيئة". فالنتائج البليغة هي التي تفسّر هذا "الإعجاز السلطوي" الخارج عن سياق المسارات التقليدية في استيلاد القوانين الانتخابية.

بعد الإنجاب، رفعوا جميعاً الأنخاب، ولم يسأل سائل من أين جاء، وكيف، ولماذا؟ ولكن اليوم مع قرب الموعد الانتخابي وضياع المرشحين في عمليات الحساب والاحتساب، السؤال الأكثر تداولاً هو: طفل الـ 2017 هذا من أين أتى؟

بعد "الطائف"، عرف لبنان قوانين هجينة، ولكن لم يكن من بينها "ابن كرتونة".

انتخابات الـ 1992 ولد قانونها على قارعة طريق ما بين الشام والرياض. والده كان اسمه "سين"، وأمّه حملت الاسم نفسه، وهو كان ابن الـ "سين ـ سين". وانتخابات الـ 1996 كانت بمثابة إعادة تأكيد "شرعية" الوالدين نفسهما لقانون الـ 1992.

أما انتخابات الـ 2000 فقد تمّت وفق "قانون غازي كنعان" الذي ولد في أحضان أجهزة المخابرات السورية التي كانت منتشرة على الأراضي اللبنانية. والده كان "غازي" الفروع الأمنية، وأمّه كانت مخابراتية، وهذا يعني أنّ الهوية كانت واضحة ولو أنّ المولود جاءنا بعملية "غير شرعية" ما بين غازي وفروعه.

انتخابات عام 2005 أعادت بدورها إنتاج المنتج نفسه وفق القانون نفسه القادم من أحضان فروع الأمن السورية، وفي الـ 2009 كان لا بدّ من الدوحة، ولكن حصل أن أصابتنا دوخة، لأنّ الذين طالبوا بـ "طفل الستين"، عادوا ليقولوا إنّه ليس من "العائلة"، وبالرغم من ذلك كان ـ كأشقائه ـ معروف الأب والأم.. ولكن طفل الـ 2017 ما زال إلى اليوم "مكتوم القيد".

في العادة، ينتقل "طفل الكرتونة" من قارعة الطريق إلى كوابيس الحياة، ولكن هذا الطفل بالذات، جلب لنا الكوابيس.

من علامات القانون الراهن، أنّ الزمن تغيّر. مولود غير معروف الحسب والنسب اعترفت به "دولة عريقة في الديمقراطية"، نظامها يتقاسمه يمين عتيق ويسار معتّق، وأوقع في صفوف المعسكرين ضحايا.

في العادة أطفال الكرتونة هم الضحايا. ضحايا مرتكبين. ولكن طفلنا هذا سيكون مرتكِباً، تماماً كما أتوا لنا به.

الخوف هنا ليس على الطوائف بل من الطوائف. في العادة، كلٌ يلتحق بـ"قطيعه" الطائفي، مهما علا كعبه، ومهما كان شكل القانون واسمه، ولكن هذه المرة كلّ طائفة ستصبح ملحقة بابن الطائفة، وبذلك ستكون الطائفة وسيلة النقل التي تقلّ أحد أبنائها إلى ساحة النجمة.. ولكن لا عجب.

مع قانون الطوائف الجديد، انتهى زمن المحادل والبوسطات والفانات.

وفق القوانين السابقة كانت وسائل النقل، من محادل وبوسطات وفانات، تعمل على خطّ المناطق اللبنانية – ساحة النجمة، تقلّ من تريد، وتستثني من تريد.. ولكن مع "قانون الكرتونة" عدنا إلى وسائل النقل القديمة. كلّ لائحة ستتضمن شخصاً أو أكثر، مهمّته وضع "زميل" له على أكتافه لإيصاله إلى المجلس النيابي، وكالعادة الأثرياء يركبون و"الفقراء" يُركبون.

ليس خافياً أنّ البحبوحة الخليجية تقلّصت، ولكن الأموال الانتخابية هذه المرة ستكون لبنانية الهوى والهوية: من يدفع أموالاً أكثر يجني أصواتاً أكثر.

عباقرة "الارتكاب المالي" سيملأون مجلسنا النيابي. سيكون البلد على مقاسهم لا على قياس وطن ومواطن.

مع "الطاقم" المنتظر، لن يكون الفساد شبهة بعد اليوم، بل سيصبح "مهنة" في بلد وصل فساده إلى حدّ التخمة.

يبقى نوع آخر لا بدّ من الإشارة له، هو ذاك الذي يقبض ثمن صوته التفضيلي وينتخب المرشّح المركوب لا الراكب.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.